وبغيهم إلى العناد والمباهتة؛ وذلك لطغيانهم وتكبرهم عن اتباع الحق، فقالوا: {مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى} أي: مفتعل مصنوع، وأرادوا معارضته بالحيلة والجاه، فما صعد معهم ذلك 21.
وقد جعلوا انتفاء بلوغ مثل هذه الدعوة إلى آبائهم حتى تصل إليهم بواسطة آبائهم الأولين دليلًا على بطلانها؛ وذلك آخر ما يلجأ إليه المحجوج المغلوب حين لا يجد ما يدفع به الحق بدليل مقبول، فيفزع إلى مثل هذه التلفيقات والمباهتات 22.
ولما جاءت مريم -عليها السلام- بعيسى عليه السلام المعجزة الإلهية من غير أب تحمله، أنكر عليها قومها ذلك، كما قال تعالى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} .
والذي يفهم من الآية أن مرادهم بقولهم: {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} أي: منكرًا عظيمًا؛ لأن «الفري» فعيلٌ من الفرية، يعنون به الزنا؛ لأن ولد الزنا كالشيء المفترى المختلق؛ لأن الزانية تدعي إلحاقه بمن ليس أباه، ويدل على أن مرادهم بقولهم: «فريًا» الزنا؛ قوله تعالى: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا} [النساء: 156] .
لأن ذلك البهتان العظيم الذي هو ادعاؤهم أنها زنت، وجاءت بعيسى من ذلك الزنا -حاشاها وحاشاه من ذلك- هو المراد بقولهم لها: {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} ، ويدل لذلك قوله تعالى بعده: {يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم: 28] . والبغي الزانية، يعنون كان أبواك عفيفين لا يفعلان الفاحشة، فما لك أنت ترتكبينها؟! ومما يدل على أن ولد الزنا كالشيء المفترى قوله تعالى: {وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} [الممتحنة: 12] .
قال بعض العلماء: أي: ولا يأتين بولد زنًا يقصدن إلحاقه برجلٍ ليس أباه، هذا هو الظاهر الذي دل عليه القرآن في معنى الآية 23.
وعندما ينسخ الله حكمًا، ويأتي بحكم آخر لحِكَمٍ يعلمها ورحمة بعباده سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106] .
قدحوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به؛ كما قال تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 101 - 102] .
يذكر تعالى أن المكذبين بهذا القرآن يتتبعون ما يرونه حجة لهم، وهو أن الله تعالى هو الحاكم الحكيم، الذي يشرع الأحكام، ويبدل حكمًا مكان آخر لحكمته ورحمته، فإذا رأوه كذلك قدحوا في الرسول، وبما جاء به، و {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ} .
قال الله تعالى: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} فهم جهال لا علم لهم بربهم ولا بشرعه.
ولهذا ذكر تعالى حكمته في ذلك فقال: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ} وهو جبريل الرسول المقدس المنزه عن كل عيب وخيانة وآفة.
{بِالْحَقِّ} أي: نزوله بالحق، وهو مشتمل على الحق في أخباره وأوامره ونواهيه، فلا سبيل لأحد أن يقدح فيه قدحًا صحيحًا؛ لأنه إذا علم أنه الحق علم أن ما عارضه وناقضه باطل.
{لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا} عند نزول آياته وتواردها عليهم وقتًا بعد وقت، فلا يزال الحق يصل إلى قلوبهم شيئًا فشيئًا حتى يكون إيمانهم أثبت من الجبال الرواسي، وأيضًا فإنهم يعلمون أنه الحق، وإذا شرع حكمًا من الأحكام ثم نسخه علموا أنه أبدله بما هو مثله أو خير منه لهم، وأن نسخه هو المناسب للحكمة الربانية والمناسبة العقلية.