فهرس الكتاب

الصفحة 1562 من 2431

العزة

أولًا: المعنى اللغوي:

العين والزاي أصلٌ واحد يدل على الشدة والقوة وما ضاهاهما من غلبةٍ وقهر، وعز يعز عزًّا وعزَّةً وعزازةً، ورجلٌ عزيزٌ من قومٍ أعزة وأعزاء وعزازٍ، واعتز بي وتعزز: تشرف، وعز علي يعز عزًّا وعزَّةً وعزازةً: كرم، وأعززته: أكرمته وأحببته، ويقال: عز الرجل بعد ضعفٍ، أي: صار عزيزًا بعد ذلة، وأعززته: جعلته عزيزًا، وعز الشيء: إذا قل، ومنه ناقةٌ عزوزٌ: إذا كانت ضيقة الإحليل لا تدر إلا بجهد، ويقال: استعز على المريض، إذا اشتد مرضه. واستعز عليه الشيطان: أي غلب عليه وعلى عقله، واستعز عليه الأمر: إذا لج فيه، والعز من المطر: الكثير الشديد، وأرض معزوزة: إذا أصابها ذلك 1.

إذن فالعزة تدور حول معاني الغلبة والقهر والشدة والقوة ونفاسة الشيء وعلو قدره.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الراغب الأصفهاني: «العزة: حالةٌ مانعة للإنسان من أن يغلب» 2.

وقيل: «العزة: التأبي عن حمل المذلة، وقيل: الترفع عما تلحقه غضاضة» 3.

وقيل: العزة صفة تفيد حصول الفوقية والغلبة لله سبحانه وتعالى وعباده الصالحين على أعدائهم 4.

وعرفها الدكتور محمد بن عبد الله الهبدان بأنها: «ارتباط بالله تعالى، وارتفاع بالنفس عن مواضع المهانة، والتحرر من رق الأهواء ومن ذل الطمع، وعن السير إلا وفق ما شرع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم» 5.

وخلاصة القول: إن المتدبر في المعنيين يجد اتصالًا بينهما، حيث إن المعنى الاصطلاحي يعني أن العزة حالة تعتري الإنسان تمنعه من غلبة غيره عليه، وهذا مرتبط بمعنى العزة في اللغة التي هي الشدة والقوة والغلبة والقهر

وردت مادة (عزز) في القرآن الكريم (120) مرة 6.

والصيغ التي وردت عليها هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 2 ... {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} [يس:14]

الفعل المضارع ... 1 ... {وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} [آل عمران:26]

المصدر ... 12 ... {أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) } [النساء:139]

الصفة المشبهة ... 99 ... {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) } [البقرة:209]

أفعل التفضيل ... 4 ... {قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ} [هود:92]

اسم ... 2 ... {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة:54]

وجاءت العزة في الاستعمال القرآني على ستة أوجه 7:

الأول: المنعة: ومنه قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء:158] يعني: منيعًا.

الثاني: العظمة: ومنه قوله تعالى: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ} يعني: فبعظمتك {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص:82] .

الثالث: الحمية: ومنه قوله تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ} [ص:2] يعني: في حمية.

الرابع: الغلظة: ومنه قوله تعالى: {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة:54] يعني: غلظاء عليهم.

الخامس: الشدة: ومنه قوله تعالى: {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} [فاطر:17] يعني: بشديد.

السادس: القوة: ومنه قوله تعالى: {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} [يس:14] يعني: فقويناهما بثالث.

القوة:

القوة لغةً:

قوي الرجل والضعيف يقوى قوة فهو قويٌّ وقويته تقويةً وقاويته فقويته أي غلبته 8.

القوة اصطلاحًا:

ذكر الراغب أن أكثر استعمال القوة في القدرة 9، وقال السيوطي: «القوة: مبتدأ كل فعل في البدن» 10.

الصلة بين القوة والعزة:

يتضح أن العزة دليل على القوة، فلا يعقل أن يكون الإنسان عزيزًا دون أن يكون قويًّا، سواء كانت القوة معنوية أم مادية.

الشدة:

الشدة لغةً:

قال ابن فارس: «الشين والدال أصلٌ واحدٌ يدل على قوةٍ في الشيء، وفروعه ترجع إليه. من ذلك شددت العقد شدًّا أشده» 11.

الشدة اصطلاحًا:

قال المناوي: «الشد: العقد القوي» 12.

الصلة بين الشدة والعزة:

يظهر أن العزة دليل على الشدة التي تطلق في الأصل على المبالغة في وصف الشيء في صلابة 13، فالإنسان لا يكون عزيزًا إلا إذا كانت فيه صلابة على الحق.

الغلبة:

الغلبة لغةً:

من غلب يغلب غلبةً، وهو القهر 14.

الغلبة اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي، قال الراغب: «الغلبة: القهر» 15. والمقصود هو قهر العدو.

الصلة بين الغلبة والعزة:

يتبين أن الغلبة مظهر من مظاهر العزة.

الرفعة:

الرفعة لغةً:

فلان رفعة ورفاعة، ارتفع قدره وشرف، يقال: رفع في حسبه ونسبه فهو رفيع وهي رفيعة 16.

الرفعة اصطلاحًا:

ذكر المناوي أن «الرفع: يقال تارة في الأجسام الموضوعة إذا أعليتها عن مقرها، وتارة في البناء إذا طولته، وتارة في الذكر إذا نوهته، وتارة في المنزلة إذا شرفتها» 17.

الصلة بين الرفعة والعزة:

لا شك أن الرفعة هي العزة، فهما كلمتان مترادفتان.

لقد عرض القرآن الكريم موضوع العزة بأسلوب مميز، تطرق فيه إلى نواحٍ مختلفة، منها:

أولًا: وصف الله سبحانه بالعزة:

إن اسم الله تعالى (العزيز) ورد ضمن مجموعة من أسمائه الحسنى الواردة في قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) } [الحشر:23] .

ويكمن معنى هذا الاسم الجليل-كما ذكر الزجاج-في أن الله تعالى هو الغالب لكل شيء، فهو سبحانه العزيز الذي ذل كل عزيز لعزته جل جلاله 18.

وقال الغزالي: «العزيز: هو الخطير الذي يقل وجود مثله، وتشتد الحاجة إليه، ويصعب الوصول إليه، فما لم يجتمع عليه هذه المعاني الثلاثة لم يطلق عليه اسم العزيز» 19.

وبين السعدي أن العزة لها معانٍ ثلاثة متمثلة في عزة القوة، وعزة الغلبة، وعزة الامتناع، فالله جل جلاله يمتنع عن أن يناله أحد من المخلوقات، وأنه سبحانه قهر جميع الموجودات، ودانت له الخليقة كلها، وخضعت لعظمته وجبروته، ثم قال: «فمعاني العزة الثلاث كلها كاملة لله العظيم، عزة القوة الدال عليها من أسمائه القوي المتين، وهي وصفه العظيم الذي لا تنسب إليه قوة المخلوقات وإن عظمت، وعزة الامتناع فإنه هو الغني بذاته فلا يحتاج إلى أحد، ولا يبلغ العباد ضره فيضرونه، ولا نفعه فينفعونه، بل هو الضار النافع المعطي المانع، وعزة القهر والغلبة لكل الكائنات فهي كلها مقصورة لله خاضعة لعظمته منقادة لإرادته، فجميع نواصي المخلوقات بيده، لا يتحرك منها متحرك ولا يتصرف متصرف إلا بحوله وقوته وإذنه، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا به» 20.

هذا وقد وصف الله تعالى نفسه بالعزة في آيات عديدة من القرآن الكريم، منها-على سبيل المثال لا الحصر-قوله تعالى: {وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65) } [يونس:65] .

فالله سبحانه وتعالى ينهى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم عن الحزن من قول المشركين في الله عز وجل ما يقولون من كلام باطل، وإشراكهم معه الأوثان والأصنام في العبادة، فإن الله سبحانه وتعالى هو المنفرد بعزة الدنيا والآخرة، لا يشاركه فيها أحد، كما أنه هو المنتقم من هؤلاء المشركين، فلن ينصرهم أحد عند انتقام الله تعالى منهم؛ لأنه لا يُعَازُّهُ شيء، فهو تعالى لهم بالمرصاد، يسمع ما يفترون عليه، ويعلم ما يضمرونه في أنفسهم، وما يعلنونه من شرك وعداء للإسلام والمسلمين 21.

منها قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر:10] .

والمعنى: أن من يطلب القوة والمنعة والرفعة فإنها تكون بعبادة الله تعالى وطاعته، فبالله عز وجل يكون عز الدنيا والآخرة لا بالأصنام التي عبدها المشركون من دونه سبحانه وتعالى؛ وذلك لأن المشركين كانوا يعبدون هذه الأصنام طلبًا للعز، كما في قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) } [مريم:81] .

وطلبًا للمنعة والقوة أيضًا، كما في قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) } [يس:74] 22.

وعليه فإن العزة لا تكون إلا لله تعالى وحده، فهو صاحبها ومالكها، كما بين ذلك عن نفسه حين قال: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) } [الصافات:180] .

فهو سبحانه نزه ذاته العلية عما وصفه به المشركون مما لا يليق بجلاله وكماله، ثم أضاف الرب إلى العزة؛ ليفيد اختصاصه بها، كأنه قال: ذو العزة 23.

هذا وقد اقترن اسمه «العزيز» بالأسماء والصفات الآتية:

أولًا: ذو انتقام.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [آل عمران:4] .

أي: إن الذين كفروا بآيات الله تعالى الناطقة بالحق، وبوجوب توحيده وتنزيهه عما لا يليق بجلاله، فإن لهم عذابًا شديدًا، لا يقادر قدره بسبب كفرهم، فالله تعالى عزيز لا يغالب، ويفعل ما يشاء، وذو انتقام عظيم 24.

ثانيًا: الحكيم.

قال تعالى: {لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60) } [النحل:60] .

فالله تعالى يخبر أن الذين ينكرون البعث ولا يؤمنون بالآخرة لهم صفة السوء؛ وذلك لجهلهم وظلمهم أنفسهم؛ أنهم لم ينقذوا أنفسهم بالإيمان وعمل الخير، أما الله سبحانه وتعالى فله الصفة الحسنى، وهو أنه لا إله إلا هو منزه عن كل نقص، ورب كل شيء ومليكه، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا شريك له، ولا ند له ولا ولد، ثم أثنى الله تعالى على نفسه بأعظم وصف وهو العزة والقهر والغلبة لكل شيء، والحكمة العليا في تدبيره لهذا الكون، وتصريفه لشؤون خلقه، وفي حكمه وقضائه 25.

ثالثًا: الرحيم.

قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9) } [الشعراء:7 - 9] .

فالله تعالى ينكر على المشركين عدم تدبرهم في آيات الله تعالى الدالة على استحقاقه وحده للربوبية والعبادة والخضوع، ثم يخاطب الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم مسليًا إياه بأنه تعالى هو العزيز القاهر الذي لا يعجزه شيء، والرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، فالآية تقرر أن الله تعالى قادر على سحق الكفار والقضاء عليهم غير أن رحمته تعالى اقتضت عدم التعجيل بذلك لعلهم يرعوون 26.

رابعًا: الحميد.

قال تعالى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6) } [سبأ:6] .

أي: إن أهل العلم يعلمون أن القرآن الذي أنزل من عند الله تعالى هو الحق، وأنه يرشد إلى الطريق المستقيم، طريق الله العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع؛ بل إنه سبحانه حميد محمود في أقواله وأفعاله وشرعه 27.

خامسًا: العليم.

قال تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) } [يس:38] .

أي: إن الشمس من آيات الله عز وجل الدالة على نفوذ مشيئته سبحانه، وعلى كمال قدرته، فهي دائمًا تجري لمستقر قدره الله تعالى لها، لا تحيد عنه ولا تتعداه، فهي لا تتصرف في نفسها، ولا تعصي الله تعالى، فسبحان الذي دبر هذه المخلوقات بعزته العظيمة بأكمل تدبير، وأحسن نظام، كما دبرها بعلمه حيث جعلها مصالح لعباده، ومنافع لهم في الدنيا والآخرة 28.

سادسًا: الوهاب.

قال تعالى: {أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) } [ص:9] .

فالله تعالى يوبخ المشركين وينكر عليهم اعتراضهم على نزول النبوة على محمد صلى الله عليه وسلم دون غيره منهم، فليست خزائن الله تعالى عندهم فيعترضوا ويتصدوا لحرمان من يشاؤون، فإن المواهب من الله تعالى يصيب بها من يشاء، فيختار للنبوة من يصطفيه، وليس لهم الاختيار في ذلك، فهو العزيز الوهاب 29.

سابعًا: الغفار.

قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (65) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (66) } [ص:65 - 66] .

والمعنى: أن الله عز وجل يأمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يخبر المشركين -إن طلبوا منه ما ليس بيده- أن الأمر لله تعالى قائلًا: ليس لي إلا أن آمركم وأحثكم على الخير، وأنهاكم عن الشر، فما من أحد يعبد حق العبادة إلا الله تعالى الواحد القهار الذي قهر كل شيء، كما أنه خالق السماوات والأرض وما بينهما، ومدبرهما بجميع أنواع التدابير، العزيز الذي له القوة التي بها خلق جميع المخلوقات العظيمة، والغفار لجميع الذنوب الصغيرة والكبيرة لمن تاب إليه سبحانه وتعالى 30.

ثامنًا: الغفور.

قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر:28] .

فلما أخبر الله تعالى عن اختلاف الألوان والأصباغ في ثمار النبات، والجمادات والحيوانات، وكذلك الإنسان؛ لأن هذا الاختلاف من أعظم الأدلة على قدرة الله تعالى وبديع صنعه، أخبر تعالى عن العلماء الذين يعرفون جمال ذلك الاختلاف ودقائقه، فهؤلاء العالمون به يخافون الله عز وجل بالغيب، وبما يليق به من صفاته الجليلة وأفعاله الجميلة والتي منها قدرته العظيمة على صنع ما يشاء ويفعله، فمن كان أعلم بالله تعالى كان أخشاهم له، وسبب هذه الخشية من العلماء لله تعالى هو أن الله عز وجل قوي في انتقامه من الكافرين، وغفور لذنوب المؤمنين به التائبين إليه، وهذا يوجب الخوف والرجاء، فكون الله تعالى عزيزًا ذا انتقام يوجب الخوف التام، وكذلك كونه تعالى غفورًا لما دون ذلك يوجب الرجاء البالغ، وهذا ما يدركه العلماء المتخصصون 31.

تاسعًا: القوي.

قال تعالى: {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74) } [الحج:74] .

فقد بين الله عز وجل أن المشركين الذين عبدوا الآلهة العاجزة عن فعل شيء، لم يعرفوا الله تعالى حق المعرفة، ولم يعظموه حق التعظيم إذ جعلوا هذه الأصنام والأوثان شركاء له مع هذه الحالة من العجز والضعف، ثم بين الله تعالى أنه القوي على خلق كل شيء، وعزيز غالب لا يغالبه أحد بخلاف آلهة المشركين التي لا تعقل ولا تنفع ولا تضر ولا تقدر على فعل شيء لنفسها حتى تفعله لغيرها، فإنها جماد لا تعقل 32.

ثانيًا: العزة من أخلاق المؤمنين:

إن العزة خلق رفيع من أخلاق المؤمنين، فلا يعقل أن يكون المرء مؤمنًا حق الإيمان وفي ذات الوقت غير عزيز، فالعزة والإيمان صنوان لا يفترقان، وذلك أن المرء إذا آمن، وتغلغل الإيمان في قلبه واستقر فإنه في نفس الوقت يتشرب قلبه العزة، فتصدر عنه الأقوال والأفعال وهي متصفة بالفخر والاستعلاء بهذا الدين العظيم الذي أكرمه الله عز وجل به، فيتعامل مع المؤمنين أمثاله بكل تواضع ولين ورحمة، وفي المقابل يتعامل مع الكفار بكل عزة وفخر.

فيقول الله سبحانه وتعالى واصفًا المؤمنين: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) } [المائدة:54] .

فقد توعد الله تعالى من يرتد عن دينه-وهو لن يضر الله شيئًا - بأنه سوف يأتي بدلًا منهم بأناسٍ من صفاتاهم أن الله جل جلاله يحبهم، وهم يحبونه كذلك، ومن صفاتهم أيضًا أنهم أذلة للمؤمنين من فرط محبتهم لهم، ونصحهم لهم، ولينهم ورقتهم ورأفتهم بهم، وكذلك رحمتهم بهم، ومن صفاتهم أيضًا أنهم أعزة على الكافرين بالله تعالى ورسوله، وقد اجتمعت عزائمهم وهممهم على معاداتهم، وبذلوا كل جهد في كل سبب يحصلون به على الانتصار عليهم 33، فهم لا يداهنون الخلق، ولا يستكينون للعدو، ولا يتنازلون عن شيء من دينهم مهما رغبوا أو رهبوا، وفي هذا المعنى قال الشنقيطي: «أخبر تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة أنهم إن ارتد بعضهم فإن الله يأتي عوضًا عن ذلك المرتد بقومٍ من صفاتهم الذل للمؤمنين، والتواضع لهم، ولين الجانب، والقسوة والشدة على الكافرين، وهذا من كمال صفات المؤمنين» 34.

وفي موضع آخر أثنى الله تعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثناء العطر، كما شهد لرسوله صلى الله عليه وسلم بصدق الرسالة، فقال: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [الفتح:29] .

فوصف أصحابه الأبرار بأنهم غلاظٌ على الكفار، متراحمون فيما بينهم 35، قال أبو السعود: «يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة، ولمن وافقهم في الدين الرحمة والرأفة» 36.

ومن الآيات الدالة على أن العزة من أخلاق المؤمنين أيضًا قوله تعالى: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) } [المنافقون:8] .

ففي هذه الآية يبين الله عز وجل أن العزة لله تعالى بقهره لأعدائه، وكذلك لرسوله صلى الله عليه وسلم بإظهاره دينه على الأديان كلها، وكذلك للمؤمنين أيضًا بنصر الله تعالى لهم على أعدائهم، ولكن المنافقين لا يعلمون أن الله تعالى معزٌ أولياءه، ومذلٌ أعداءه، ولو علموا ذلك ما قالوا مقالتهم: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} 37، وفي هذا قال الطبري: «فإن الذين اتخذوهم من الكافرين أولياء ابتغاء العزة عندهم، هم الأذلاء الأقلاء، فهلا اتخذوا الأولياء من المؤمنين، فيلتمسوا العزة والمنعة والنصرة من عند الله الذي له العزة والمنعة، الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء، فيعزهم ويمنعهم؟» 38.

هذا وقد نهى الله سبحانه وتعالى المؤمنين عن الهوان والحزن، ووصفهم بأنهم هم الأعلون، فقال: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) } [آل عمران:139] .

ففي هذه الآية أدب قرآني عظيم حيث حث الله تعالى المؤمنين المجاهدين الصابرين على عدم الهوان والاستسلام الذي ينافي العزة ويقابلها، فقد أمرهم بالثبات على عزتهم؛ لتبقى العزة ملازمة لهم، لا تنفك عنهم حتى ولو في أحلك الظروف، كما أمرهم بحسن الظن بالله تعالى، والتوكل عليه والثقة بنصره، قال الرازي: «كأنه قال إذا بحثتم عن أحوال القرون الماضية علمتم أن أهل الباطل وإن اتفقت لهم الصولة، لكن كان مآل الأمر إلى الضعف والفتور، وصارت دولة أهل الحق عالية، وصولة أهل الباطل مندرسة، فلا ينبغي أن تصير صولة الكفار عليكم يوم أحد سببًا لضعف قلبكم ولجبنكم وعجزكم؛ بل يجب أن يقوى قلبكم، فإن الاستعلاء سيحصل لكم والقوة والدولة راجعة إليكم» 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت