أولًا: المعنى اللغوي:
أصله من بنى: بنا في الشرف يبنو 1، ويقال: تبنيته، أي: ادعيت بنوته، وتبناه: اتخذه ابنًا 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
هو ضم طفل أجنبي إلى أسرة معينة، وجعله بمنزلة الابن الحقيقي أو الصلبي، له ما له، وعليه ما عليه من واجبات، يثبت له النسب كما يثبت للابن الحقيقي 3.
ولم يرد لفظ (التبني) في القرآن الكريم.
الدّعيُ:
الدّعيّ لغة:
المتبنّي: الذي تبناه رجل فدعاه ابنه ونسبُه إلى غيره 4، وادعى فلانًا: صيّره يُدعى إلى غير أبيه، والدّعيُّ: المتهم في نسبه والمنسوب إلى غير أبيه. والدِّعوة بكسر الدال: ادعاء الولد الدَّعِي غير أبيه 5.
قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} [الأحزاب: 4] أي: من تبنيتموه من أولاد غيركم، جمع دعي، فعيل بمعنى مفعول؛ لأنه مدعو بالبنوة 6.
وقد يطلق على الدَّعي: المستلاط، أي: المستلحق في النسب، ويدعى له، أي: يُنسب إليه، فيقال: فلان بن فلان، ويدعى به، أي: يكنَّى، فيقال: هو أبو فلان، وهو مع ذلك لا يرث؛ لأنه ليس بولد حقيقي 7.
الدعيّ اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي.
الصلة بين التبني والدعي:
غلب في استعمال العرب لفظ (ادعاء) على التبني 8.
البنوة:
البنوة لغة:
ابن أصله: (بنو) الباء والنون والواو كلمة واحدة، وهو الشيء يتولد عن الشيء، كابن الإنسان وغيره 9، والبِنْو عند بعض أهل العربية: أصل بناء الابن والنسبة إليه بنوي 10، وسماه بذلك لكونه بناء للأب، فإن الأب هو الذي بناه، وجعله الله بناءً في إيجاده، ويقال لكل ما يحصل من جهة شيء أو من تربيته، أو بتفقده أو كثر خدمته له أو قيامه بأمره: هو ابنه، وجمع ابن: أبناء وبنون 11.
البنوة اصطلاحًا:
قال فيه الراغب: «يقال لكلّ ما يحصل من جهة شيء أو من تربيته، أو بتفقده أو كثرة خدمته له أو قيامه بأمره: هو ابنه» 12.
الصلة بين التبني والبنوة:
الفرق بين البنوة والتبني: أن البنوة ترجع إلى النسب الأصلي، أما التبني فهو ادعاء الرجل أو المرأة من ليس ولدًا لهما 13.
الأبوة:
الأبوة لغة:
الأب بالتخفيف بمعنى الوالد الذي إليه يرجع النسب 14.
الأبوة اصطلاحًا:
قال المناوي «الأب: الوالد، والأبوان: الأب والأم أو الأب والجد أو الأب والعم أو الأب والمعلم، وكذا كل من كان سببًا لإيجاد شيء أو إصلاحه أو ظهوره» 15، وقال الجرجاني: الأب هو كل من تكون من نطفته شخص آخر من نوعه 16.
الصلة بين التبني والأبوة:
الأبوة هو ما يرجع إليه النسب، ولا يحصل بالتبني، ويحرم على الأب أن يتزوج زوجة ابنه الذي من صلبه و ليس المتبنى، كذا لا يحصل التوارث بالتبني.
الأمومة:
الأم لغةً:
أم الشيء أصله، والأم: الوالدة، وتجمع على أُمَّات، وأصل الأُم: أُمَّهة؛ لذا تجمع على أمهات 17.
الأم اصطلاحًا:
اسم لكل أنثى لها عليك ولادة، فيدخل في ذلك الأم دنية، وأمهاتها وجداتها وأم الأب وجداته وإن علون» 18.
وعرف بعض العلماء الأمومة بأنها: «نظام تعلو فِيهِ مكانة الْأُم على مكانة الْأَب فِي الحكم وَيرجع فِيهِ إِلَى الْأُم فِي النّسَب أَو الوراثة» 19.
الصلة بين التبني والأمومة:
المتبنى - إن كان ذكرًا - شخص أجنبي، ولا يحصل المحرمية بمجرد التبني، بل على الأم بالتبني أن تتحجب عنه، كذا لا يحصل التوارث بينهما.
إن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية 20. والله سبحانه ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصًا أو حدوثًا فإن الله منزهٌ عنه حقيقة، فالله تعالى مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه 21.
قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1 - 4] .
فهذه السورة تشتمل على معرفة ذاته؛ إذ لا يوجد شيء إلا وُجد من شيء ما خلا الله تعالى، فإن ذاته المقدسة لا تماثل شيئًا من الذوات، وصفاته مختصة به فلا تماثل شيئًا من الصفات، فاسمه {أَحَدٌ} دل على نفي المشاركة والمماثلة، واسمه {الصَّمَدُ} دل على أنه مستحق لجميع صفات الكمال، فهذان الاسمان العظيمان {أَحَدٌ} {الصَّمَدُ} يتضمنان تنزيهه من كل نقص وعيب، وتنزيهه في صفات الكمال أن لا يكون له مماثل في شيء منها، واسمه {الصَّمَدُ} يتضمن إثبات جميع صفات الكمال، فتضمن ذلك إثبات جميع صفات الكمال، ونفي جميع صفات النقص.
لذلك نزّه الله تعالى نفسه عن اتخاذ الولد كما زعمه اليهود والنصارى والمشركون، قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116] .
وقال تعالى: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} [مريم: 88 - 92] .
ما دلت عليه الآيات:
1.قالت اليهود والنصارى 22 والمشركون 23: {اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} فنسبوه إلى مالا يليق بجلاله، وأساءوا كل الإساءة وظلموا أنفسهم 24.
2.قال جل ثناؤه مكذّبًا قيلهم ما قالوا من ذلك، ومنتفيًا مما نحلوه، وأضافوا إليه بكذبهم وفريتهم {سُبْحَانَهُ} أي: تنزيهًا له أن يكون له ولد؛ لأنه الغني بذاته عن جميع مخلوقاته 25، وهو سبحانه مالك لجميع المخلوقات، ومن له ملك السموات والأرض، لا يحتاج إلى ولد، ولأنه لو كان له ولد لكان الولد مماثلًا له، والله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء 26.
وأصل التسبيح: التنزيه له من إضافة ما ليس له من صفاته إليه والتبرئة له من ذلك 27، فسبحان من له الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه 28.
3.أنكر الله تعالى على من زعم أن له ولدًا -تقدس وتنزه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا- فقال: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} أي: الذي لا منعم غيره، فكل أحد محتاج إليه وهو غني عن كل أحد 29.
4. {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا} أي: عظيمًا، ثقيلًا منكرًا 30. وهو ردٌّ لمقالتهم الباطلة، وتهويلٌ لأمرها بطريق الالتفات المنبيء عن كمال السخط، وشدة الغضب المفصح عن غاية التشنيع والتقبيح، وتسجيل عليهم بنهاية الوقاحة والجهل والجرأة 31.
5.بيَّن الله ثِقل هذا القول من فجرة بني آدم بقوله: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} [مريم: 90] .
إن السموات على إحكامها مع بُعدها عن أصحاب هذا القول {يَتَفَطَّرْنَ} أي: تتشقق فرقًا من عظمة الله وغضبًا له، {وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ} على تحتها شقًّا نافذًا واسعًا {وَتَخِرُّ الْجِبَالُ} أي: تسقط الجبال سقوطًا شديدًا ويتكسر بعضها على بعض بالرغم من صلابتها 32.
6.إن هذه المخلوقات مؤسسة على توحيده عز وجل وأنه لا إله إلا هو، ولا شريك له، ولا نظير له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له، بل هو الأحد الصمد؛ لذلك لم تطق هذه الأجرام العظام هول تلك الكلمة الشنيعة فتفتّت، ولولا حلمه تعالى لخرب العالم وبُدِّدت قوائمه غضبًا على من تفوه بها 33.
7. {وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} استحالة تحقق مضمونها فلا يليق به سبحانه اتخاذ الولد، ولا يتطلب له طلب مثلٍ لاستحالته في نفسه، ووضع (الرحمن) موضع الضمير للإشعار بعلة الحكم بالتنبيه على أن كل ما سواه تعالى إما نعمة أو منعم عليه، فكيف يتسنى أن يجانس من هو مبدأ النعم ومولي أصولها وفروعها حتى يتوهم أن يتخذه ولدًا!؟ 34، فاتخاذ الولد ينافي كمال صمديته عز وجل وغناه وملكه، وتعبيد كل شيء له 35.
إن نسبة مالا يليق بكمال الله وجلاله إليه، تقدست أسماؤه، تغيير لمعالم الحق الذي قامت عليه السموات والأرض، وإحلال للباطل والزيف مكان الحكمة والعدل. إن نسبة هذه الأمور إليه -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- نسبة الحاجة، والنقص، والافتقار، والعجز إلى الكمال المطلق، وهو هدم لنظام الكون الذي يقوم على الحق والعدل والميزان 36.
التبني معروف منذ القدم، وقد أشار القرآن الكريم إليه في موضعين:
أولًا: تبني عزيز مصر ليوسف عليه السلام:
قص الله تعالى علينا قصة يوسف عليه السلام، فقد كان أشرف إخوته وأجلّهم وأعظمهم 37، رأى رؤيا قبل أن يبلغ الحُلم فقصّها على أبيه يعقوب عليه السلام. قال تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يوسف: 4 - 5] .
فعرف أبوه أنه سينال منزلة عالية، ورفعة عظيمة في الدنيا والآخرة؛ لذلك أمره بكتمانها وألا يقصّها على إخوته؛ كيلا يحسدوه ويكيدوه بأنواع الحيل والمكر 38.
وقد كان من أمره وأمرهم ما قصّه الله علينا في القرآن الكريم حتى استقر به المقام في بيت عزيز مصر، قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} [يوسف: 21] .
وكان الذي اشتراه من أهل مصر عزيزها، وهو الوزير بها، الذي كانت الخزائن مسلمة إليه 39، ومعنى {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} أي: منزله ومقامه، والمثوى: موضع الإقامة، وقيل: أكرميه في المطعم والملبس والمقام 40، {عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا} أي: عسى أن ينفعنا ببيعه بالربح إن أردنا البيع، أو يكفينا بعمله بعض أمورنا إذا بلغ 41. {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} أي: نتخذه ولدًا، أي: نتبناه 42، ولعل ذلك أنه لم يكن لهما ولد 43، وكان ذلك لما تفرّس فيه من مخايل الرشد والنجابة 44.
وهذا من لطف الله به ورحمته وإحسانه إليه، بما يريد أن يؤهله له ويعطيه من خيري الدنيا والآخرة 45.
ثانيًا: تبني فرعون لموسى عليه السلام:
عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة: أن فرعون رأى في منامه كأن نارًا قد أقبلت من نحو بيت المقدس، فأحرقت دور مصر وجميع القبط ولم تضر بني إسرائيل. فلما استيقظ هاله ذلك، فجمع الكهنة والسحرة، وسألهم عن ذلك فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء، يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه، فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان 46. ثم إن فرعون لما أكثر من قتل ذكور بني إسرائيل خافت القبط أن يُفنى بنو إسرائيل، فيَلُون هم ما كانوا يلونه من الأعمال الشاقة؛ فأمر فرعون بقتل الولدان عامًا وتركهم عامًا، ووُلد موسى عليه السلام في العام الذي يُقتل فيه الولدان، فأُلهمت أمه وأُلقي في خلدها ونُفث في روعها 47، كما قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7] .
وهكذا ذهب به الماء إلى دار فرعون ولما رأته امرأة فرعون أوقع الله محبته في قلبها وقالت لزوجها: {قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [القصص: 9] .
أي: أترجى نفعه لنا لو كان له أبوان معروفان؛ فإن فيه مخايل اليُمن ودلائل النفع لأهله، فقد توسّمت في سيماه النجابة المؤذنة بكونه نفعًا، وقد أنالها الله ما رجت من النفع، أما في الدنيا فهداها الله به، وأما في الآخرة فأسكنها الله جنته بسببه.
أو عسى أن نتبناه إذا لم يعرف له أبوان، فإنه أهل للتبني؛ لما فيه من الوسامة وجمال المنظر التي تجعله أهلًا لتبني الملوك، وكانت امرأة فرعون لا تلد، ولم يكن لفرعون ولد ذكر 48، وهكذا تربى موسى عليه السلام في بيت فرعون يركب ركوبه كالولد مع الوالد، وكان يسمى ابن فرعون 49.
ثالثًا: التبني عند الرومان:
كان التبني معروفًا في القانون الروماني، فمن حق الأب أن يجعل له ابنًا من غير سلالته، ومن غير ذريته، ولو كان المتبنَّى له أب معروف ونسب ثابت 50، فلم يقتصر التبني على مجهول النسب، وإذا كان من ألحقه بنسبه كبيرًا، كان الإلحاق بما يشبه العقد 51، وكان للابن بالتبني كافة الحقوق الشرعية في ممتلكات أبيه المتبنِّي، فهو لم يكن يعتبر ابنًا من الدرجة الثانية، بل كان مساويًا لسائر الأبناء.
كان المجتمع العربي في الجاهلية كغيره من المجتمعات الأخرى من يونان ورومان وغيرهما، يسير على مزاج ذاتي، وتصورات ضيقة الأفق، مما أدى إلى وجود بعض العادات والتقاليد الموروثة التي تتعارض مع أصول الأخلاق القويمة وسلامة المجتمع، ووحدة الأسرة وانسجامها.
وكان التبني أحد هذه العادات الشائعة المتأصلة فيهم والمتمكنة عندهم، يتوراث به ويتناصر 52، وكان الرجل يتبنى ولد غيره فتجري عليه أحكام البنوة كلها 53، وكان هذا يقع بخاصة في السبي؛ حين يؤخذ الأطفال والفتيان في الحروب والغارات، فمن شاء أن يلحق بنسبه واحدًا من هؤلاء دعاه ابنه، وأطلق عليه اسمه، وصارت له حقوق البنوة وواجباتها 54.
أولًا: دواعي التبني في الجاهلية:
كان العربي إذا أعجبه من الفتى قوته ووسامته ضمه إلى نفسه، ونسبه إليه، فيقال: فلان بن فلان. وجعل له نصيبًا من الميراث كأحد أولاده 55، لا فرق بينه وبين أحد من أبنائه من نكاح أو غيره.
للتجاوب مع النزعة الفطرية في حب الأولاد حال العقم، أو اليأس من الإنجاب، أو الاستلطاف، أو استحسان ولد أو بنت الآخر.
رعاية ولد لقيط، أو مفقود، أو مجهول النسب، أو لا عائل ولا مربي له.
وظل العمل بهذه العادة حتى ظهر الإسلام، نظرًا لأن الله تبارك وتعالى تدرج في التشريع، فالعادات المستهجنة المستحكمة في النفوس، المتشبثة بالأذهان لم تُحرّم في العهد المكي، وإنما أُخِّر تحريمها إلى العهد المدني؛ حتى تتعمق العقيدة والوحدانية في القلوب، فتكون الاستجابة والطاعة أسرع وأعمق، ومنها التبني الذي حُرِّم في السنة الخامسة من الهجرة لما نزل قوله تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 5] .
ومن الصحابة الذين وقع عليهم التبني:
1.المقداد بن عمرو بن ثعلبة البهراوي، المعروف بالمقداد بن الأسود، وهذا الأسود الذي يُنسب إليه هو الأسود بن عبد يغوث الزهري، وإنما نُسب إليه لأن المقداد حالفه 56، فتبناه الأسود في الجاهلية فنُسب إليه، وهو قديم الإسلام من السابقين، وهاجر إلى أرض الحبشة، وشهد بدرًا، وله فيها مقام مشهور، وشهد المشاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم وشهد فتح مصر، كانت وفاته بالمدينة في خلافة عثمان رضي الله عنه، وكان عمره 70 سنة 57.
2.سالم مولى أبي حذيفة، وهو سالم بن عبيد بن ربيعة، كان من أهل فارس من اصطخر، وكان من فضلاء الصحابة والموالي وكبارهم، تبناه أبو حذيفة لما أعتقته زوجته ثُبيتة الأنصارية، وكان أبو حذيفة يرى أنه ابنه، فأنكحه ابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة. وشهد سالم المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم وقُتل يوم اليمامة شهيدًا 58.
3.زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وأمه سعدى بنت ثعلبة من طي 59، خرجت أمه لزيارة قومها، فأغارت عليهم خيل، فأسروا زيدًا وباعوه، واشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد 60، وكان أبوه حارثة قد جزع عليه جزعًا شديدًا، ولما علم بوجوده بمكة قدم هو وأخوه إلى مكة لفدائه 61، فاختار زيد البقاء مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحجر فقال: (أُشهدكم أن زيدًا ابني يرثني وأرثه) ، فصار يُدعى زيد بن محمد 62.
عن ابن عمر رضي الله عنهما: (إن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} ) 63. أسلم في أول يوم من أيام الدعوة 64، ويعتبر من كبار السابقين الأولين 65، رافق النبي صلى الله عليه وسلم في رحلته إلى الطائف للدعوة في السنة العاشرة من البعثة 66.
هاجر إلى المدينة قبل النبي صلى الله عليه وسلم 67، شهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم باستثناء غزوة بني المصطلق 68، فإن النبي صلى الله عليه وسلم استخلفه على المدينة 69، وجعله النبي صلى الله عليه وسلم أميرًا على سبع سرايا. عن سلمة بن الأكوع قال: (غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم تسع غزوات، وغزوت مع ابن حارثة استعمله علينا) 70، وهو حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: (وأيم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ) 71. وهو الصحابي الوحيد الذي ذُكر اسمه صراحة في القرآن الكريم، قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب: 37] .
استُشهد في غزوة مؤتة في السنة الثامنة من الهجرة، وكان أميرًا على الجيش رضي الله عنه وأرضاه 72.
1.أولًا: نفي البنوة عن المتبنَّى:
قال تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 4 - 5] .
يقول الله تعالى موطئًا قبل المقصود المعنوي أمرًا حسيًّا معروفًا، وهو أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه، ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله: (أنت عليّ كظهر أمي) أمًّا له، كذلك لا يصير الدَّعي ولدًا للرجل إذا تبناه فدعاه ابنًا له.
فبيّنت الآية أن الأمور الثلاثة باطلة لا حقيقة لها، ولقد ساوت الآية بين شيء محسوس ظاهر بيّن، وهو عدم وجود قلبين في جوف الرجل، وبين عادتين مستعملتين عند العرب وهما الظهار والتبني، وذلك ليبين فظاعتهما وأنهما مخالفتان للواقع 73.
فعندما أراد الله تعالى أن يبطلهما ويزيلهما -الظهار والتبني- قدّم بين يدي ذلك بيان قبحه وأنه باطل وكذب؛ وكل باطل وكذب لا يوجد في شرع الله ولا يتصف به عباد الله 74.
فقد حرص الإسلام على صفاء النسب، فالنسب لا يثبت إلا بولادة حقيقية ناشئة من علاقة غير محرمة؛ لذلك نفى الإسلام أن يكون التبني سببًا لثبوت النسب، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ} [الأحزاب: 4] .