فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 2431

وحتى يومنا هذا تتضافر جهود أهل الباطل؛ فيظلمون الناس ويستعبدونهم، وخاصة أمة الإسلام التي تخلت عن منهج ربها سبحانه، فصارت كالقصعة التي يتنافسون على الأكل منها، كما قال حبيبنا الصادق المصدوق في حديث ثوبان رضي الله عنه: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها) ، فقال قائلٌ: ومن قلةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: (بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن) ، فقال قائلٌ: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: (حب الدنيا، وكراهية الموت) 71.

ولا خلاص لنا إلا بالعودة إلى ديننا.

ثالثًا: خلط الحق بالباطل:

طريقة أخرى من طرق أهل الباطل في الاستدلال، وهي تزيين الباطل بشيء من الحق، وخلطه به مغبة أن يلتبس الأمر على السامعين، قال عز من قائل: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42] .

واللبس له معنيان: الأول: مادي محسوس، وهو مأخوذ من اللباس، وهو الثوب؛ لأنه يستر الجسد، ويخفي حقيقته، والثاني: المعنوي، وهو الخلط بغيره حتى يخفى أمره،72 ويجمعهما إخفاء الشيء.

ومما يدل عليه، ما ورد عن ابن عباس من قوله: « {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} ، قال: لا تخلطوا الصدق بالكذب» 73، ويرى الماوردي أنه يصح في المقصود بالباطل المعاني الثلاثة، وهي: الكذب المختلط بالحق، أو اليهودية والنصرانية بالإسلام، أو الذي كتبوه بأيديهم بالتوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام.

والذي يظهر أن الحديث هنا عن بني إسرائيل، حيث يدعوهم ربنا إلى عدم خلط كتابه (التوراة) بشيء مما كتبته أيديهم من الباطل، والتصاق الباء بالباطل تجعله يحمل معنيين:

الأول: لا تكتبوا في التوراة شيئًا منكم، فتخلطوا الحق بالباطل.

والثاني: لا تجعلوا الحق ملتبسًا بالباطل الذي تكتبونه.

حيث يقول الزمخشري: «الباء التي في بالباطل إن كانت صلة مثلها في قولك: لبست الشيء بالشيء خلطته به، كأن المعنى: ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها، فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم، حتى لا يميز بين حقها وباطلكم، وإن كانت باء الاستعانة كالتي في قولك: كتبت بالقلم، كان المعنى: ولا تجعلوا الحق ملتبسًا مشتبهًا بباطلكم الذي تكتبونه» 74.

وقد ورد في آية أخرى على صورة الاستفهام الإنكاري، وليس كسابقتها على صورة النهي المباشر، حيث قال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 71] .

والملاحظ هنا: التصريح بالمخاطبين وهم أهل الكتاب، والأرجح أنهم اليهود؛ حيث ورد عن ابن عباس قوله: «قال عبد الله بن الصيف، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف، بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوةً ونكفر به عشيةً، حتى نلبس عليهم دينهم، لعلهم يصنعون كما نصنع، فيرجعوا عن دينهم!» 75.

وهكذا ترتسم صورة اليهود من الكذب والخلط والكيد للمسلمين، يقول ابن عاشور عن الآية السابقة والتي قبلها: «فيهما التفاتٌ إلى خطاب اليهود، والاستفهام إنكاري.

وإعادة ندائهم بقوله: يا أهل الكتاب ثانية لقصد التوبيخ وتسجيل باطلهم عليهم، ولبس الحق بالباطل تلبيس دينهم بما أدخلوا فيه من الأكاذيب والخرافات والتأويلات الباطلة، حتى ارتفعت الثقة بجميعه. وكتمان الحق يحتمل أن يراد به كتمانهم تصديق محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يراد به كتمانهم ما في التوراة من الأحكام التي أماتوها وعوضوها بأعمال أحبارهم وآثار تأويلاتهم، وهم يعلمونها ولا يعملون بها» 76.

رابعًا: اتهام المؤمنين بالباطل:

مما تعارف عليه الناس أن خير وسيلة للدفاع الهجوم، وها هم أعداء الله والإسلام يتهمون المؤمنين بأنهم مبطلون، ولا نراه إلا من هذا الباب، كما ورد في قول ربنا سبحانه: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ} [الروم: 58] .

إنه فرط العناد وشدة في الخصومة وقسوة القلب؛ إذ إن قلوبهم متيقنة ببطلان ما يزعمون، بل ويوقنون بأنهم هم المبطلون، يقول ابن عطية: «ثم أخبر تعالى عن قسوة قلوبهم وعجرفة طباعهم في أنه ضرب لهم كل مثل، وبين عليهم بيان الحق، ثم هم مع ذلك الآية والمعجزة يكفرون ويلجون ويعمهون في كفرهم، ويصفون أهل الحق بالإبطال» 77.

فمهما جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم به من «معجزةٍ، كفلق البحر والعصا وغيرهما {لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ} يا معشر المؤمنين. {إِلَّا مُبْطِلُونَ} أي تتبعون الباطل والسحر» 78.

ومهما ذكر لهم من آية فيها صفات الناس يوم القيامة وأحوالهم وشؤونهم «كصفة المبعوثين يوم القيامة، وقصتهم، وما يقولون وما يقال لهم، وما لا ينفع من اعتذارهم ولا يسمع من استعتابهم» 79، إلا أنهم يصرون على أنها أباطيل وأن القائلين بها مبطلون.

وتتناغم هذه الأساليب الشيطانية في الاحتجاج، ورد كلام الخصم في كل صولات الجدال بين المؤمنين وقائدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمشركين بقيادة إبليس -عليه من الله ما يستحق-، فها هم قد طلبوا منه أن يشق لهم القمر قسمين، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن طلب من الله تعالى ذلك، فانشق القمر، فماذا كان بعد ذلك؟

لم يؤمنوا؛ بل ازدادوا إثمًا على إثمهم، كما قال الله فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97) }

[يونس: 96 - 97] .

إذن فهو أسلوب رخيص من أساليبهم التي يعلنون فيها وبكل وضوح إفلاسهم الفكري، وانعدام حجتهم القائمة على البرهان، مع شدة حاجتهم لإظهارها لو ملكوها!.

-كثيرًا ما يستخدم القرآن أسلوب التمثيل لكي يقرب الصورة إلى الأفهام، من صورة ذهنية مجردة إلى صورة حسية واقعية، وهكذا تؤثر في النفس، بعد استحضار الذهن لها.

ولقد بين القرآن العظيم أن ضرب المثل في القرآن طال كل شيء، وأنه ليس ضربًا من العبث المنزه تعالى عنه، بل له فائدة جليلة، ولا يغفل عنها إلا المختوم على قلبه، قال سبحانه: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ} [الروم: 58] .

يقول شيخ المفسرين في محضر تفسيره للآية: «ولقد مثلنا للناس في هذا القرآن من كل مثل احتجاجًا عليهم، وتنبيهًا لهم عن وحدانية الله. وقوله: {وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ} يقول: ولئن جئت يا محمد هؤلاء القوم بآية، يقول: بدلالة على صدق ما تقول {لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ} يقول: ليقولن الذين جحدوا رسالتك، وأنكروا نبوتك، إن أنتم أيها المصدقون محمدًا فيما أتاكم به إلا مبطلون فيما تجيئوننا به من هذه الأمور» 80، هكذا ينظر السطحيون والمتربصون بالإسلام وأهله، الذي يأتي بالحق مبطل؛ لأنه يخالف هواهم، وما هم عليه من الملة الباطلة!.

ومن الأمثلة التي استحضرها القرآن الكريم للباطل:

1.الماء والزبد.

شبه الله تعالى الحق أو الإيمان أو القرآن بالماء الذي ينزل من السماء، يثبت في الأرض فينفع الزرع والضرع والخلق، وشبه الباطل بالزبد والرغوة والقش، التي طالما صعدت برهة على السطح، ثم سرعان ما تقذف إلى الشاطئ، فلا تنفع شيئًا، بل تكون عبئًا يتمنى الفرد الخلاص منه في أسرع وقت، كما جاء في قوله تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} [الرعد: 17] .

قال الطبري: «هذا مثل ضربه الله للحق والباطل، والإيمان به والكفر، يقول تعالى ذكره: مثل الحق في ثباته والباطل في اضمحلاله، مثل ماء أنزله الله من السماء إلى الأرض، {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} ، يقول: فاحتملته الأودية بملئها، الكبير بكبره، والصغير بصغره، {فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا} ، يقول: فاحتمل السيل الذي حدث عن ذلك الماء الذي أنزله الله من السماء، زبدًا عاليًا فوق السيل ... فالحق هو الماء الباقي الذي أنزله الله من السماء، والزبد الذي لا ينتفع به هو الباطل» 81.

فعلينا التيقن بموعود الله لنا بالظفر والنصر على المبطلين، فهم كالزبد الذي سرعان ما يظهر أنه انتفاش خادع ليس إلا، ثم لا يلبث ويزول ولا يمكث ويطرد.

2.الحلية وشوائبها.

في نفس الآية الكريمة نستشف مثالًا آخر ضربه الله تعالى للحق والباطل، ألا وهو صناعة الحلي ليتزين الناس بها، حيث شبه الله تعالى الذهب والفضة وغيرهما من المعادن بالحق الذي يثبت ويزداد قوة كلما عرض على النار، أما الشوائب فلا تمكث أمام النار؛ فسرعان ما تزول، ولا يبقى أثرها، كما هو الباطل.

قال تعالى في الآية السابقة: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ} [الرعد: 17] .

يقول ابن أبي زمنين تعليقًا على الآية: «يعني: الذهب والفضة، إذا أذيبا فعلا خبثهما، وهو الزبد، وخلص خالصهما تحت ذلك الزبد {أَوْ مَتَاعٍ} أي: وابتغاء متاع ما يستمتع به {زَبَدٌ مِثْلُهُ} أي: مثل زبد الماء، والذي يوقد عليه ابتغاء متاعٍ هو الحديد والنحاس والرصاص إذا صفي ذلك أيضًا؛ فخلص خالصه، وعلا خبثه، وهو زبده {فَأَمَّا الزَّبَدُ} زبد الماء، وزبد الحلي، وزبد الحديد والنحاس والرصاص {فَيَذْهَبُ جُفَاءً} يعني: لا ينتفع به، فهذا مثل عمل الكافر، لا ينتفع به في الآخرة {وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} فينتفع بالماء ينبت عليه الزرع والمرعى، وينتفع بذلك الحلي والمتاع، فهذا مثل عمل المؤمن يبقى ثوابه في الآخرة» 82.

ويحتاج المسلمون اليوم إلى غربلة، وعرض على النار لتمحيصهم، فبالتمحيص تظهر معادنهم، وتنجلي صفاتهم للعيان.

3.إبطال الصدقات.

شبه الله تعالى إبطال الصدقات بالمن والأذى على الناس، كمثل الصخرة الملساء التي عليها تراب، فنزل عليها المطر، فلم يبق من التراب شيءٌ على الصخرة، وهكذا يفعل الرياء بأجر الصدقات، يبطلها فلا يبقى لها أثر.

قال الحق سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 264] .

«فالله تعالى أمر عباده برأفته أن لا يمنوا بصدقاتهم، لكي لا يذهب أجرهم، ثم ضرب لذلك، مثلًا فقال تعالى: كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، يعني المشرك إذا تصدق، فأبطل الشرك صدقته، كما أبطل المن والأذى صدقة المؤمن، ثم ضرب لهما مثلًا جميعًا لصدقة المؤمن الذي يمن وبصدقة المشرك» 83.

وفي بيان كلمة صفوان، يقول أبو عبيدة: «الصفوان: جمع، ويقال للواحدة: (صفوانة) فى معنى الصفاة، والصفا: للجميع، وهى الحجارة الملس. (صلدًا) والصلد: التي لا تنبت شيئًا أبدًا من الأرضين، والرؤوس ... وهو الأجلح» 84.

هكذا نلاحظ أن القرآن الحكيم لا يترك فرصة لترك كبير الأثر وتوضيح الموقف في نفس الإنسان إلا واهتبلها، منها ما يتعلق بالكفار ومنها ما يتعلق بالمؤمنين، مما يدل على أن إبطال العمل يشمل الجميع، فالواجب علينا الحذر من كل ما يبطل أعمالنا.

4.دعاء الآلهة المزعومة من دون الله تعالى وعجزها.

قريب مما سبق ذكره التشبيه الذي أورده رب العزة سبحانه عن عجز الآلهة المزعومة في قضاء حوائج عابديها، فقد شبه الله تعالى عجزها بعجز من ورد الماء ليستقي منه، وليس معه شيء ليشرب به، فبسط يديه إلى الماء من بعيد، فماذا عساه أن يستقي، وكيف عساه أن يشرب؟!.

قال سبحانه: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [الرعد: 14] .

ذكر الفراء أن المقصود بـ {دَعْوَةُ الْحَقِّ} هي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، وأن المقصود ب {مِنْ دُونِهِ} هم: الأصنام 85.

وقد وضح ابن أبي زمنين وجه التشبيه الذي ضربه الله تعالى بشكل جميل قائلًا: «هذا مثل الذي يعبد الأوثان رجاء الخير في عبادتها هو كالذي يرفع بيده الإناء إلى فيه يرجو به الحياة، فمات قبل أن يصل إلى فيه؛ فكذلك المشركون، حيث رجوا منفعة آلهتهم ضلت عنهم {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ} آلهتهم {إِلَّا فِي ضَلَالٍ} » 86.

-شاءت حكمة الله تعالى في الابتلاء أن يطلق العنان لإبليس وحزبه في الدعوة إلى الباطل، لكنه سبحانه ما فتئ يدفع باطلهم بحقٍ أبلج، يحمله ثلة من خيرة الخلق، على رأسهم أنبياء الله ورسله صلى الله عليهم جميعًا، وقد بذلوا في هذه المعركة -التي لن يخمد لهيبها إلا مع صيحة إسرافيل عليه السلام الأولى -كل غالٍ ونفيس من دماء زكية، وأموال طائلة، ومهج عن ربها رضية.

ولولا هذا الدفع منه سبحانه بخيرة خلقه؛ لمنع الباطل ومروجيه، لما صلحت الحياة ولا الاستخلاف فيها، كما قال ربنا: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251] .

بعد حديثه عن قتل طالوت وهزيمة جنوده، على يد الثلة المؤمنة جالوت وجنوده، الذين اصطفاهم الله لهذا الواجب، فقد «أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لولا دفعه بالمؤمنين في صدور الكفرة على مر الدهر لفسدت الأرض؛ لأن الكفر كان يطبقها ويتمادى في جميع أقطارها، ولكنه تعالى لا يخلي الزمان من قائم بحق، وداع إلى الله ومقاتل عليه، إلى أن جعل ذلك في أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، له الحمد كثيرًا.

قال مكي: «وأكثر المفسرين على أن المعنى لولا أن الله يدفع بمن يصلي عمن لا يصلي وبمن يتقي عمن لا يتقي لأهلك الناس بذنوبهم» 87.

وهكذا تتعدد حالات الإفساد بالباطل، ويتعدد لأجلها الدفع لها، ومن ذلك مجيء الإسلام -خاتم الرسلات- في دفع عبادة الأصنام، فنال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه صنوفًا من العذاب، لا تستطيع الجبال حملها، حتى أذن الله لهم بالدفع عن دينهم وأنفسهم.

قال سبحانه: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40] .

و «دفع الله بعض الناس ببعض إظهاره وتسليطه المسلمين منهم على الكافرين بالمجاهدة، ولولا ذلك لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمنتهم، وعلى متعبداتهم فهدموها، ولم يتركوا للنصارى بيعًا، ولا لرهبانهم صوامع، ولا لليهود صلوات، ولا للمسلمين مساجد. أو لغلب المشركون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على المسلمين وعلى أهل الكتاب الذين في ذمتهم وهدموا متعبدات الفريقين» 88.

وهنا يأتي رب العزة سبحانه لبيان الحكمة من وراء هذا التدافع، وتلك الدماء التي تراق، والأنفس التي تزهق، ليقول: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الحج: 62] .

نعم! إن البعض يقاتل الناس ليسود الباطل بكل صوره وأشكاله، وأما أهل الحق فلا يعبدون إلا الحق، ويرخصون أنفسهم زكية في سبيله.

ولما تمكن حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم من دفع الباطل وأهله، وفتح مكة، ودخل إلى الكعبة، وجد الأصنام فيها وحولها، فأخذ يكسرها قائلًا: جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا.

قال سبحانه: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81] .

جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: (وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل إلى الحجر، فاستلمه ثم طاف بالبيت، قال: فأتى على صنمٍ إلى جنب البيت كانوا يعبدونه، قال: وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوسٌ وهو آخذٌ بسية القوس 89، فلما أتى على الصنم جعل يطعنه في عينه، ويقول: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} [الإسراء: 81] ) 90.

«لو ما رأيت محمدًا وجنوده بالفتح يوم تكسر الأصنام لرأيت دين الله أصبح بينًا والشرك يغشي وجهه الإظلام» 91.

وقد أمر الله تعالى حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يصدع أمام كفار قريش بالقول: {قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ: 49] .

ورد عن قتادة القول: « {قُلْ جَاءَ الْحَقُّ} أي: القرآن {وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} والباطل: إبليس، أي: ما يخلق إبليس أحدًا ولا يبعثه» 92.

وعمم الطبري القول في الباطل فقال: «قل لهم يا محمد: جاء القرآن ووحي الله {وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ} يقول: وما ينشئ الباطل خلقًا» 93.

وهكذا ستنتهي هذه المعركة بانتصار الحق على الباطل، كما صرح بذلك سبحانه: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128] .

وسيؤول حال الباطل إلى الزهوق والاندثار، كما نص على ذلك رب العزة قائلًا: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18] .

أي: «بل من عادتنا وموجب حكمتنا واستغنائنا عن القبيح أن نغلب اللعب بالجد، وندحض الباطل بالحق، واستعار لذلك القذف والدمغ تصويرًا لإبطاله وإهداره ومحقه، فجعله كأنه جرم صلب كالصخرة مثلًا، قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه، ثم قال: ولكم الويل مما تصفون به مما لا يجوز عليه وعلى حكمته» 94.

وعليه فإنه يجب على المؤمن أن يرتبط بالله القوي، وأن يحذوه الأمل في قرب انتصار الحق على الباطل ودحره، راضيًا بسنة الله تعالى الاجتماعية القائمة على الصراع الدائم بين الحق والباطل، وتشتمل في ثناياها بحرًا من الحكمة لا ينضب، ودليلًا على استحقاقه سبحانه بالألوهية لا ينتهي؛ فعلينا بالصبر والتصبر.

-لكل بداية نهاية في هذه الحياة الدنيا؛ فكما أعطى الله تعالى الشيطان وحزبه القدرة على سلوك طريق الباطل، فهو كذلك بشرهم بمصير محتوم في الدنيا والآخرة، كنهاية حتمية لباطلهم، ولهم أنفسهم.

أولًا: مصير الباطل:

من خلال النظر في الآيات الكريمة السابقة وغيرها، يتبين لنا أن الله تعالى وعد الباطل بمصير محتم، ملؤه الخسران والمحو والزهوق والمحق، ولكل منها معنى يختص به، وهي كالآتي:

تكفل الحق تبارك وتعالى بمحو الباطل، كما في قوله: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى? عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ? فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى? قَلْبِكَ ? وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ? إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) [الشورى: 24] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت