كما تهدف الإشاعات إلى محاولة تدمير المجتمع عن طريق توهين رموز النظام السياسي الحاكم، أو التشكيك في مؤسساته وهيئاته، والتشكيك بالمواقف والخطط التي يضعها النظام السياسي، وتعتمد هذه الإشاعات على أسلوب التهويل والتضخيم والتشويش والتشكيك، وأخطرها ما يطلق منها أثناء الحروب والاضطرابات الداخلية.
وهذه الإشاعات السياسية المغرضة تحدث الشكوك، وتعصف بالمجتمع، فينتج عن ذلك الأخطار العظيمة التي تهدد كيان المجتمع بأسره.
يتضح مما سبق أن الإشاعات لها أضرارها الخطيرة في مناحي الحياة الخاصة والعامة، وهي لا تقتصر على مجال محدد، بل تمتد لتشمل كل مجالات النشاط البشري.
1.التثبت علامة من علامات الإيمان.
فقد وجّه الله النداء لعباده المؤمنين بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى? مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ?6?) [الحجرات: 6] .
فدل ذلك على أن من علامات الإيمان التثبت في الأخبار، وبمفهوم المخالفة فإن عدم التثبت في الأخبار يقدح في الإيمان.
2.السلامة من الأخطاء.
إن التثبت يجعل الإنسان المسلم قريبًا من الصواب، وسالمًا من الأخطاء والعثرات، فلا يتعجل ولا يتسرع في نشر الأخبار حين سماعها، بل يتأمل ويتبين قبل أن يتكلم، وينظر متفحصًا هل هذا الكلام فيه مصلحة فيقدم عليه، أو فيه مفسدة فيحجم عنه ويتوقف؛ لأنه لم يصدر عن علم 81.
فالتثبت يحمي الإنسان من الغم والهم اللذين يصاحبان الإنسان صحبة لها دوام، وبه يميز بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، ويحميه من الجهل والوقوع في الأخطاء والآثام العظام التي ربما تؤدي إلى تلف النفوس والأموال بغير حق 82.
لذلك كان توجيه الله للمؤمنين بالتثبت حيث قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى? مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ?6?) [الحجرات: 6] .
3.الثقة بالمؤمنين.
فقد اتهمت عائشة رضي الله عنها بأسوأ الكذب والبهتان، وهي صاحبة الطهر والعفاف، ولحق بالمؤمنين هم وكرب من جراء هذا الاتهام الباطل، حتى نزل القرآن يبرؤها من فوق سبع سماوات، ويحرّم على المؤمنين أن يخوضوا في هذا الباطل، ويوجب عليهم أن يثقوا بالمؤمنين، وأن يظنوا بأنفسهم خيرًا 83، لذلك قال تعالى لهم: (لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَ?ذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ(12) لَّوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ? فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَ?ئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) [النور: 12 - 13] .
فالظن السيئ وإشاعة الفاحشة في المؤمنين من صفات شرار الخلق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بخياركم؟) . قالوا: بلى. قال: (الذين إذا رؤوا ذكر الله، أفلا أخبركم بشراركم؟) ، قالوا: بلى. قال: (المشّاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبّة، الباغون البرآء العنت) 84.
4.المحافظة على الدماء والأموال.
فبعض الصحابة قتل نفرًا من الناس، وسلب ماله بغير تثبت، حتى نزلت فيه وفي أمثاله الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى? إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ? كَذَ?لِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ?94?) [النساء: 94] .
وبالتثبت نحافظ على الدماء والأموال والأعراض، وبدون التثبت فإن كل ضرورة من ضرورات الحياة تضيع، ويضيع معها الإنسان.
5.الشعور بالسكينة والطمأنينة النفسية.
فإن بعض الصحابة الذين خاضوا في الإفك ونشروه من غير تثبت ولا تبين، وكذلك الذين قتلوا الرجل وأخذوا ماله بعد أن سلّم وشهد أن لا إله إلا الله مثل أسامة بن زيد رضي الله عنه، كل أولئك لم يشعروا بالسكينة والطمأنينة في نفوسهم، بل أصابتهم الحسرة وعمهم الندم لما نزل الوحي من السماء يكشف الموقف، ويضع النقاط فوق الحروف، وتمنوا أن لم يكونوا أسلموا قبل ذلك اليوم 85، وصدق الله إذ يقول: (فَتُصْبِحُوا عَلَى? مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات: 6] .
فالتثبت يشعرنا بالسكينة والطمأنينة، ويبعد عنا كل شعور بالحسرة والندامة على أقوال أو أفعال صدرت منا دون أن نتحقق منها.
6.نيل محبة الله ورضاه.
فالعجلة من أبواب الشيطان، ومن شأنها أن تمنع صاحبها من الخير والتثبت والوقار والحلم، وتجلب عليه الشرور والندم. وفي المقابل فإن التثبت والتأني من الرحمن، ومن التزم بهذا الخلق العظيم نال محبة الله ورضوانه، وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (التأني من الله، والعجلة من الشيطان) 86.
7.توثيق عرى الأخوة ووحدة الصف.
فالتثبت يؤدي إلى توثيق عرى الأخوة ووحدة الصف، وحفظ المجتمع من كل أسباب الخلاف والفرقة والعداوة والبغضاء.
وإن عدم الالتزام بهذه الفضيلة يؤدي إلى اضطراب الصف، وإعطاء العدو فرصة للانخراط في الصف المسلم.
وإن أسباب العداوة والفرقة والبغضاء ترجع إلى اتهام المؤمنين بالظنون الضعيفة، والتجسس عليهم، وتتبع عوراتهم، والغيبة التي تأكل لحومهم وأعراضهم، والنميمة التي تفسد عليهم حياتهم، فالتثبت من شأنه أن يحفظ المؤمنين من هذه الأسباب، وأن يقيم مجتمعًا خاليًا من الحقد والحسد والظلم.
8.حفظ الكرامات والحريات والأعراض والأموال.
فإن من شأن التثبت وعدم التسرع أن يقيم سياجًا متينًا لحفظ كرامات الناس وحرياتهم وأعراضهم وأموالهم، ويبقيها مصونة من عبث العابثين، ويحفظها من الظن الآثم والتخريص الباطل، وذلك من خلال الأمر بالتأني والتثبت، والنهي عن الاستعجال والتخمين، وسوء الظن، والخوض في الباطل، وشهادة الزور.
ومن شأن ذلك كله أن يحفظ المجتمع بما فيه من كرامات وحريات وأعراض وأموال، انطلاقًا من قوله صلى الله عليه وسلم: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا) 87.
9.تحقيق العدل بين الناس.
فالإسلام عندما أمرنا بالتثبت وعدم قبول الأخبار إلا بعد التمحيص والتدقيق، والتروي والتأني في إصدار الأحكام، ونهانا عن اتهام الناس بالظنون الكاذبة، وعن الكذب والغيبة والنميمة، إنما أراد من خلال هذه الأوامر والنواهي تحقيق العدل الإلهي الذي لا تصلح الدنيا والآخرة إلا به، وإعطاء كل ذي حق حقه.
10.تطهير المجتمع المسلم من المنافقين.
فالتثبت يطهر المجتمع المسلم من المنافقين وإرجافاتهم التي لا تنفك عن الكذب، وإحداث البلبلة والفتنة، والسعي إلى إيقاع المسلمين في الحيرة والاضطراب.
فالتثبت يعلّم المؤمنين أن يضبطوا ألسنتهم فلا تمتد إلى الناس بأي سوء، ولا يشيعون الفاحشة في المجتمع المسلم، مما يؤدي إلى التماسك وثقة المؤمنين بعضهم ببعض، وعدم السماح للمنافقين بالتغلغل بين صفوفهم.
هذا الضبط اللساني الشديد أدب وخلق حرصت تعاليم هذا الدين على إيجاده في المسلمين، لذلك قال سبحانه: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ?18?) [ق: 18] .
1.عدم التسرع في تصديق الأخبار، قبل التأكد من صحتها أو كذبها.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى? مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ?6?) [الحجرات: 6] .
قال ابن القيم: «هاهنا فائدة لطيفة، وهي أنه سبحانه لم يأمر برد خبر الفاسق وتكذيبه ورد شهادته جملة، وإنما أمر بالتبين، فإن قامت قرائن وأدلة من خارج تدل على صدقه عمل بدليل الصدق» 89.
إذًا قوله: (فَتَبَيَّنُوا) فيه أن أمر الله بالتبين والتثبت في أمر الفاسق يدل على عدم إهمال أمر الفاسق مطلقًا في نفس الوقت الذي لا يعتمد عليه بثقة مطلقًا.
إن مما يسهم اليوم في مجانبة الحق والصواب في المواقف: المسارعة في نقل وتداول الأخبار ونقل الأحداث دون توثيق وتثبت منها، والتعامل معها كأنها صدق وحق لا ريب فيه، ومن ثم تتخذ المواقف والأحكام المتسرعة على أساسها، ما ينجم عنه الأحكام والمواقف الجائرة التي قد يندم صاحبها عليها، لكن حين لا ينفع الندم؛ لأنها قد طارت كل مطير. ويشتد خطر هذه المواقف وإثمها إذا كانت قد صدرت من متبوع في علم أو دعوة أو جهاد.
وتتأكد أهمية التثبت والتوثق بصورة أكبر في زماننا اليوم، الذي كثرت فيه وسائل النقل والاتصالات الاجتماعية السريعة، وتسارع الناس في نشر أي خبر والحكم عليه دون أدنى تثبت منه؛ حرصًا من الناشر على السبق والشهرة في نقل الأخبار، أو حرصًا على إلحاق الأذى والتهم بخصمه.
فالتثبّت من كل خبر ومن كل ظاهرة قبل الحكم عليها، هو دعوة القرآن الكريم ومنهج الإسلام القويم، ومتى استقام القلب واللسان على هذا المنهج لم يبق مجال للظن والشبهة في عالم المواقف والأحكام. فكم من مظلوم في دينه وعرضه أو بدنه أو ماله كان سبب ذلك التسرع في نقل الأخبار وتلقيها دون تثبت وتمحيص. وكم من أواصر قطعت بين الأقارب والإخوان كان سببها الظنون الكاذبة وتلقي الأخبار والشائعات دون تثبت.
والتثبت المنشود هنا يعني نوعين من التثبت:
وهذا النوع من التثبت هو ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم في مواقفه من الأخبار، أو في مواقفه من الأخطاء التي تنجم عن بعض أصحابه رضي الله عنهم، فقد تكرر في مواقف كثيرة، وقبل أن يتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم موقفًا من صاحب الخطأ، أن يقول لصاحب الخطأ: (ما حملك على ما صنعت) ، وهذا تثبت منه صلى الله عليه وسلم من أسباب وملابسات الوقوع في الأخطاء.
وهذا يشمل الأخبار التي تنقل عن الأفراد أو الطوائف.
2.التأكد من ضبط النقلة وصحة فهمهم.
من القضايا المشكلة التي يغفل عنها بعض الأفاضل أنهم ينظرون إلى عدالة الناقل وأمانته، دون النظر إلى ضبطه وإتقانه في النقل.
وعندما تكون استجابة الإنسان عاطفية، فإنه -عادة - يعجز عن تمييز الحقائق، فقد يكون الناقل قد بلغ الغاية في التقوى والورع، لكنه قليل الضبط، ضعيف الحفظ لما يسمع.
وهذا يذكّرنا بقول ابن أبي الزناد: «أدركت بالمدينة مائة مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله» 90.
ومن الناس من يسمع الخبر، وينقله على غير وجهه، ليس من باب الكذب والخيانة، ولكنه لم يستطع أن يفهم الكلام على وجهه الصحيح، فالله سبحانه لم يرزقه حسن الفهم والتيقظ، ولهذا تراه يقوّل الناس ما لم يقولوا، ويحمّل كلامهم ما لم يحتمل.
إن هناك تفاوتًا كبيرًا بين الناس في الإدراك والقدرة على تفسير الأحداث، وحينما يفهم السامع من كلام القائل شيئًا، ثم ينقل للناس مفهومه هو -لا منطوق القائل ونص كلامه- فإن هذا سوف يؤدي إلى لبس شديد عند الناس.
وعدم مراعاة هذه الجوانب والتنبه لها قد يؤدي إلى التسليم ببعض الأخبار الواهية التي ليس لها أساس من الصحة، ثم تؤدي هذه الأخبار دورها في إثارة الضغائن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وكثير من الناقلين ليس قصده الكذب، لكن المعرفة بحقيقة أقوال الناس من غير نقل ألفاظهم وسائر ما به يعرف مرادهم، قد يتعسر على بعض الناس، ويتعذر على بعضهم» 91.
3.الاعتماد على القرائن في قبول الأخبار وردها.
إذا نقل الخبر عن أحد من العلماء أو الدعاة، ولم يتأكد لنا صحة النقل، أو صحة فهم الدلالة، فينبغي أن يعرض ذلك الخبر على أقواله وأفعاله السابقة واللاحقة، ويقاس بطريقته وأحواله، فإن خالف ذلك الخبر المعروف من سيرته وقوله، كانت هذه قرينة مهمة في رد الخبر، أو حمله على المعروف من حاله.
وهذا من الوسائل المفيدة جدًّا في تمييز الأخبار وتنقيحها، قال ابن القيم: «والكلمة الواحدة يقولها اثنان، يريد بها أحدهما أعظم الباطل، ويريد بها الآخر محض الحق، والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه، وما يدعو إليه ويناظر عليه» 92.
وقال السبكي: «فإذا كان الرجل ثقة مشهودًا له بالإيمان والاستقامة، فلا ينبغي أن يحمل كلامه وألفاظ كتاباته على غير ما تعوّد منه ومن أمثاله، بل ينبغي التأويل الصالح، وحسن الظن الواجب به وبأمثاله» 93.
ومن الأمثلة التطبيقية على ذلك ما نقل عن الجنيد أنه قال: «انتهى عقل العقلاء إلى الحيرة» 94.
قال ابن تيمية: «فهذا ما أعرفه من كلام الجنيد. وفيه نظر هل قاله، ولعل الأشبه أنه ليس من كلامه المعهود؛ فإن كان قد قال هذا فأراد عدم العلم بما لم يصل إليه؛ لم يرد بذلك أن الأنبياء والأولياء لم يحصل لهم يقين ومعرفة وهدى وعلم؛ فإن الجنيد أجل من أن يريد هذا، وهذا الكلام مردود على من قاله» 95.
ثم قال ابن تيمية: «كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ثمّ معصوم من الخطأ غير الرسول؛ لكن الشيوخ الذين عرف صحة طريقتهم علم أنهم لا يقصدون ما يعلم فساده بالضرورة من العقل والدين» 96.
4.عدم التسرع في اتخاذ الأحكام والقرارات.
وينبغي التفكر والتبصر في عاقبة التسرع في الحكم، وما يؤدي إليه من الندامة، وتمني عدم وقوعه.
فالعاقل هو الذي يتأنى ويتأمل ويتثبت، ولا يتسرع، ويعرف عاقبة عدم الالتزام بذلك. قال لقمان الحكيم: «إن المؤمن إذا أبصر العاقبة أمن الندامة» 97.
5.الجمع بين طرفي الخصومة والاستماع إليهم، وعدم الحكم لطرف قبل التثبت والسماع من الطرف الآخر.
الجمع بين طرفي الخصومة وسيلة من وسائل التثبت التي من شأنها أن تعطي حكمًا صائبًا صحيحًا خاليًا من الظلم والجور. ولذلك كان رسول الله صلى لله عليه وسلم يعلّم أصحابه أسلوب التثبت في القضاء.
فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال: فقلت: يا رسول الله تبعثني إلى قوم أسن مني، وأنا حدث لا أبصر القضاء؟ قال: فوضع يده على صدري وقال: (اللهم ثبت لسانه، واهد قلبه، يا علي، إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأول، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء) قال: فما اختلف علي قضاء بعد، أو ما أشكل علي قضاء بعد 98.
وقال عمر بن عبد العزيز: «إذا أتاك الخصم وقد فقئت عينه، فلا تحكم له حتى يأتي خصمه، فلعله قد فقئت عيناه جميعًا» 99.
فلا يدفعه وجود أحد الخصمين وشعوره بأنه مظلوم أن يحكم له قبل الاطلاع على حجة الفريق الآخر، بل يجب عليه أن يسمع دعوى الخصمين قبل الحكم، فلعل الذي يظهر في هيئة المظلوم يكون قد أوقع على خصمه ظلمًا أكبر من الذي حاق به.
عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا، بقوله: فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها) 100.
6.مناقشة صاحب الشأن قبل الحكم.
وخير ما يوضح هذا السبب موقف النبي صلى الله عليه وسلم من حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه لما أخبر أهل مكة بغزو النبي صلى الله عليه وسلم لهم.
فقد روى البخاري عن علي رضي الله عنه يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد بن الأسود قال: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ 101، فإن بها ظعينة 102 ومعها كتاب فخذوه منها) ، فانطلقنا تعادي بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. فأخرجته من عقاصها 103، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا حاطب ما هذا؟) ، قال: يا رسول الله لا تعجل عليّ، إني كنت أمرأ ملصقًا في قريش ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت كفرًا ولا ارتدادًا ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد صدقكم) . قال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. قال: (إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) 104.
نلاحظ من خلال هذه القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل حاطبًا عن سبب فعلته، واستمع إلى جوابه وتبريره لما فعل، وناقشه في ذلك، ولم يستعجل في رميه بتهمة الخيانة، وكان صلى الله عليه وسلم يريد من خلال ذلك أن يعلمنا التبين والتثبت، وعدم الاستعجال في إطلاق الأحكام على الناس.
ونستفيد من هذه القصة في واقع حياتنا، عدم الحكم على ظواهر الأمور قبل تبيّن حقيقتها، فربما تحدث حادثة معينة، فيتعجل الإنسان ويحكم على أشخاصها قبل معرفة الأسباب والدوافع، وسماع وجهة نظرهم، فيقع في لحومهم وأعراضهم، وفي ذلك ظلم عظيم، فماذا سيخسر إن أرسل أو اتصل بصاحب الشأن ليتأكد منه شخصيًّا دون وسيط، ربما يكون هو سبب الفرقة التي حدثت والكذب الذي نقل إلينا.
7.الظن الحسن بالمؤمنين.
فينبغي أن يقيس ما يسمعه عنهم على نفسه، فإن استبعده عن نفسه يستبعده عن غيره: وفي هذا يقول الله: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَ?ذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ?12?) [النور: 12] .
فمن الناس من يطلق لخياله العنان، ويصوغ شتى التصورات التي تنسب إلى الناس التهم، وتوقعهم في البلاء، وسوء الظن يجعل الإنسان يتجه اتجاهًا مغايرًا لما أراده الناس، ويقوم بتفسير الكلمات والوقائع والأخبار بناء على خلفيات نفسية مبيّتة، فيفرّغ كل كلمة من مضمونها، ويملؤها بمعانٍ أخرى عديدة ليست من مدلولها، ثم يمارس هذا الإنسان -دون وعي- نوعًا من التحليل لما يراه ويسمعه، ثم يضخّم إحساسه تضخيمًا مسرفًا بدون أي تحفّظ.
فالظن السيئ هو ظلم للمؤمنين، بل يتعدى إلى العدوان على أعراضهم وكرامتهم بغير حق، بل لابد من إدانة ظان السوء ليثبت ما يقول أو يتحمل الحكم الشرعي الذي يصدر بحقة فيمن قذفهم.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ? وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ? أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ ? إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ?12?) [الحجرات: 12] .
قال ابن كثير رحمه الله: «يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثمًا محضًا، فليجتنب كثير منه احتياطًا» 105.
وقال القرطبي: «قال علماؤنا: فالظن هنا وفي الآية هو التهمة. ومحل التحذير والنهي إنما هو تهمة لا سبب لها يوجبها، كمن يتهم بالفاحشة أو بشرب الخمر مثلًا ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك. ودليل كون الظن هنا بمعنى التهمة قول تعالى: (وَلَا تَجَسَّسُوا) وذلك أنه قد يقع له خاطر التهمة ابتداء ويريد أن يتجسس خبر ذلك ويبحث عنه، ويتبصر ويستمع لتحقق ما وقع له من تلك التهمة. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك» 106.
ثم قال القرطبي مبينًا طريقة تمييز الظنون: «والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها، أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حرامًا واجب الاجتناب. وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأونست منه الأمانة في الظاهر، فظن الفساد به والخيانة محرم، بخلاف من اشتهره الناس بتعاطي الريب والمجاهرة بالخبائث» 107.
وخلاصة القول: حسن الظن من التثبت، وتحريم سوء الظن بأي مسلم؛ لأنه ينافي التبين والتثبت الذي أمر الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في التخلق بهما ورتب عليهما الأجور.
8.عدم الالتفات للألفاظ البراقة.
فكثيرًا ما يسمع الإنسان مجموعة من الألفاظ البراقة، والعبارات الخلابة، فيغتر بهذه الألفاظ وتلك العبارات، وتعجبه بما لها من بريق وزخرف، ويتسرع ويأخذ بها دون تثبت. وقد لفت النبي صلى لله عليه وسلم إلى هذا الأمر حين قال: (إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا، بقوله، فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها) 108.