فهرس الكتاب

الصفحة 766 من 2431

وهذا من تعظيم الملازم للملازم. فهم عاكفون على عبادة الأصنام، منكبون على تعظيم من لا يستحق التعظيم، إظهارًا لما في أنفسهم من الابتهاج بهذه العبادة.

وكما عكف قوم إبراهيم عليه السلام على أصنام وتماثيل؛ تقليدًا لأسلافهم واقتفاءً لآثارهم، فقد وجدنا هذا العكوف عند قوم موسى عليه السلام، لكن مع معبود آخر هو العجل، صنعه لهم السامري، وتكررت كلمة (العكوف) ، فقال الله سبحانه: (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ ? وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَ?نُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى? يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى?) [طه: 90 - 91] .

فكان الرد الذي فيه الغلظة وينم عن شدة التقليد: (قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى? يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى) [طه: 91] .

وكلمة (لن) نفي فيه الشدة والتأبيد، وفيه دلالة على أنهم أشربوا حب العجل حتى أعماهم عن التأدب مع نبي الله تعالى، كما قال سبحانه: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) [البقرة: 93] .

وكلمة (?) الدالة على الظرفية، تبين مدى الحب لعبادة العجل، وتعمقه في قلوبهم.

العقائد مسائل ثابتة، يجب الإيمان بها، ولا مجال للتلاعب فيها. إلا أن الأقوام حينما جاءتهم رسلهم بالبينات، مبشرين ومنذرين، جابهوا أنبياءهم بالكفر والنكران، وحجتهم في ذلك: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى? أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى? آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) [الزخرف: 22] .

والتقليد في العقيدة تكرر من الأمم في موقفها من رسلها، وإنكار البعث، والاحتجاج بالقدر. وولوج هذا الجانب من التقليد العقائدي سيكون في مسائل ثلاث:

أرسل الله تعالى الرسل تترا إلى الناس مبشرين ومنذرين، فمنهم من آمن، ومنهم من صد عن سبيله. والذين صدوا عن سبيله هم الأكثرية، وكانت لهم مواقف تجاه الرسل متكررة على مر الأجيال، ومن هذه المواقف: شبهة بشرية الرسل، وموقف التكذيب والاستهزاء بهم وبالدعاة. وسيكون الحديث عن هذين الموقفين.

الموقف الأول: شبهة بشرية الرسل.

تكررت هذه الشبهة على لسان الأقوام المكذبة للرسل عليهم السلام، ظنًا منهم أن الرسالة لا تنبغي إلا لملك مقرب، والبشر أدنى من هذا المستوى، ولئن كانت هذه لبشر، فتنبغي أن تكون لرجل عظيم في المال والجاه.

وجاءت هذه الشبهة على لسان الأقوام في أكثر من آية، منها قول الله تعالى: (ذَ?لِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا ? وَاسْتَغْنَى اللَّهُ ? وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) [التغابن: 6] .

فهذه الآية ذكرت اتهام الأقوام للرسل عليهم السلام بأنهم بشر، وهذا الكلام لمجموع الرسل (رسلهم) ، وفيه بيان أن الأقوام توارثت هذه الشبهة، وتفوه بها اللاحقون تقليدًا للسابقين.

فقد كانت حكاية هذه الشبهة على لسان الملأ من قوم نوح عليه السلام حين دعاهم: (انْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَھ) [هود: 26] .

فكان ردهم كما قال الله سبحانه: (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَ?ذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَ?ذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ [المؤمنون: 24] .

والأمر نفسه يتبعه قوم عاد وثمود، فقال الله سبحانه مقولتهم: (إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ? قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) [فصلت: 14] .

وتتوالى الأمم في إنكارها لبشرية الرسل عليهم السلام، حتى يصل الأمر لقوم فرعون فيخبر الله تعالى عنهم استنكارهم لبشرية موسى وهارون عليهما السلام: (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ) [المؤمنون: 47] .

كذلك قوم شعيب عليه السلام يتابعون غيرهم في هذه الشبهة، فيقول الله عنهم: (كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ) إلى قوله: (مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا) [الشعراء: 176 - 186] .

وكذلك يقولها أهل أنطاكية لرسلهم الثلاثة الذين أرسلهم إليهم عيسى عليه السلام: (قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) [يس: 15] .

وتستمر البشرية في التواصي على هذه الشبهة، حتى يأتي أهل مكة فيكرروها لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى? رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ? قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَ?ذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ) [يونس: 2] .

وهذا العجب الذي حصل من أهل مكة في بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم سبقهم إليه قوم نوح إذ قال الله تعالى عن ذلك: (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى? رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ) [الأعراف: 63] .

وكذلك جاء هذا العجب من قوم عاد وبنص الآية السابقة نفسها 51، «فإنكار رسالة البشر عام في كل الأمم» 52.

الموقف الثاني: التكذيب والاستهزاء والطرد.

المجتمعات البشرية تكون على نمط معين من الحياة، فيها كبراء يقودون رعية هي لهم تبع، فإذا كانت هذه المجتمعات ظالمة منحرفة عن عقيدة التوحيد، أرسل الله إليها الرسل مبشرين ومنذرين، وتكون هذه الرسالة تحريرًا للضعفاء من التبعية العمياء للكبراء، وهداية الجميع لله وحده. وهذه الرسالة الجديدة تجد الاستجابة من الضعفاء، والصد والعنت -عادة- من الكبراء، وحجتهم أن الرسل وأتباعهم ليسوا من علية القوم وملئهم، بل هم من الضعفاء.

وعند توالي تبعية المستضعفين للرسل والدعاة، يستشعر الكبراء الخطر في ضياع نفوذهم، وذهاب طاعة المستضعفين لهم، فيبدأ هؤلاء الكبراء بإثارة الشبهات حول الرسالة الجديدة لهدمها، فيكذبونها ويستهزؤون بها. وحينما لا تفلح حجتهم أمام حجة دين الله تعالى يلجئون إلى القوة والبطش وطرد الرسل والدعاة. وهذا الأمر ديدن الكافرين قديمًا وحديثًا، كما أخبرنا القرآن العظيم.

يقول الله تعالى: (وَلَقَد أَرسَلنا مِن قَبلِكَ في شِيَعِ الأَوَّلينَ ?10? وَما يَأتيهِم مِن رَسولٍ إِلّا كانوا بِهِ يَستَهزِئونَ ے) [الحجر: 10 - 11] .

يدل على تكرر ذلك منهم، وأنه سنته، (فكان) دلت على أنه سجية لهم، والمضارع دل على تكرره منهم» 53.

وكذلك بين الله تعالى أن اتهام الرسل عليهم السلام بالسحر أو الجنون ديدن الأقوام الكافرة، فقال الله سبحانه: (كَذَ?لِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌٹ أَتَوَاصَوْا بِهِ ? بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) [الذاريات: 52 - 53] .

والآية تتحدث عن عموم الأقوام الذين جاءتهم رسلهم بالبينات، فما كان قولهم لرسلهم إلا أن قالوا: ساحر أو مجنون. وهذا ما قالته قريش لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

وقوم نوح عليه السلام يتهمونه بالجنون: (نْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) [المؤمنون: 25] .

والتهمة نفسها وجهت إلى سيدنا موسى عليه السلام من فرعون، حيث قال الله تعالى مقولته: (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) [الشعراء: 27] .

وكذلك فعل كفار مكة مع محمد صلى الله عليه وسلم فوصفوه بالكذب والجنون في أكثر من موطن، فقال الله سبحانه عنهم: (أَفْتَرَى? عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ) [سبأ: 8] .

وكما كانت الأقوام تتوالى في الاستهزاء بالرسل عليهم السلام، كذلك كان الحال بأتباع الرسل المؤمنين.

فقوم نوح عليه السلام اتهموا من آمن به بأنهم ليسوا من أهل العقل، وليس لهم رأي سديد، فقال الله سبحانه: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى? لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) [هود: 27] .

وشابه ملأ قريش ملأ قوم نوح في ازدراء المؤمنين أتباع الرسل، فكان أغنياء مكة وكبراؤها، إذا مروا على مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ورأوا ضعفاء المسلمين كعمار وخباب وصهيب رضي الله عنهم، استهزؤوا بهم وقالوا: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى، لو كان ما جاء به محمد خيرًا ما سبقونا إليه، وما خصهم الله به دوننا 54.

ومن مسلمي اليوم من يستهزئ بالملتزمين بشرع الله تعالى في أفلام فضائيات هابطة وجوالات محمولة. وهؤلاء يشبهون المنافقين في أخلاقهم وصفاتهم الذين قالوا في غزوة تبوك عن الصحابة: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء» ، يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأنزل الله فيهم: (وَلَئِن سَأَلتَهُم لَيَقولُنَّ إِنَّما كُنّا نَخوضُ وَنَلعَبُ قُل أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسولِهِ كُنتُم تَستَهزِئونَ ?65? لا تَعتَذِروا قَد كَفَرتُم بَعدَ إيمانِكُم) [التوبة: 65 - 66] 55.

ولما لم يجد التكذيب والاستهزاء نفعًا أمام المستمسكين بدينهم، الثابتين عليه، رفع أهل الكفر سقف المحاربة إلى التهديد والوعيد لرسل الله وأتباعهم بالإخراج من أوطانهم.

فقال الله سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ?) [إبراهيم: 13] .

فهذه الآية جاءت بعد الحديث عن أقوام موسى ونوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله 56، والآية تكلمت بلسان الجمع (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ) ، وهذا يعني أن النفي والطرد من سنة الكافرين، فقلد اللاحقون السابقين.

وهذا النفي والإخراج كان تهديدًا من قوم شعيب لشعيب عليه السلام ومن آمن معه: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) [الأعراف: 88] .

وكذلك من قوم لوط: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ? إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) [النمل: 56] إلى أن جاء زمن النبي صلى الله عليه وسلم فكانت المؤامرة التي أخبر الله تعالى عنها: (وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا) [الإسراء: 76] .

وتستمر المؤامرة ضد أتباع الرسل عليهم السلام، وضد الدعاة الصادقين المنادين بتطبيق شرع الله تعالى، والواقفين في وجه الظلم والاحتلال والاستعباد. فترى السجون في طول البلاد وعرضها للدعاة المخلصين الذين نادوا بتطبيق دستور الإسلام، حتى إنه من شدة البطش والتنكيل كانت الهجرة القصرية إلى بلاد الكفر، هروبًا من بطش الظلمة في ديار المسلمين، إذ إنهم وجدوا بلاد الكفر أكثر أمنًا من بلادهم.

اليوم الآخر يوم أخبرت به الرسل جميعًا وهو يدرك عقلًا، إن أحسن العقل التفكير. إلا أن من الناس من عطل عقله وأسلمه لغيره انقيادًا له وتبعية؛ وبات يتذرع بأن ما جاءت به الرسل، إن هو إلا أساطير الأولين.

فقال الله تعالى عنهم: (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ ?81? قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ?82? لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) [المؤمنون: 81 - 83] .

فأهل مكة قالوا مثل ما قال أسلافهم: أنه لا بعث بعد رميم العظام.

ومتكأ القوم في تكذيبهم للبعث، أنه وعد متكرر لآبائهم الأقدمين، فهم قالوا مثل ما قال أسلافهم، وكذبوا مثل ما كذب الأولون. والملاحظ أن (سورة المؤمنون) ذكرت قوم نوح، فقوم ثمود، فقرونًا آخرين، فقوم موسى ثم ذكرت حكاية أهل مكة في إنكار البعث كما في الآيات السابقة.

ويبين الله تعالى أن قوم عاد ردوا على هود عليه السلام دعوته بالإيمان بالبعث، منكرين التعذيب لهم بعد الموت، عذرهم كما وصفهم الله تعالى بأن هذا خلق الأولين، فقال الله سبحانه: (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ) [الشعراء: 123] .

إلى أن يقول عنهم: (قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ ?136? إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ ?137? وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) [الشعراء: 136 - 138] .

فقوم عاد يقتدون بمن سبقهم في إنكار البعث. وأشار القرآن الكريم إلى إنكار قوم موسى عليه السلام للآخرة، حين نهاه الله عن اتباع من صد عنها كفرًا بها، فقال سبحانه: (إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخفيها لِتُجزى كُلُّ نَفسٍ بِما تَسعى ?15? فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنها مَن لا يُؤمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَردى) [طه: 15 - 16] .

ويستبعد الكافر البعث؛ لأنه بزعمه مخالف للمعهود عنده. ويعبر عن ذلك بسؤال استنكاري، كما أخبر الله تعالى: (يَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا) [مريم: 66] .

وكذلك يستعظمه؛ لأن الله في ظنه المزعوم غير قادر عليه.

يقول الله تعالى: (وَقالوا أَإِذا كُنّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنّا لَمَبعوثونَ خَلقًا جَديدًا) [الإسراء: 49] .

وهم يتعجبون منه، إذ يقول الله تعالى: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ? أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) [الرعد: 5] .

ولك أن تتصور شدة العناد في إنكار البعث من أهل الكفر، حينما تعلم أن القرآن الكريم أورد آيات كثيرة إثباتًا لهذه العقيدة، أمام صلف الكفار، بل إن سورًا كسورة الكهف ومريم وسبأ يكاد يكون موضوعها الأساس إثبات البعث 57.

وفي العصر الحديث أطل علينا مكر شيوعي إلحادي لا يؤمن إلا بالمادة. فكل ما هو محسوس ومشاهد فهو موجود، أما غير ذلك من غيب غير مشاهد فلا إيمان به ألبتة. وبناءً على ذلك فليس للكون نهاية ولا حدود، ولا يوم آخر!

وهؤلاء القوم امتداد للماديين قديمًا أعداء الرسل الذين تطاولوا بالمادة وأنكروا البعث.

والذي يتولى كبر إنكار البعث هم المترفون، كما يقول الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ?34? وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَں) [سبأ: 34 - 35] .

فذكرت أنه ما من قرية أرسل الله إليها رسولًا، إلا كان من ضمن ما أنكره مترفوها: البعث (وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَں) . وهذا يتابع فيه المترفون اللاحقون إخوانهم المترفين السابقين أيضًا، ويحاكونهم في ذلك. وقد ذكر الله سبحانه إنكار عموم المترفين للبعث حينما تحدث عن أصحاب الشمال، فقال: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ?45? وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ ?46? وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) [الواقعة: 45 - 47] .

ومن غرور المنكرين للبعث ظنهم أن الله أعطاهم في الدنيا أموالًا وأولادًا، اعتقادًا منهم أن ذلك كرامة لهم من الله، فلئن رجعوا إلى يوم القيامة- على تقدير حصوله عندهم حسب اعتقادهم الفاسد- فسوف يكون لهم الحسنى، فهم يعتقدون أن الله سيؤتيهم يوم القيامة خيرًا مما آتاهم في الدنيا- إن وجد حسب ظنهم-. وتكرر هذا الغرور في سورتي الكهف ومريم المتتاليتين في المصحف ترتيبًا.

فقال الله سبحانه عن رجل من بني اسرائيل 58: (مَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى? رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا) [الكهف: 36] .

وتحدثت سورة مريم عن العاص بن وائل 59: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا) [مريم: 77] .

فكلاهما أنكر اليوم الآخر، وزعم أنه لو جاء يوم القيامة ليكونن لكل منهما خير مما أوتي في الدنيا. وانظر للتوكيدات في الآيتين: (لاجدن) و (الاوتين) ، وهذا يدل على شدة الغرور والجهل.

الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، وهذا من الأركان التي يساء فهمها، ويحمل من التفسيرات ما لا يحتمل. وإساءة الفهم هذه قديمة جديدة، عايشها القدماء، وسايرها المحدثون. ولقد بين الله عز وجل في كتابه الكريم فهم الأقوام الخاطئ لهذا الركن حينما كانوا يتعذرون بالقدر على فعل المنكر، بعبادة غير الله تعالى، وتحريم ما أحل الله من الحرث والأنعام، وكذلك التلاعب في كيفية اللباس عند الطواف.

فقال الله سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ? كَذَ?لِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ?) [النحل: 35] .

يقول المشركون: ما نعبد هذه الأصنام، ولا نحرم ما حرمنا من السوائب والبحائر، إلا بمشيئة الله ورضاه، ولولا ذلك لعاقبنا على ذلك. وهذا كما فعلت الأمم المشركة الذين استن هؤلاء سنتهم، فقالوا مثل قولهم، وسلكوا سبيلهم في تكذيب رسل الله، واتباع أفعال آبائهم الضلال.

وهذا طريق متعين لكل الكفار المتقدمين والمتأخرين في تكذيب الأنبياء وفي دفع دعوتهم عن أنفسهم 60.

كذلك بين الله تعالى احتجاج الأقوام المتعاقبة على فعل المعاصي بالقدر في سورة الأنعام حيث قال الله سبحانه: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ? كَذَ?لِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى? ذَاقُوا بَأْسَنَا ?) [الأنعام: 148] .

يقول ابن عاشور: « (كَذَ?لِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ؛ أي: كذب الذين من قبلهم أنبياءهم مثل ما كذبك هؤلاء. وهذا يدل على أن الذين أشركوا قصدوا بقولهم: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) تكذيب النبي- صلى الله عليه وسلم إذ دعاهم إلى الإقلاع عما يعتقدون، بحجة أن الله رضيه لهم وشاءه منهم مشيئة رضى، فكذلك الأمم قبلهم كذبوا رسلهم مستندين إلى هذه الشبهة» 61.

فهم حرموا ما أحل الله، وأحلوا ما حرم كما فعل آباؤهم، وأرادوا بذلك أنهم على الحق المشروع المرضي من عند الله!.

وكانت قبيلة من أهل اليمن يطوفون بالبيت عراة، فإذا عذلوا على ما أتوا من قبيح فعلهم وعوتبوا عليه، قالوا: وجدنا على مثل ما نفعل آباءنا، فنحن نقتدي بهم ونستن بسنتهم، والله أمرنا به 62، فأنكر الله عليهم ذلك وقال: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ? قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) [الأعراف: 28] .

فهم يحتجون على فعل الفواحش بأنهم وجدوا آباءهم عليها، وأنها طاعات أمر الله بها، فنحن نستن بسنة الآباء، ونتبع أوامر الله بزعمهم.

وقدوة هؤلاء الكفرة إبليس حينما احتج بالقدر على معصيته في عدم السجود لآدم متوعدًا بني آدم بالإغواء والإضلال؛ لأن الله أراد له الغواية -بزعمه-، فقال الله سبحانه: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) [الأعراف: 16] .

والباء سببية، كما يقول الزمخشري 63.

ومن الفرق التي احتجت بالقدر على المعاصي: فرقة المباحية 64 التي أسقطت الشريعة مطلقًا، وأسقطوا الأوامر والنواهي الربانية، واحتجوا على ذلك بالقدر قائلين: إن الحبيب رفع عنه التكليف 65.

ومن الفرق كذلك الجبرية 66 الذين سلبوا العبد قدرته واختياره، وجعلوا حركاته بمنزلة حركات الجماد لا قدرة له عليها، ولا اختيار، وكل ما خلقه الله فقد رضيه وأحبه، وهؤلاء أعرضوا عن الأمر والنهي والوعد والوعيد، وتركوا الأعمال الصالحة والأخذ بالأسباب المنجية من عذاب الله تعالى، فصاروا من جنس المشركين الذين قالوا ما ذكره الله عنهم: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ) [الأنعام: 148] 67.

ومن المسلمين من شاكل هؤلاء المحتجين بالقدر على المعاصي وترك الفرائض، فإن قلت لمسلم تارك لفريضة الصلاة: لم لا تصلي؟ رد مجيبًا: الله قدر لي ذلك، وعندما يهديني سأصلي، فيا سبحان الله: (اطلع الغيب) . [مريم: 78] .

فعلم ما كتب الله له، أم هو مكلف بمعرفة ذلك!! أم إنه لا يدري الفرق بين علم الله تعالى بكل شيء قبل حصوله، ووقوعه كما قدر وعلم، وبين أنه مكلف بالعمل والترك كما أمر الله تعالى ونهى!

وكذلك احتج بالقدر ذرية من ذرية آدم في تبريرهم شركهم أنهم وجدوا آباءهم مشركين فتبعوهم على شركهم، فقال الله سبحانه: (وَإِذ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَني آدَمَ مِن ظُهورِهِم ذُرِّيَّتَهُم وَأَشهَدَهُم عَلى أَنفُسِهِم أَلَستُ بِرَبِّكُم قالوا بَلى شَهِدنا أَن تَقولوا يَومَ القِيامَةِ إِنّا كُنّا عَن هذا غافِلينَ ?172? أَو تَقولوا إِنَّما أَشرَكَ آباؤُنا مِن قَبلُ وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعدِهِم أَفَتُهلِكُنا بِما فَعَلَ المُبطِلونَ) . [الأعراف: 172 - 173] .

ومن وراء الاحتجاج الخاطئ بالقدر، تضيع الحقوق. ففي حالات القتل مثلًا، يأتي أهل الإصلاح لأولياء المقتول من باب القدر، وأن هذا الأمر مكتوب على قتيلكم، وذلك من أجل التخفيف عن المجرم أو العفو عنه. وبهذا تضيع الحقوق، فيزداد أهل الحق يأسًا، ويزداد المجرم إجرامًا.

ثانيًا: التقليد في الأحكام الشرعية:

خلق الله الكون، وهو يعلم ما يصلحه وما يفسده، ومن حقه وحده أن يضع له التشريع الذي يناسبه؛ فهو الأعلم: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك: 14] .

فالحلال ما أحل والحرام ما حرم. إلا أن من الناس من يأبى إلا أن يأتي بتشريع من لدن نفسه، فمنهم من يتلاعب في العبادات والشعائر، فيغير فيها زيادةً أو نقصًا، ومنهم من يرى لنفسه حق التشريع، فيأتي بشرع غير شرع الله تعالى.

الله تعالى خلقنا لعبادته، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56] .

وحتى تكون العبادة صحيحة ومقبولة فلا بد لها من شرطين: أن تكون خالصة لوجهه الكريم، وموافقة للشرع، يقول الله تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف: 110] .

إلا أن من الناس من يزين له الشيطان أن يعبد الله وفق هواه، فيأتي بعبادة لم يأذن بها الله. وهذا الصنف أمرنا الله تعالى بمخالفته في عبادات منها:

أولًا: الصلاة.

بالنسبة لشعيرة الصلاة، فقد ورد في السنة المطهرة ما فيه الأمر بمخالفة المشركين، فقد روى مسلم عن جابر: (اشتكى رسول الله صلى الله عيله وسلم فصلينا وراءه، وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنا فصلينا بصلاته قعودًا، فلما سلم قال: إن كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود. فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا) 68.

ففي هذا الحديث نهى عن التشبه بفارس والروم حتى في مجرد الصورة، وإن كانت نيتنا غير نيتهم.

ثانيًا: الحج.

وبالنسبة لبعض مناسك الحج، فقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما فيه مخالفة للمشركين في الوقوف بعرفة والمزدلفة والدفع منهما، امتثالًا لقول الله عز وجل: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ? فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ? وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) [البقرة: 198] .

فقد ورد أنها نزلت في قريش، وكانوا يسمون أنفسهم بالحمس 69.

كانوا لا يقفون في عرفات، بحجة أنهم لا يخرجون من الحرم وقت الطاعة، وكان غيرهم يقفون بعرفات. ومن وقف بعرفة أفاض قبل غروب الشمس، ومن وقف بالمزدلفة أفاض إذا طلعت الشمس. فأمر الله تعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم بمخالفة القوم في الدفعتين. وذلك بأن يفيض من عرفات بعد المغرب، ومن مزدلفة قبل طلوع الشمس، فبينت السنة المراد من الآية الكريمة 70.

والحديث قصد فيه مخالفة المشركين 71.

وقد دفع القرآن الكريم حرج الصحابة في السعي بين الصفا والمروة حينما ظنوا أن السعي بينهما من فعل الجاهلية.

روى البخاري عن هاشم بن عروة أنه قال: قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأنا يومئذ حديث السن: أرأيت قول الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ? فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) [البقرة: 158] . فما أرى على أحد شيئًا أن لا يطوف بهما.

فقالت عائشة: (كلا، لو كانت كما تقول، كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله:(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ? فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) ) 72.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت