وقال بعض العلماء: القرض لا يكون حسنًا حتى تجمع فيه أوصاف عشرة، وهي: أن يكون المال من الحلال، وأن يكون من أجود المال، وأن تتصدق به وأنت محتاج إليه، وأن تصرف صدقتك إلى الأحوج إليها، وأن تكتم الصدقة ما أمكنك، وأن لا تتبعها بالمن والأذى، وأن تقصد بها وجه الله، ولا ترائي بها الناس، وأن تستحقر ما تعطي، وتتصدق به، وإن كان كثيرًا، وأن يكون من أحب أموالك إليك، وأن لا ترى عز نفسك وذل الفقير، فهذه عشرة أوصاف، إذا اجتمعت في الصدقة كانت قرضًا حسنًا 161.
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الخازن المسلم الأمين الذي ينفذ، وربما قال: يعطي ما أمر به، فيعطيه كاملًا موفرًا، طيبة به نفسه، فيدفعه إلى الذي أمر له به أحد المتصدقين) 162.
فهذه الأوصاف شروط لحصول هذا الثواب، فينبغي أن يعتنى بها، ويحافظ عليها، وقوله: (طيبة به نفسه) بأن لا يحسد المعطى، ولا يظهر له من العبوس وتقطيب الوجه ما يكدر خاطره، ونبه على ذلك لأن أكثر الخزان غلب عليهم البخل بمال غيرهم، فهم أبخل البخلاء.
فإذا أعطى هذا الخازن وهو طيب النفس فهو أحد المتصدقين، مع أن المال الذي تصدق منه ليس ملكًا له، وإنما هو خازن فقط، فلما كان واليًا لخزانته، وأدى حقوق الناس في ولايته، طيبة نفسه بما أدى استحق ذلك التكريم لأمانته، فإذا كان هذا شأن الخازن فصاحب المال أولى، بأن يعطي العطاء من طيب نفس.
والمقصود أن من آداب الإنفاق في سبيل الله أن تكون نفس المنفق طيبة به، لا مكرهًا، ولا معتقدًا أنه غرم وضريبة، كما يظن بعض الناس أن الزكاة ضريبة، حتى إن بعض الكتاب يعبرون بقولهم: ضريبة الزكاة، والعياذ بالله.
سادسًا: أن يكون الإنفاق وسطًا، لا إسراف فيه ولا تقتير:
ومن آداب الإنفاق التوسط فيه، وقد نهى الله تعالى عن الإسراف في الإنفاق، فقال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31] .
فقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} أي: كلوا من المآكل الطيبة، واشربوا المشارب الحلال، ولا تسرفوا، لا في زينتكم، ولا في مأكلكم، أو مشربكم؛ لأنه سبحانه يكره المسرفين.
قال ابن كثير رحمه الله: «قال بعض السلف: جمع الله الطب كله في نصف آية، في قوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} » 163، وقال البخاري: «قال ابن عباس: كُلْ ما شئت، والبس واشرب ما شئت، ما أخطأتك اثنتان: سرف، أو مخيلة» 164.
والإسراف والسرف: تجاوز الحد الذي يقتضيه الإنفاق، بحسب حال المنفق، وحال المنفق عليه، وهذا النهي عن الإسراف نهي إرشاد وإصلاح. والإسراف إما أن يكون بالزيادة على القدر الكافي، والشره في المأكولات، الذي يضر بالجسم، وإما أن يكون بزيادة الترفه، والتنوع في المآكل والمشارب واللباس، وإما بتجاوز الحلال إلى الحرام 165.
ثم قال تعالى: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} فإن السرف يبغضه الله، ويضر بدن الإنسان ومعيشته، حتى إنه ربما أدت به الحال إلى أن يعجز عما يجب عليه من النفقات، ففي هذه الآية الكريمة الأمر بتناول الأكل والشرب، والنهي عن تركهما، وعن الإسراف فيهما 166. ولهذا كان من الأعمال التي لا يحبها الله، ومن الأخلاق التي يلزم الانتهاء عنها، ونفي المحبة مختلف المراتب، فيعلم أن نفي المحبة يشتد بمقدار قوة الإسراف، وهذا حكم مجمل، وهو ظاهر في التحريم.
ووجه عدم محبة الله للمسرف أن الإفراط في تناول اللذات والطيبات والإكثار من بذل المال في تحصيلها يفضي غالبًا إلى استنزاف الأموال، والشره إلى الاستكثار منها، فإذا ضاقت على المسرف أمواله تطلب تحصيل المال من وجوه فاسدة؛ ليخمد بذلك نهمته إلى اللذات، فيكون ذلك دأبه، فربما ضاق عليه ماله فشق عليه الإقلاع عن معتاده، فعاش في كرب وضيق، وربما تطلب المال من وجوه غير مشروعة، فوقع فيما يؤاخذ عليه في الدنيا أو في الآخرة، ثم إن ذلك قد يعقب عياله خصاصة وضنك معيشة، وينشأ عن ذلك ملام وتوبيخ وخصومات، تفضي إلى ما لا يحمد في اختلال نظام العائلة 167.
فأما كثرة الإنفاق في وجوه البر فإنها لا توقع في مثل هذا؛ ولذلك قيل في الكلام الذي يصح طردًا وعكسًا: لا خير في السرف ولا سرف في الخير. وفي معنى هذه الآية قوله صلى الله عليه وسلم: (ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) 168.
وفي آية أخرى يقول تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 26 - 27] .
فقوله: {إِخْوَانَ} يعني: أنهم في حكمهم؛ إذ المبذر ساعٍ في إفساد كالشياطين، أو أنهم يفعلون ما تسول لهم أنفسهم، أو أنهم يقرنون بهم غدًا في النار، ثلاثة أقوال، والإخوان هنا جمع: أخ من غير النسب.
وندب الله تعالى إلى التوسط في الإنفاق في المباح في قوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67] .
فمدح الله هنا الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، وهذه هي الوسطية المرتبطة بالإنفاق الخاص والعام، فالتبذير مذموم، بل إن صاحبه يعد من إخوان الشياطين، والتقتير على النفس والأهل ومن له حق أيضًا مذموم.
هكذا وضع القرآن الكريم هذه القاعدة الذهبية للوسطية الإنفاقية، حتى لا تزل الأقدام، ولا تضيع الأموال، فقال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67] .
فهي قمة الوسطية، في قمة السلوك، فلماذا بعد ذلك تنفق الأموال في البهرجة الكاذبة، والمظاهر الزائفة، والحفلات الماجنة، من قبل الحكومات أو الأفراد، لو دبر الناس الإنفاق بعقلية وسطية لكان الوضع الاجتماعي والوضع الاقتصادي للأمة على أحسن حال، ولتوفر للأمة من الثروات الشيء الكثير، ولكن المشاهد من حال المسلمين اليوم هو الإنفاق الفاحش والبذخ الزائد، الذي يدل على غياب هذه الوسطية، فكانت النتيجة أن كثر الفقر والجوع والجهل.
للإنفاق آثار جليلة في الدنيا والآخرة، نتناولها فيما يأتي:
أولًا: آثار دنيوية:
للإنفاق في سبيل الله فوائد عديدة، وآثار حميدة، يجنيها المتصدق إذا أحسن القصد، وأخلص العمل لوجه الله، ومن هذه الآثار الدنيوية:
تعد عملية الإنفاق في سبيل الله درسًا تهذيبيًا أكثر من كونها مساعدة مالية؛ وذلك لما للإنفاق من دور عظيم في تهذيب النفوس، وإصلاح حال الفرد، واستقامة المجتمع، وتليين وتذليل ومعالجة لتلكم القلوب الصلدة القاسية، كما أن الجود والسخاء بإذن الله تعالى يقلب البغضاء محبة، والعداوة ودًا، وفيه مواساة للفقراء والمسكين والمعوزين عمومًا. فعندما تطهر النفس من آفاتها، وتتخلص من شهواتها، وتتحلى بالفضائل، وتتزين بالمكارم، تثمر أعظم الثمار، وتخرج لنا كل إحسان.
فالصدقة وسيلة من وسائل تطهير النفس، وتهذيب الأخلاق، فهي تزيل الخطايا، وتغسل صحيفة صاحبها من الأدناس، وتطهرها من الذنوب، وقد دل الكتاب العزيز والسنة المطهرة على أن الصدقة تطهر الإنسان وتزكي نفسه؛ ولهذا سميت الصدقة الواجبة زكاة، وهي: النماء والطهارة، وزكا الشيء: نما وتكاثر، وزكت النفس: طهرت، وقد قال الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] .
تطهرهم من البخل والشح، وحب المال، وتزكيهم بنماء أموالهم وحسناتهم، وتهذيب نفوسهم؛ وبذلك يرتفعون إلى منازل المخلصين الطيبين.
كما أن الإسلام يريد تربية النفوس على البذل والعطاء حتى تتخلق بأخلاق الله، فكلما اعتاد الإنسان البذل والعطاء ارتقى من حضيض الشح الإنساني إلى أفق الكمال الرباني، فإن من صفات الحق سبحانه إفاضة الخير والرحمة على عباده دون نفع يعود عليه، والسعي في تحصيل هذه الصفات بقدر الطاقة البشرية تخلق بأخلاق الله، قال الرازي: «أن النفس الناطقة لها قوتان نظرية وعملية، فالقوة النظرية كمالها في التعظيم لأمر الله، والقوة العملية كمالها في الشفقة على خلق الله، فأوجب الله الزكاة ليحصل لجوهر الروح هذا الكمال، وهو اتصافه بكونه محسنًا إلى الخلق، ساعيًا في إيصال الخيرات إليهم، دافعًا للآفات عنهم» 169.
ولما كان البذل في سبيل الله برهان الصدق وعلامة الإيمان، كما قال عليه الصلاة والسلام: (والصدقة برهان) 170 كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وقد عرف بذلك من قبل رسالته؛ لأن الله هيأه لمكارم الأخلاق، فقد قالت له خديجة في حديث بدء الوحي: (إنك تحمل الكل، وتكسب المعدوم) 171.
كما أن في البذل وإيتاء الزكاة شكرًا لنعمة الله عز وجل، وفي ذلك تهذيب للنفس، يقول الكاساني: «لأن إخراج العشر إلى الفقير من باب شكر النعمة، وإقدار العاجز، وتقويته على القيام بالفرائض، ومن باب تطهير النفس عن الذنوب وتزكيتها، وكل ذلك لازم عقلًا وشرعًا» 172. ويقول الغزالي: «إن لله عز وجل على عبده نعمة في نفسه وفي ماله، فالعبادات البدنية شكر لنعمة البدن، والمالية شكر لنعمة المال، وما أخس من ينظر إلى الفقير وقد ضيق عليه الرزق، وأحوج إليه ثم لا تسمح نفسه بأن يؤدي شكر الله تعالى على إغنائه عن السؤال، وإحواج غيره إليه» 173.
وقد قال عليه الصلاة والسلام: (الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر) 174.
والزكاة بكونها شكرًا لنعمة الله كانت نصف الإيمان.
والإنفاق يقي صاحبه من الشح المنهي عنه، فإذا يسر على المرء الإنفاق فيما أمر الله به فقد وقي شح نفسه؛ وذلك من الفلاح، كما قال الله تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] .
وإضافة (الشح) إلى النفس للإشارة إلى أن الشح من طباع النفوس، فإن النفوس شحيحة بالأشياء المحببة إليها، كما قال تعالى: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} [النساء: 128] .
وفي الحديث لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الصدقة، قال: (أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، وأن لا تدع حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان) 175.
والمقصود أن الإنفاق في سبيل الله وسيلة لتهذيب النفس وتزكيتها وتطهيرها من خلق الشح والبخل، إلا أن الإنفاق لا يهذب النفس ويطهرها إلا إذا أخرجت الصدقة على وجهها الصحيح، بأن يخرجها بانشراح صدر، ومن أحل ماله وأصفاه وأطيبه، ويخرجها في أول وجوبها خوف الحوادث وشح النفس، وألا يعذب قلوب الفقراء بالانتظار، وينظر في ذلك إلى نعمة الله عليه بتوفيقه؛ لئلا يتكبر ويعجب فيورثه المن والأذى، فيحبط أجره، وأن يرى فضل المستحق عليه؛ لأنه سبب طهرته، ورفع درجته في الآخرة، وأن تكون صدقته سرًا، اكتفاء بنظر الله وعلمه، وصيانة الفقير عن اشتهار أمره، وأن يكون عند الإخراج مستصغرًا لما يعطي، متواضعًا لمن يعطي، إلى غير ذلك من الآداب التي قد سبق تفصيلها.
ومن آثار الإنفاق في سبيل الله تعالى تحقيق التكافل الاجتماعي بأبهى صوره؛ حيث يتم تحقيق كفاية الفقير دون المساس بكفاية الغني.
وقد عرف أن من أعظم وسائل تقوية التكافل الاجتماعي في الإسلام البذل والإنفاق؛ لذلك حبب الإسلام إلى بنيه أن تكون نفوسهم سخيةً، وأكفهم نديةً، وأن يجعلوا تقديم الخير إلى الناس شغلهم الدائم، لا ينفكون عنه في صباح أو مساءً، يقول الله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274] .
فهي عملية مستمرة إنفاق بالليل والنهار، في السر والعلن، في الشدة واليسر، حتى صارت نظرية الإنفاق في الإسلام من أبرز السياسات لعلاج مشكلة الفقر، ولو فكر العالم المعاصر اليوم قليلًا في حيثيات وضوابط نظرية الإنفاق لوجدها من أبرز وأنجع الحلول لمشكلة الفقر، الذي يعاني منه الملايين في أنحاء العالم، وإنه بحساب يسير لحصيلة زكاة أموال المسلمين في أرجاء المعمورة نجد أنها كافية لإغناء كل فقراء المسلمين، بل فقراء العالم أجمعين، وتحقيق كفايتهم من مأكل وملبس وتعليم ومسكن.
والإسلام وهو يدعو إلى الإنفاق في سبيل الله على الفقراء والمحتاجين يحرص أن يجعل المسلمين كتلة واحدة، يشد بعضها بعضًا، يربط بينهم رباط الإيمان والعقيدة، يعطف كبيرهم على صغيرهم، وغنيهم على فقيرهم، كل منهم يتحسس حاجة أخيه المسلم، ويفعل الأسباب لإزالة هذه الحاجة بصدر رحب، وقلب منشرح، ينطلقون من توجهات كتابهم، بقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] .
وقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] .
ومن سنة رسولهم محمد صلى الله عليه وسلم، بقوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) 176.
وبقوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا) 177.
فصدقة التطوع إذن تساعد على إذابة التفاوت الطبقي بين المسلمين، وتعينهم على حل مشكلة الفقر، وما ينتج عنه من مآسٍ ومشاكل، وهي أيضًا سبب من أسباب الألفة والمحبة بين المسلمين، ولها دور في إشاعة روح التسامح والتعاون والتآخي بينهم.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) 178. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه السائل، أو طلبت إليه حاجة، قال: (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء) 179 يقول ابن حجر: «في الحديث حض على الخير وفعله، والتسبب إليه بكل وسيلة، والشفاعة إلى الكبير في كشف كربة، ومعونة ضعيف» 180.
والمقصود أن من آثار الإنفاق ما يحققه من التكافل بين أفراد المجتمع المسلم؛ وذلك عن طريق ما شرعه الله من الإنفاق، ومد يد العون إلى الضعفاء والمعوزين؛ ليجد هؤلاء من يحنو عليهم، ومن ينتشلهم من براثن الفقر، ويبعد عنهم صوره المرعبة، وبذلك تتوازن القوى، ويتجه كلهم نحو بناء مجتمع مثالي في كل عصر، ومع كل جيل، ويلتحم الأفراد فيما بينهم في إطار من الود والرحمة، يشد بعضهم بعضًا.
ومن صور التكافل الاجتماعي في الإسلام في باب الإنفاق: ما شرعه الله من وجوب نفقة الأقارب الفقراء على القريب الغني، فنفقة الزوجة على الزوج، والأبناء على الأب، ونفقة الوالدين الفقيرين على الولد القادر، ونفقة الأخ الفقير أو المحتاج على أخيه الذي يرثه، وقد وسع بعض علماء المسلمين في شأن نفقة الأقارب حتى تصل إلى ذوي الأرحام.
وهكذا من صور التكافل الاجتماعي أحكام الديات في القتل الخطأ، فإن الدية تجب لورثة القتيل، وقد يكونون صغارًا فتعينهم على مواجهة الحياة بعد فقد مورثهم، ويتشارك أقرب العصبة إلى القاتل خطأ في دفع الدية إلى ورثة المقتول، والدية هنا تمثل ضمانًا من المجتمع لورثة المقتول، فلا يضيع دم إنسان هدرًا في مجتمع مسلم.
ومن آثار الإنفاق في سبيل الله أن الصدقة تجلب الرزق، وتحفظ المال من الآفات والهلكات والمفاسد، وتحل فيه البركة، وتكون سببًا في إخلاف الله على صاحبها بما هو أنفع له، وأكثر وأطيب، دلت على ذلك النصوص الثابتة، والتجربة المحسوسة، فمن النصوص الدالة على ذلك قوله تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ: 39] .
قال ابن عاشور في تفسيره: «وأكد ذلك الوعد بصيغة الشرط، وبجعل جملة الجواب اسمية، وبتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي بقوله: {فَهُوَ يُخْلِفُهُ} ففي هذا الوعد ثلاث مؤكدات دالة على مزيد العناية بتحقيقه ... ، وجملة: {وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} تذييل للترغيب والوعد بزيادة أن ما يخلفه أفضل مما أنفقه المنفق» 181.
وقال السعدي: «قوله: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} نفقة واجبة أو مستحبة، على قريب أو جار أو مسكين أو يتيم أو غير ذلك فهو تعالى يخلفه، فلا تتوهموا أن الإنفاق مما ينقص الرزق، بل وعد بالخلف للمنفق الذي يبسط الرزق ويقدر» 182.
ومن النصوص الدالة أيضًا على أن الصدقة بوابة للرزق، ومن أسباب سعته واستمراره، وتهيؤ أسبابه، وأنها لا تزيد العبد إلا كثرة: قوله تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] .
إذ الصدقة غاية في الشكر، وقوله عز وجل في الحديث القدسي: (يا ابن آدم أنفق أنفق عليك) 183.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما فتح رجل باب عطية بصدقة أو صلة إلا زاده الله بها كثرة) 184.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا) 185.
كما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (بينا رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته، يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: فلان -للاسم الذي سمع في السحابة-، فقال له: يا عبد الله لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه، يقول: اسق حديقة فلان -لاسمك-، فماذا تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثه، وأرد فيها ثلثه) 186.
وفي رواية: (وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل) 187.
وفي المقابل جاءت نصوص عديدة ترد على فئام من الخلق -ممن رق دينهم وساءت أفهامهم- ظنوا أن الصدقة منقصة للمال، جالبة للفقر، مسببة للضيعة، بل أبانت هذه النصوص أن الصدقة لا تنقص مال العبد، وأن شحه به هو سبب حرمان البركة، وتضييق الرزق، وإهلاك المال، وعدم نمائه، ومن هذه النصوص قوله صلى الله عليه وسلم: (ما نقصت صدقة من مال) 188.
وفي حديث أسماء رضي الله عنها قالت: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (لا توكي فيوكى عليك ... لا تحصي فيحصى الله عليك) 189.
وأيضًا فأن التجربة المحسوسة تثبت أن المعونة تأتي من الله للعبد على قدر المؤونة، وأن رزق العبد يأتيه بقدر عطيته ونفقته، فمن أكثر أكثر له، ومن أقل أقل له، ومن أمسك أمسك عليه، وقد نص غير واحد أن ذلك مجرب محسوس، ومن شواهد ذلك قصة عائشة رضي الله عنها: «أن مسكينًا سألها وهي صائمة وليس في بيتها إلا رغيف، فقالت لمولاتها: أعطيه إياه، فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه! فقالت: أعطيه إياه! قالت: ففعلت، قالت: فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان -ما كان يهدي لنا- شاة وكفنها، فدعتني، فقالت: كلي من هذا، هذا خير من قرصك» 190.
فالقضية إذن مرتبطة بالإيمان، ومتعلقة باليقين، والأمر كما قيل: «من أيقن بالخلف جاد بالعطية» 191.
ومما يدل على أن الصدقة سبب لزيادة المال، وسعة الرزق: قول الله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245] .
وقوله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 268] .
يقول ابن القيم رحمه الله: «وأما الله سبحانه فإنه يعد عبده مغفرة منه لذنوبه، وفضلًا بأن يخلف عليه أكثر مما أنفق وأضعافه، إما في الدنيا أو في الآخرة» 192.
ويقول الله تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ: 39] .