أي: ومن يجعل لغير الله شركة مع الله قيوم السموات والأرض -سواء كانت الشركة بالإيجاد أو بالتحليل والتحريم- فقد اخترع ذنبًا عظيم الضرر 17؛ لأن الشرك انقطاع ما بين الله والعباد، فلا يبقى لهم معه أمل في مغفرة، إذا خرجوا من هذه الدنيا وهم مشركون، مقطوعو الصلة بالله رب العالمين.
2.الافتراء على الله بما لم يقله:
ومن صور الافتراء على الله تزكية اليهود والنصارى لأنفسهم من غير برهان على ذلك، كما قال تعالى:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 49 - 50] .
هذا توبيخ للذين يزكون أنفسهم من اليهود والنصارى، ومن نحا نحوهم من كل من زكى نفسه بأمر ليس فيه؛ وذلك أن اليهود والنصارى يقولون: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] .
ويقولون: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة:111] .
وهذا مجرد دعوى لا برهان عليها، فتزكيتهم أنفسهم من أعظم الافتراء على الله عز وجل؛ لأن مضمون تزكيتهم لأنفسهم الإخبار بأن الله جعل ما هم عليه حقًا، وما عليه المؤمنون المسلمون باطلًا، وهذا أعظم الكذب، وقلبٌ للحقائق بجعل الحق باطلًا، والباطل حقًا 18.
ولما كان الشرك أعظم الافتراء على الله أرسل الله الرسل لإبطال ما اختلقه المشركون على الله من عبادة غير الله، ودعوتهم إلى عبادة الله، كما قال هود عليه السلام لقومه: {يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ} [هود: 50] .
أي: ولقد أرسلنا إلى عادٍ أخاهم هودًا آمرًا لهم بعبادة الله وحده لا شريك له، ناهيًا لهم عن عبادة الأوثان التي افتروها، واختلقوا لها أسماء الآلهة 19، وتسميتهم إياهم شفعاء يتقربون بهم أو بقبورهم أو بصورهم وتماثيلهم ويرجون النفع وكشف الضر عنهم بجاههم عنده.
ولما قام الأنبياء -صلوات الله عليهم- بدعوة أقوامهم إلى ترك عبادة غير الله، والقيام بعبادة الله؛ آمن بهم فريق، وعاندهم فريق آخر، سماهم القرآن الملأ.
كما قال تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) } [الأعراف: 88 - 89] .
أي: ما أعظم افتراءنا على الله إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وهدانا الصراط المستقيم باتباع ملة إبراهيم 20.
وهذه سنة الله سبحانه وتعالى في الدعوات أن يقوم الرسل وورثتهم من بعدهم بدعوة أقوامهم إلى عبادة الله، وترك عبادة غير الله، فيؤمن فريق، ويكفر فريق، ويتدافع الفريقان، ويجاهد الرسل والمؤمنون في الله حق جهاده، فيثبتون، وتكون العاقبة لهم، كما قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] .
من قبح المفترين ادعاؤهم على الرسل أنهم لم يأتوا بالمعجزات الباهرة والدلائل القاهرة من عند الله، وإنما هي اختلاق من عند أنفسهم، كما حكى الله عن فرعون وقومه من دعوة موسى عليه السلام بقوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا} [القصص: 36] .
يخبر تعالى عن مجيء موسى وأخيه هارون عليهما السلام إلى فرعون وملئه، وعرضه ما آتاهما الله من المعجزات الباهرة والدلالات القاهرة على صدقهما فيما أخبر عن الله عز وجل من توحيده، واتباع أوامره، فلما عاين فرعون وملؤه ذلك وشاهدوه وتحققوه، وأيقنوا أنه من الله، عدلوا بكفرهم