فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 2431

والوصيلة: الناقة البكر، تبكر في أول نتاج الإبل، ثم تثني بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم، إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكرٌ، والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت، وأعفوه من الحمل، فلم يحمل عليه شيءٌ وسموه الحامي 47.

وكان أول من تولى كبر هذا الافتراء «عمرو بن لحي» ، فهو أول من غير دين إبراهيم عليه السلام، روى ابن حبان بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عرضت علي النار، فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة ابن خندف يجر قصبه 48 في النار، وكان أول من غير عهد إبراهيم، وسيب السوائب) 49.

تنوعت أساليب القرآن في ذم المفترين والرد عليهم، وسنتناول هذه الأساليب في النقاط الآتية:

أولًا: وصفهم بالظلم:

قال سبحانه وتعالى في معرض المبالغة في افتراء المفترين على الله الذين لم يبلغ أحد من الظالمين قبلهم ظلمهم: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} [الأعراف: 37] .

فلا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبًا ما بأن أوجب على عباده من العبادات ما لم يوجبه، أو حرم عليهم في الدين ما لم يحرمه، أو عزا إلى دينه أي حكمٍ لم ينزله على رسله، أو كذب بآياته المنزلة عليهم بالقول أو بما هو أدل منه وهو الاستكبار عن اتباعها، أو الاستهزاء بها، أو تفضيل غيرها عليها بالعمل 50.

«وإنما كانوا أشد الظالمين ظلمًا؛ لأن الظلم الاعتداء على أحد بمنعه من حقه، وأشد من المنع أن يمنعه مستحقه، ويعطيه من لا يستحقه، وأن يلصق بأحد ما هو بريء منه، ثم إن الاستحقاق وعدمه قد يثبتان بحكم العوائد، وقد يثبتان بأحكام الشرائع، وقد يثبتان بقضايا العقول السليمة، وهو أعلى مراتب الثبوت، ومدار أمور أهل الشرك على الافتراء على الله بأن سلبوا عنه ما هو متصف به من صفات الإلهية الثابتة بدلالة العقول.

وأثبتوا له ما هو منزه عنه من الصفات والأفعال بدلالة العقول، وعلى تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، ونكران دلالة المعجزة التي يقتضيها العقل، وعلى رمي الرسول صلى الله عليه وسلم بما هو بريء منه بشهادة العقل والعادة التي عرفوها منه بهتانًا وكذبًا، فكانوا بمجموع الأمرين وضعوا أشياء في مواضع لا يمكن أن تكون مواضعها، فكانوا أظلم الناس؛ لأن عدم الإمكان أقوى من عدم الحصول.

وتقييد الافتراء بالحال المؤكدة في قوله: {كَذِبًا} لزيادة تفظيع الافتراء؛ لأن اسم الكذب مشتهر القبح في عرف الناس، وإنما اختير الافتراء للدلالة على أنهم يتعمدون الاختلاق تعمدًا لا تخالطه شبهة» 51.

ثانيًا: تحديهم بالإتيان فيما زعموا أنه مفترى:

مر تحدي الله عز وجل للمشركين في القرآن المكي والمدني بأن يأتوا فيما زعموا أنه مفترى بمراحل:

المرحلة الأولى: أن الله سبحانه وتعالى تحداهم بالقرآن كله ودعاهم إن كانوا صادقين في دعواهم أنه من عند محمد فليعارضوه بنظير ما جاء به وحده، وليستعينوا بمن شاءوا، وأخبر أنهم لا يقدرون على ذلك، ولا سبيل لهم إليه، فقال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] .

أي: قل: لو اتفقت الإنس والجن على محاولة الإتيان بمثل هذا القرآن المعجز لا يستطيعون الإتيان به، ولو تعاونوا وتظاهروا على ذلك.

المرحلة الثانية: تدرج معهم إلى عشر سور منه، فقال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [هود: 13] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت