فهرس الكتاب

الصفحة 614 من 2431

بنو إسرائيل

أولًا: التسمية:

يطلق المؤرخون أسماء العبرانيين واليهود وبني إسرائيل، ويريدون بها طائفة واحدة معينة من الناس وهم: أبناء يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام.

1.العِبْرِيُون.

اختلفت الآراء في سب تسميتهم بهذا الاسم، فقيل: إنهم سموا بالعبريين نسبة إلى إبراهيم عليه السلام، فقد ذكر في سفر التكوين باسم (إبراهيم العبراني) ؛ لأنه عبر نهر الفرات وأنهار أخرى، ورجحه أكثر العلماء، وقيل: إنهم سموا بالعبريين نسبة إلى (عبر) وهو الجد الخامس لإبراهيم عليه السلام، وقيل: إن كلمة (عبري) ترجع إلى الموطن الأصلي لبني إسرائيل، وذلك أنهم كانوا في الأصل من الأمم البدوية الصحراوية التي لا تستقر في مكان، وتتنقل من مكان إلى آخر بماشيتها بحثا عن الماء والمرعى، وكلمة عبري أصلها من العبور والتنقل، وكانوا يسمون بذلك تميزًا لهم عن أهل العمران، ثم لما عرفوا المدنية نفروا من هذه التسمية، وآثروا أن يعرفوا ببني إسرائيل 1.

2.بنو إسرائيل.

سموا بذلك نسبة إلى أبيهم إسرائيل، وهو إسحاق بن يعقوب بن إبراهيم عليهم السلام، وإسرائيل كلمة عبرانية مركبة من (إسرا) بمعنى عبد أو صفوة، ومن (إيل) وهو الله، فيكون معنى الكلمة عبد الله أو صفوة الله 2.

3.اليهود.

قيل إنهم سموا بذلك حين تابوا عن عبادة العجل، وقالوا: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف:156] .

أي: تبنا ورجعنا، وقيل: إنهم سموا بذلك لأنهم يتهودون، أي: يتحركون عند قراءة التوراة، وقيل: سُمُّوا بذلك نسبة إلى يهوذا بن يعقوب عليه السلام 3.

ثانيًا: المكان:

يذكر المؤرخون أن العبريين: وهم من نسل إسحاق ويعقوب عليهما السلام كانوا يسكنون في بلاد كنعان، وكانوا يسكنون في جنوبي بلاد الشام، فلسطين وشرق الأردن، وكانوا عبارة عن بدو رحل يهتمون بتربية المواشي 4.

ولما اشتد القحط في هذه البلاد هاجر يعقوب عليه السلام إلى أرض مصر، وقد ذكر القرآن الكريم هذه القصة وبين ما حدث بين يوسف عليه السلام وإخوته.

قال تعالى: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) } [يوسف:88] .

وقال سبحانه: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) } [يوسف:99 - 100] .

عاش بنوا إسرائيل في مصر حياة كريمة آمنه في ظل يوسف عليه السلام، ويقال أن حكام مصر خلال هذه الفترة هم الهكسوس، وكان حكمهم في القرن السادس عشر ق. م.

ثم لما قامت الأسرة التاسعة عشرة والتي من ملوكها (رمسيس الثاني) جاهر المصريون بعداوتهم لبني إسرائيل وساموهم سوء العذاب، وقد ذكر القرآن الكريم هذا العذاب الذي حل على بني إسرائيل.

قال سبحانه: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) } [إبراهيم:6] .

ثم من الله تعالى على بني إسرائيل فأرسل إليهم نبي الله موسى عليه السلام لإنقاذهم وهدايتهم، ثم استمر الأذى والهوان في عصر موسى عليه السلام حتى خرجوا من مصر بقيادة موسى عليه السلام إلى بلاد الشام، فتوجه بهم إلى مدينة أريحا، وأمرهم بدخولها.

قال تعالى: {قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) } [المائدة:24] .

فلما أحجموا عن دخول الأرض المقدسة حل بهم عذاب الله فتاهوا في الصحراء أربعين سنة، وبعد ذلك بأعوام قلائل توفي هارون عليه السلام، ثم توفي بعده موسى عليه السلام 5.

وبعد وفاة موسى عليه السلام شعر بنو إسرائيل بسوء أعمالهم وقبح تصرفاتهم مع نبيهم، فنصبوا عليهم يوشع بن نون عليه السلام، وهو الذي عبر بهم نهر الأردن إلى أريحا، ثم انتصروا على الملوك العموريين ثم سيطروا بعد ذلك على كامل الأرض المقدسة (فلسطين) 6.

بعد موت يوشع تقسم الأسباط أرض الشام، فسلط الله سبحانه وتعالى بعضهم على بعض، فانقسموا إلى مملكتين، مملكة (يهوذا) في الجنوب بقيادة داود عليه السلام، وتضم بيت المقدس، ومملكة (إسرائيل) في الشمال بقيادة إيشبعل وتضم سامريا، وبعد ذلك قتل إيشبعل، فبايع أهل الشمال داود عليه السلام وتوحدت دولة إسرائيل، وأصبحت أورشليم عاصمة دينية وسياسية لها، وبعد وفات داود عليه السلام خلفه في الملك سليمان عليه السلام، وكانت هذه المرحلة هي العصر الذهبي لدولة بني إسرائيل 7.

وبعد موت سليمان عليه السلام انقسمت مملكة إسرائيل إلى مملكتين، مملكة (يهوذا) في الجنوب، وعاصمتها أورشليم، بقيادة (رحبعام) ، وعمرت (400 عام) ، وكانت نهايتها على يد البابليين، ومملكة (إسرائيل) في الشمال وعاصمتها شكيم، بقيادة (يربعام) ، وعمرت (250) سنة، وكانت نهايتها على يد الأشوريين 8.

قال عبد الكريم الخطيب: «ثم إذا أعدنا النظر إلى بني إسرائيل بعد الأسر البابلي، لم نجد لهم دولة ظاهرة ولا ملكا قائما، وإنما هم دويلات ممزقة، متقاتلة فيما بينها، تخرج من حكم البابليين لتقع تحت حكم الفرس في سنة (518 ق. م) ، ثم تحت حكم الرومان، إلى أن جاء الفتح الإسلامي، الذي أدخل بيت المقدس في دولته، فأصبح المسجد الأقصى من مساجد الإسلام، ليس لبنو إسرائيل شأن به منذ ذلك الوقت إلى يوم الناس هذا» 9.

ثالثًا: الزمان:

يمكن تلخيص الفترة الزمنية التي عاشها بنو إسرائيل كما يأتي:

أولًا: يذكر المؤرخون أن الفترة الزمنية التي عاشها بني إسرائيل في أرض كنعان كانت الفترة التي عاشها يعقوب عليه السلام، (1837 - 1690 ق. م) .

ثانيًا: يرى كثير من المؤرخين أن استيطان بني إسرائيل في مصر كان خلال حكم الهكسوس لمصر (خلال السنوات 1720 - 1570 ق. م) 10، وقيل: إن بني إسرائيل نزلوا إلى مصر (سنة: 1678 ق. م) 11.

ثالثًا: يرى بعض المؤرخين أن بني إسرائيل خرجوا من مصر بقيادة موسى عليه السلام في عهد (منفتاح بن رمسيس الثاني) حوالي (1213 ق. م) 12.

رابعًا: دخل بنو إسرائيل فلسطين بقيادة يوشع بن نون لما خرجوا من التيه في صحراء سيناء بعد أربعين سنة، في القرن الثالث عشر قبل الميلاد 13.

خامسًا: تأسست المملكة اليهودية حوالي (1095 ق 0 م) ، وأبرز ملوكها الأول طالوت وداود وسليمان عليهم السلام، واستمرت هذه المملكة حتى تم القضاء عليها وزوالها على يد بختنصر (سنة 586 ق 0 م) 14.

سادسًا: انقسمت مملكة بني إسرائيل بعد وفاة سليمان عليه السلام (سنة 975 ق. م) إلى مملكتين:

-مملكة (يهوذا) في الجنوب، وعاصمتها أورشليم، بقيادة (رحبعام) ، وقد تعاقب عليها من بعده عشرون ملكًا، وعمرت (400 عام) ، وكانت نهايتها على يد البابليين (سنة 586 ق. م) 15.

-مملكة (إسرائيل) في الشمال وعاصمتها شكيم، بقيادة (يربعام) ، وقد تعاقب عليها من بعده حوالي تسعة عشر ملكًا، وعمرت (250) سنة، وكانت نهايتها على يد الأشوريين (سنة 721 ق. م) 16.

-ورد ذكر (بني إسرائيل) في القرآن الكريم (41) مرة، في (16) سورة.

وأما قصة (بنو إسرائيل) فذكرت في السور الآتية:

السورة ... الآيات

البقرة ... 40 - 47 - 43 - 83 - 61 - 86 - 246 - 248 -

الأعراف ... 138 - 141

الإسراء ... 4 - 8 - 101 - 103

طه ... 80 - 82 - 86 - 97

الصف ... 6 - 14

-أنعم الله تعالى على بني إسرائيل بنعم عظيمة، حيث فضلهم على العالمين، وأنزل عليهم التوراة لهدايتهم، ومكن لهم في الأرض، وبيان ذلك في النقاط الآتية:

أولًا: التفضيل على عالمي زمانهم:

ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى فضل بني إسرائيل على العالمين، قال تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) } [البقرة:47] .

والتفضيل إنما أتاهم لتمسكهم بالفضائل وتركهم للرذائل، إذ من يرى نفسه مفضلا شريفا يترفع عن الدنايا، وذكرهم بهذا الفضل لينبههم إلى أن الذي فضلهم على غيرهم له أن يفضل غيرهم كمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته، وإلى أنهم أجدر من جميع الشعوب بالتأمل فيما أوتيه النبي صلى الله عليه وسلم من الآيات، فإن المفضل أولى بالسبق إلى الفضائل ممن فضل عليه، وهذا الفضل إن كان بكثرة الأنبياء فلا مزاحم لهم فيه، ولا تقتضي هذه الفضيلة أن يكون كل فرد منهم أفضل من كل فرد من غيرهم، ولا تمنع أن يفضلهم أخس الشعوب إذا انحرفوا عن جادة الحق وتركوا سنة أنبيائهم واهتدى بهديها غيرهم، وإن كان بالقرب من الله باتباع شرائعه، فذلك إنما يتحقق في أولئك الأنبياء والمهتدين من أهل زمانهم، ومن تبعهم بإحسان ما داموا على الاستقامة وسلكوا الطريق الذي استحقوا به التفضيل 17.

وقوله تعالى: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} ، وتفضيل بني إسرائيل على العالمين موقوت بزمان استخلافهم واختيارهم، فأما بعد ما عتوا عن أمر ربهم، وعصوا أنبياءهم، وجحدوا نعمة الله عليهم، وتخلوا عن التزاماتهم وعهدهم، فقد أعلن الله حكمه عليهم باللعنة والغضب والذلة والمسكنة، وقضى عليهم بالتشريد وحق عليهم الوعيد، وتذكيرهم بتفضيلهم على العالمين، هو تذكير لهم بما كان لهم من فضل الله وعهده وإطماع لهم لينتهزوا الفرصة المتاحة على يدي الدعوة الإسلامية، فيعودوا إلى موكب الإيمان، وإلى عهد الله شكرًا على تفضيله لآبائهم، ورغبة في العودة إلى مقام التكريم الذي يناله المؤمنون 18.

قال سيد قطب: «ومعنى هذا التفضيل أن الله قد جمع لهم من المحامد التي تتصف بها القبائل والأمم ما لم يجمعه لغيرهم، وهي شرف النسب، وكمال الخلق، وسلامة العقيدة، وسعة الشريعة، والحرية والشجاعة، وعناية الله تعالى بهم في سائر أحوالهم، وقد أشارت إلى هذا آية: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20) } [المائدة:20] .

وهذه الأوصاف ثبتت لأسلافهم في وقت اجتماعها، وقد شاع أن الفضائل تعود على الخلف بحسن السمعة وإن كان المخاطبون يومئذ لم يكونوا بحال التفضيل على العالمين، ولكنهم ذكروا بما كانوا عليه فإن فضائل الأمم لا يلاحظ فيها الأفراد ولا العصور» 19.

وقال محمد رشيد: «ثم طلب منهم أن يذكروا نعمته، وتفضيله إياهم على الناس، إحياء لشعور الكرامة في نفوسهم، ووصله بالأمر باتقاء يوم الدين والجزاء، وهذا أسلوب حكيم في الوعظ، فينبغي لكل واعظ أن يبدأ وعظه بإحياء إحساس الشرف وشعور الكرامة في نفوس الموعوظين لتستعد بذلك لقبول الموعظة، وتجد من ذلك الإحساس معونة من العزيمة الصادقة التي هي من خصائص النفوس الكريمة على عوامل الهوى والشهوة، فإن النفس إذا استشعرت كرامتها وعلوها إلى ما في الرذائل من الخسة أبى لها ذلك الشعور - شعور العلو والرفعة - أن تنحط إلى تعاطي تلك الخسائس، وكان ذلك من أقوى الوسائل لمساعدة الواعظ على بلوغ قصده من نفس من يوجه إليه وعظه، ثم إن في الوعظ ما يؤلم نفس الموعوظ، وحرجا يكاد يحملها على النفرة من تلقينه، والاستنكاف من سماعه، فذكر الواعظ لما يشعر بكرامة المخاطب ورفعة شأنه، وإباء ما ينمي إليه من الشرف أن يدوم على مثل ما يقترف يقبل بالنفس على القبول، كما يقبل الجريح على من يضمد جراحه ويسكن آلامه» 20.

ثانيًا: إيتاء موسى التوراة لهداية بني إسرائيل:

ذكر القرآن الكريم أن من نعم الله تعالى على بني إسرائيل إعطاء موسى عليه السلام التوراة، قال تعالى: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) } [البقرة:53] .

هذا تذكير بنعمة نزول الشريعة التي بها صلاح أمورهم وانتظام حياتهم وتأليف جماعتهم، مع الإشارة إلى تمام النعمة، وهم يعدونها شعار مجدهم وشرفهم لسعة الشريعة المنزلة لهم حتى كانت كتابا فكانوا به أهل كتاب أي أهل علم تشريع، والكتاب والفرقان: اسمان لشيء واحدٍ لكن يقالان باعتبارين مختلفين، أما الكتاب، فلجمع الأحكام المتفرقة فيه، وأما الفرقان: فلكونه مفرقًا بين الحق والشبهة وبين الأحكام المختلفة، وأتى باللفظين تنبيهًا على تضمين التوراة للمعنيين 21.

وقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} ، أي: ليعدكم بهذا العفو للاستمرار على الشكر ويعدكم بهذه الأحكام والشرائع للاهتداء ويهيئكم للاسترشاد، فلا تقعوا في وثنية أخرى، وإن من كمال الاستعداد للهداية بفهم الكتاب أن يعرفوا أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو هدى ونور يرجعهم إلى الأصل الذي تفرقوا عنه واختلفوا فيه، وكذلك اهتدى به منهم المستبصرون، وجاحده الرؤساء المستكبرون، والمقلدون الذين لا يعقلون، وهذا هو محل المنة؛ لأن إتيان الشريعة لو لم يكن لاهتدائهم وكان قاصرا على عمل موسى به لم يكن فيه نعمة عليهم 22.

ثالثًا: التمكين في الأرض:

ذكر القرآن الكريم أن من نعم الله تعالى على بني إسرائيل التمكين في الأرض، قال تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) } [الأعراف:137] .

بينت الآية نعمة الله العظيمة على بني إسرائيل، ولطفه بهم حيث رفعوا من حضيض المذلة إلى أوج العزة والكرامة، فتأسست لهم دولة عظيمة في بلاد الشام، وصاروا يتصرفون في أرض مصر كما شاءوا، {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ} ، أي: وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون في مصر بالاستعباد وقتل الأبناء واستحياء النساء وأخذ الجزية واستعمالهم في الأعمال الشاقة، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرار الاستضعاف وتجدده، وذكروا بهذا العنوان إظهارا لكمال اللطف بهم وعظم الإحسان إليهم حيث رفعوا من حضيض المذلة إلى أوج العزة، ولعل فيه إشارة إلى أن الله سبحانه عند القلوب المنكسرة 23.

وقوله تعالى: {مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا} ، قيل: أرض مصر، وقيل: أرض الشام، ومشارقها من حدود الشام، ومغاربها من حدود مصر، وقيل: جهاتها بما فيها بيت المقدس ومصر والشام، وهذا أولى من الاقتصار على أرض مصر التي كانوا فيها عبيدا هم ونساؤهم، وهذه الأرض هي: {الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} ، بكثرة الثمار والزروع والأشجار والخصب وسعة الرزق وكونها مساكن الأنبياء والصالحين ومرقدهم، {بِمَا صَبَرُوا} ، بسبب صبرهم، وحسبك به حاثًا على الصبر 24.

وقوله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا} ، أي: ونفذت كلمة الله ومضت على بني إسرائيل تامة كاملة، بسبب صبرهم على الشدائد التي كابدوها من فرعون وقومه، وقد كان وعد الله تعالى إياهم مقرونا بأمرهم بالصبر والاستقامة، كما أمرهم نبيهم عليه السلام مبلغا عن ربه، {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا} [الأعراف:128] .

ومن قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه، ومن قابله بالصبر ضمن الله له الفرج، وقد تم وعد الله تعالى لهم بذلك، ثم سلبهم تلك الأرض بظلمهم لأنفسهم وللناس ولم يكن من مقتضى الوعد أن يعودوا إليها مرة أخرى 25.

وقوله تعالى: {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} ، أي: وخربنا ما كان يصنع فرعون وقومه من المباني والقصور التي كانوا يبنونها للمصريين، والمكايد السحرية والصناعية التي كان يصنعها السحرة لإبطال آياته والتشكيك فيها، وما كانوا يعرشون من الجنات والبساتين 26.

وقد جاء في آية أخرى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) } [القصص:5] .

أي: ونريد أن نتفضل بإحساننا على من استضعفهم فرعون وأذلهم، وننجيهم من بأسه، ونريهم في أنفسهم وفي أعدائهم فوق ما يحبون، وأكثر مما يؤملون، {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} ، مقتدى بهم في الدين والدنيا، {وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} ، لملك الشام لا ينازعهم فيه منازع 27.

-تظهر صفات بني إسرائيل من خلال النقاط الآتية:

أولًا: التبديل والتحريف:

ذكر القرآن الكريم أن من صفات بني إسرائيل الاستهزاء ومخالفة الأوامر وتبديلها.

قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) } [البقرة:58 - 59] .

بينت الآية أن من صفات بني إسرائيل القبيحة تبديل آيات الله وتحريفها وفق رغباتهم وأهواءهم، فخاطب الله تعالى بهذه الآيات يهود بني إسرائيل الذين كانوا في المدينة بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لن يعدوا أن يكونوا في تكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم وجحودهم نبوته كآبائهم وأسلافهم، الذين كذبوا الرسل السابقين وتمردوا عليهم واستهزؤا بهم، واستعمال ضمير المخاطب في توجيه الكلام حتى ليكاد يكون للسامعين، مع أنه في صدد اليهود القدماء، وذلك لبيان وتوكيد شدة اللحمة في الأخلاق والجبلة والمواقف بين القديمين والحاضرين، وهو بصدد التنديد بأفعال الأبناء المكروهة إذا كانت على وتيرة أفعال الآباء، وفي ذلك توكيد بأن اليهود السامعين هم أنسال بني إسرائيل القدماء كما هو المتبادر، وتحذيرهم أن يفعلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل أباءهم مع أنبيائهم 28.

وقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} ، أي: وإذ أمرنا بني إسرائيل على لسان موسى عليه السلام فبلغه للقوم، والقرية: البلدة المشتملة على المساكن المبنية من حجارة وهي مشتقة من القري، وهو الجمع، يقال: قرى الشيء يقريه إذا جمعه، وهي تطلق على البلدة الصغيرة وعلى المدينة الكبيرة ذات الأسوار والأبواب، وهذه القرية: هي الأرض المقدسة، قال تعالى: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) } [المائدة:21] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت