فهرس الكتاب

الصفحة 2311 من 2431

الهم بالشيء

أولًا: المعنى اللغوي:

الهاء والميم: أصل صحيح يدل على ذوب وجريان ودبيب وما أشبه ذلك، ثم يقاس عليه، همني الشيء: أذابني، والهاموم: الشحم الكثير الإهالة، والهموم: البئر الكثيرة الماء، وأما الهم الذي هو الحزن فعندنا من هذا القياس؛ لأنه كأنه لشدته يهم، أي: يذيب، والهم: ما هممت به، وكذلك الهمة، ومهم الأمر: شديده، وأهمني: أقلقني، والهمام: الملك العظيم الهمة، والهميمة: المطرة الضعيفة، والهميمة: الريح اللينة، وهمم في رأسه، إذا جعل أصابعه في خلال شعره يجيء بها ويذهب لينام، والهميم: الدبيب 1.

الهم: الحزن والجمع الهموم، وأهمني الأمر، إذا أقلقك وحزنك، ويقال: همك ما أهمك، والمهم: الأمر الشديد، والهمة: واحدة الهمم، يقال: فلانٌ بعيد الهمة أيضًا بالفتح، وهممت بالشئ أهم هما، إذا أردته، ويقال: لا مهمة لي بالفتح، ولا همام، أي أهم بذلك ولا أفعله 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

الهم: «هو عقد القلب على فعل شيء قبل أن يفعل، من خير أو شر» 3.

وقيل: «الهم دواعي الإنسان إلى الفعل من خير أو شر» 4.

ويظهر أن الهم متعلق بالنية والإرادة قبل وقوع الفعل، فإن فعله كان حقيقة واقعة، وإن لم يفعله يبقى في دائرة النية والرغبة والإرادة.

فالمعنى الاصطلاحي راجع إلى أحد المعاني اللغوية وهو الإرادة.

ورد (الهم بالشيء) في القرآن الكريم (8) مرات 5.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 8 ... {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف:24]

وجاء الهم بالشيء في القرآن بمعناه في اللغة وهو: الإرادة، ومنه قوله تعالى: {وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا} [التوبة: 74] . أي: أرادوا قتل الرسول وإخراجه 6.

القدرة:

القدرة لغة:

الطاقة والقوة على الشيء والتمكن منه، والغنى والثراء، يقال: رجل ذو قدرة ذو يسار وغنى 7.

القدرة اصطلاحًا:

الصفة التي تمكن الحي من الفعل وتركه بالإرادة 8، والقدرة: صفة تؤثر على قوة الإرادة» 9.

الصلة بين الهم بالشيء والقدرة:

الهم: إجماع النفس على الأمر والإزماع عليه، وتحقيقه يكون بالقدرة وهي القوة على فعل الشيء، فقد يحصل الهم بالشيء ويتخلف حصوله لعدم القدرة على تحقيقه.

العزم:

العزم لغة:

«عزم على الشيء: عقد ضميره على فعله، وعزم عزيمة: اجتهد وجد في أمره» 10.

العزم اصطلاحًا:

«العزم: عقد القلب على إمضاء الأمر» 11.

الصلة بين الهم بالشيء والعزم:

الهم: إجماع النفس على الأمر والإزماع عليه، والعزم: عقد القلب على إمضاء الأمر 12.

وقيل: الهم: أقل من التصميم على الفعل وإرادة وقوعه، والعزم: تصميمٌ وإرادةٌ قويةٌ للفعل.

بين القرآن الكريم مجالات للهم بالشيء، منها الهم في القتال، وفي الأخلاق، وفي مجابهة الدعوة، والهم بإيذاء الرسل والدعاة، وسوف نتناول ذلك بالتوضيح فيما يأتي:

أولًا: الهم في ميادين القتال:

إن ساحات القتال من أعظم المواطن التي يظهر فيها صدق الصادقين؛ حيث تذهل النفوس، وتتطاير الرءوس، ولايثبت إلا أناسٌ يحبون الموت كما يحبون الحياة، فيبذلون مهجهم في سبيل الله في هذا الموطن تصاب بعض النفوس بعوارض نفسيةٍ شديدةٍ؛ من الخوف، والقلق، والهم بالفرار، أما الكافر والمنافق فما ثم إلا الظنون السيئة، وأما المؤمن فعلى قدر استعانته بالله يثبته الله، وفي يوم أحدٍ كان لطائفةٍ من المؤمنين شأنٌ، فأحدٌ -كما قال صاحب الظلال- لم تكن معركةً في الميدان وحده، إنما كانت معركةً كذلك في الضمير 13.

قال تعالى: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 122] .

والطائفتان: بنو سلمة وبنو حارثة، حيان من الأنصار، هموا بأمر فعصمهم الله من ذلك، وكان همهما الذي هما به من الفشل: الانصراف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين؛ حين انصرف عنهم عبد الله بن أبي بن سلول بمن معه 14. فأدى هذا الإنصراف إلى ضعف قلوب البعض، فراودت النفس بالفشل.

والفشل في البدن: الاعياء، وفي الحر: الجبن، والخور، وفي الرأي: العجز والفساد 15.

وهذا الهم إنما هو حركة قلب عند من السر عنده علانية، وقد علم ذلك منهم. فهل كان همهم بالفشل عزمًا على الرجوع عن لقاء المشركين يوم أحدٍ، وترك النبي صلى الله عليه وسلم جبنًا منهم، ثم لم يفعلا. أو كان همهم بالفشل مجرد حديث نفس خطر على أذهانهم؟

ظاهر الآية يدل على أن همهم هنا كان عزمًا على الفشل والترك. ولعل الصواب: أن الهم هنا دون العزم، فهو خاطرٌ قلبي، وحديث تردد في النفس، ولم يترجح ليصبح عزمًا على الفعل؛ بدليل قوله بعدها: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} فولاية الله لهما دلالة على عدم وقوع العزم على ترك النبي صلى الله عليه وسلم إذ هو معصية.

قال الرازي: «الهم قد يراد به العزم، وقد يراد به الفكر، وقد يراد به حديث النفس، وقد يراد به ما يظهر من القول الدال على قوة العدو وكثرة عدده؛ لأن أي شيء ظهر من هذا الجنس صح أن يوصف من ظهر ذلك منه بأنه هم بأن يفشل من حيث ظهر منه ما يوجب ضعف القلب» 16.

ونحوه ذكر الشيخ الشنقيطي، بأن جعله كهم يوسف عليه السلام الذي هو خاطرٌ قلبيٌ صرفه عنه وازع التقوى؛ لأن قوله: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} يدل على أن ذلك الهم ليس معصيةً؛ لأن اتباع المعصية بولاية الله لذلك العاصي إغراءٌ على المعصية. والعرب تطلق الهم وتريد به المحبة والشهوة 17.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: «أضمروا أن يرجعوا، فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا» . وهذا الهم غير مؤاخذٍ به؛ إذ ليس بعزيمة، إنما هو ترجيح من غير عزم. ولا شك أن النفس عندما تلاقي الحروب ومن يجالدها يزيد عليها مثلين وأكثر، يلحقها بعض الضعف عن الملاقاة، ثم يوطنها صاحبها على القتال فتثبت وتستقر 18.

{وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} أي: ناصرهما على ذلك الهم الشيطاني، الذي لو صار عزمًا لكان سبب شقائهما، فلعناية الله بهما برأهما الله من فعل ما همتا به 19.

فهمهما في الآية على ما ذكر مجرد حديث نفس وخاطر قلبيٍ، بالتراجع عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ دعاهم إليه الضعف والوهن، ثم دفعه المولى سبحانه عنهما بفضله وعنايته. كما يدلل هذا على أن الهموم تتفاوت؛ فبعضها أعظم من بعض، وهم الجبن والانصراف عن المعركة ليس كالهم بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم.

وفي موقفٍ عظيم مهيب للمسلمين في صلاتهم، هم المشركون بالإغارة عليهم؛ إذ أنهم في موقف حرب -والحرب خدعةٌ- فعن خالد بن الوليد رضي الله عنه قال: (لما أراد الله عز وجل ما أراد بي من الخير قذف في قلبي الإسلام وحضرني رشدي، وقلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على محمدٍ، فليس موطنٌ أشهده إلا أنصرف وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شيء، وأن محمدًا سيظهر، فلما خرج رسول الله إلى الحديبية خرجت في خيل المشركين، فلقيت رسول الله في أصحابه بعسفان فقمت بإزائه وتعرضت له، فصلى بأصحابه الظهر أمامنا، فهممنا أن نغير عليه ثم لم يعزم لنا، وكانت فيه خيرةٌ، فأطلع على ما في أنفسنا من الهموم فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف فوقع ذلك منا موقعا وقلت: الرجل ممنوعٌ) 20.

فانتهى همهم هنا في صدورهم؛ إذ لم يتحقق عزمهم على الأمر أول مرة، ثم حمى الله عباده، بما شرع في الصلاة التي تليها -فلله الحمد من قبل ومن بعد- ثم كان وقوع هذا الأمر على مرأى من خالد بن الوليد، داعيته إلى الإسلام والإقبال على الدين.

وهاتان الواقعتان تربيان في المسلم عظمة خالقه سبحانه المطلع على خلجات النفوس؛ فيرتجف قلبه رهبةً مما حاك في صدره مما لايرضي الله، فيسعى للخلاص منه.

ثانيًا: الهم في ميادين الأخلاق:

إن تربية المسلم نفسه على الفضائل من أوجب ما يجب عليه، وهو مطالبٌ بتهذيبها وتزكيتها، وأن يجنبها مداخل الشيطان التي يلج منها. والدنيا قد تتزين للعبد، ولكونه خلق ضعيفًا فقد ترديه نفسه الأمارة بالسوء والشيطان والهوى في شباك المعصية وفي ظل غياب الرقيب -في نفسه- فلم يغب الرقيب الأعلى سبحانه إنما غاب الإيمان في قلبه حين هم بمعصية الله، وفي قصر العزيز يقص الله علينا أحداث ذلك الهم وما آل إليه.

قال تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24] .

همت امرأة العزيز بالمعصية همًا مؤكدًا محققًا، أما هم يوسف عليه السلام فاختلف فيه المفسرون. ولئن عد البعض هذه المسألة شائكة واختلفت فيها الأقوال فإنه يتوقف ولا يخوض غمارها؛ لذا فإنني أفتتحها بذكر أقوال المفسرين حول هم يوسف عليه السلام؛ لتتبين المسألة بجلاء لمن لا يعرفها. وهذه الأقوال هي:

-أنه هم بها أن يضربها حين راودته عن نفسه ولم يهم بمواقعتها.

-أن قوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) كلامٌ تامٌ قد انتهى، ثم ابتدأ الخبر عن يوسف، فقال: (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) ومعنى الكلام: لولا أن رأى برهان ربه لهم بها 21. وحكم الطبري بفساده، فقال: «يفسد هذا القول أن العرب لا تقدم جواب (لَوْلَا) قبلها، لا تقول: (لقد قمت لولا زيد) ، وهي تريد: (لولا زيد لقد قمت) ، هذا مع خلافهما جميع أهل العلم بتأويل القرآن، الذين عنهم يؤخذ تأويله» 22.

-هم يوسف بالمرأة، ولكن همه بها لم يكن عزمًا وإرادةً، وإنما كان تمييلًا 23 بين الفعل والترك، ولا حرج في حديث النفس إذا لم يقترن به عزمٌ ولا فعلٌ، وأصل الهم: حديث النفس حتى يظهر، فيصير فعلًا 24.

-أنه هم بمواقعتها وعزم عليه 25. وأن ابن عباس، سئل عن هم يوسف ما بلغ؟ فقال: «حل الهميان، وجلس منها مجلس الخائن» 26.

-أنه لم يقع منه همٌ بها ألبتة 27.

وظاهر الآية الكريمة قد يفهم منه أن يوسف عليه السلام هم بأن يفعل مع تلك المرأة مثل ما همت هي به منه. والقرآن العظيم بين براءته -عليه الصلاة والسلام- من الوقوع فيما لا ينبغي. وتأويل هم يوسف بأنه قارب الهم ولم يهم بالفعل؛ كقول العرب: قتلته لو لم أخف الله. أي: قاربت أن أقتله. وتأويل الهم بأنه هم بضربها، أو هم بدفعها عن نفسه؛ فكل ذلك غير ظاهرٍ، بل بعيدٌ من الظاهر ولا دليل عليه 28.

والقول الراجح في بيان همه عليه السلام على ما وجه أهل العلم؛ من وجهين:

الوجه الأول: إن المراد بهم يوسف بها خاطرٌ قلبي صرفه عنه وازع التقوى، وقال بعضهم: هو الميل الطبيعي والشهوة الغريزية المزمومة بالتقوى، وهذا لامعصية فيه؛ لأنه أمرٌ جبلي لا يتعلق به التكليف؛ كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك) 29 يعني: ميل القلب الطبيعي.

ومثال هذا: ميل الصائم بطبعه إلى الماء البارد، مع أن تقواه تمنعه من الشرب وهو صائم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة) 30؛ لأنه ترك ما تميل إليه نفسه بالطبع خوفًا من الله، وامتثالًا لأمره؛ كما قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40 - 41] 31.

قال شيخ الإسلام: «وأما قوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} فالهم: اسم جنس تحته نوعان، كما قال الإمام أحمد: الهم همان: هم خطراتٍ وهم إصرار. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد إذا هم بسيئة لم تكتب عليه، وإذا تركها لله كتبت له حسنة، وإن عملها كتبت له سيئةٌ واحدةٌ، وإن تركها من غير أن يتركها لله لم تكتب له حسنة ولا تكتب عليه سيئة. ويوسف صلى الله عليه وسلم هم همًا تركه لله؛ ولذلك صرف الله عنه السوء والفحشاء لإخلاصه، وذلك إنما يكون إذا قام المقتضي للذنب وهو الهم، وعارضه الإخلاص الموجب لانصراف القلب عن الذنب لله، فيوسف عليه السلام لم يصدر منه إلا حسنةٌ يثاب عليها، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف: 201] » 32.

الوجه الثاني: وهو اختيار أبي حيان: أن يوسف عليه السلام لم يقع منه همٌ أصلًا، بل هو منفيٌ عنه لوجود البرهان.

قال أبو حيان: «طول المفسرون في تفسير هذين الهمين، ونسب بعضهم ليوسف ما لا يجوز نسبته لآحاد الفساق. والذي أختاره: أن يوسف عليه السلام لم يقع منه همٌ بها ألبتة، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان، كما تقول: لقد قارفت لولا أن عصمك الله، ولا تقول: إن جواب (لولا) متقدم عليها، وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك، بل صريح أدوات الشرط العاملة مختلفٌ في جواز تقديم أجوبتها عليها. وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون، ومن أعلام البصريين: أبو زيد الأنصاري، وأبو العباس المبرد. بل نقول: إن جواب (لولا) محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه؛ كما يقول جمهور البصريين في قول العرب: أنت ظالمٌ إن فعلت. فيقدرونه: إن فعلت فأنت ظالم. ولا يدل قوله: أنت ظالم على ثبوت الظلم، بل هو مثبت على تقدير وجود الفعل. وكذلك هنا التقدير: (لولا أن رأى برهان ربه لهم بها) ، فوجود الهم معلقٌ على تقدير انتفاء رؤية البرهان، فلما وجد البرهان انتفى الهم -إلى أن قال ردًا على ابن عطية-: أما قوله: يرده لسان العرب. فليس كما ذكر. وقد استدل من ذهب إلى جواز ذلك بوجوده في لسان العرب، قال الله تعالى: {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 10] .

فقوله: {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} إما أن يتخرج على أنه الجواب على ما ذهب إليه ذلك القائل، وإما أن يتخرج على ما ذهبنا إليه من أنه دليل الجواب، والتقدير: لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به. وأما أقوال السلف فنعتقد أنه لا يصح عن أحدٍ منهم شيء من ذلك؛ لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضا، مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين؛ فضلا عن المقطوع لهم بالعصمة» 33.

وذكر أهل العلم القائلين بذلك دلائل عدة تبين نفي الهم عن يوسف عليه السلام، منها:

1.أن يوسف لم يقع منه الذنب، وإلا لكان استغفر بعده وذكر في الآية.

فإن الله ذكر عن أنبيائه عليهم السلام استغفارهم ورجوعهم فور الذنب أو فعل خلاف الأولى، فلما لم يذكر دل على عدم وقوع مالا يليق منه ولو يسيرًا، بل إن ما حصل منه حسنة تئول إلى الثواب، وتوجب المدح؛ إذ كف نفسه ابتغاء وجه الله فتركها من خشيته.

قال شيخ الإسلام: «وأما يوسف الصديق فلم يذكر الله عنه ذنبًا؛ فلهذا لم يذكر الله عنه ما يناسب الذنب من الاستغفار، بل قال: (كَذَ?لِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ? إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) فأخبر أنه صرف عنه السوء والفحشاء، وهذا يدل على أنه لم يصدر منه سوءٌ ولا فحشاء» 34.

2.أن الله عز وجل ذكر أنه صرف عنه السوء.

فقال في ختام الآية: (كَذَ?لِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ) ذكر أنه من المخلصين، وهي إما بكسر اللام، أي: الذين أخلصوا طاعة الله. أو بفتح اللام، أي: الذين أخلصهم الله لرسالته، فكيف يكون موصوفا بهاتين الصفتين، وفيه همٌ أو ميلٌ للسوء؟!

قال الرازي: «فكيف يليق برب العالمين أن يشهد في عين هذه الواقعة بكونه بريئًا من السوء مع أنه كان قد أتى بأعظم أنواع السوء والفحشاء. وأيضًا فالآية تدل على قولنا من وجه آخر؛ وذلك لأنا نقول: هب أن هذه الآية لا تدل على نفي هذه المعصية عنه، إلا أنه لا شك أنها تفيد المدح العظيم والثناء البالغ، فلا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي عن إنسان إقدامه على معصية عظيمة ثم إنه يمدحه ويثني عليه بأعظم المدائح والأثنية عقيب أن حكى عنه ذلك الذنب العظيم» 35.

3.أن القرآن أكد همها.

فقد أكد الفعل بـ (قد، ولام القسم) ؛ ليفيد أنها عزمت عزمًا محققًا، و كانت جادةً فيما راودته لا مختبرةً. والمقصود من ذكر همها به التمهيد إلى ذكر انتفاء همه بها؛ لبيان الفرق بين حاليهما في الدين؛ فإنه معصوم 36. فتأكيد همها وتقديمه دلالة على الفارق الكبير بينهما، فقد عزمت، وهو لم يهم أصلًا.

4.أن كل من كان له تعلق بتلك الواقعة شهد ببراءة يوسف عليه السلام من المعصية.

ومن له تعلقٌ بهذه الواقعة: يوسف عليه السلام وتلك المرأة وزوجها، والنسوة، والشهود، ورب العالمين شهد ببراءته عن الذنب، وإبليس أقر ببراءته أيضًا عن المعصية 37. ولا شهادة بعد شهادة القرآن ببراءته عليه الصلاة والسلام.

وبهذين الجوابين نعلم أن يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بريء من الوقوع فيما لا ينبغي، وأنه إما أن يكون لم يقع منه همٌ أصلًا بناءً على أن الهم معلق بأداة الامتناع التي هي (لولا) على انتفاء رؤية البرهان، وقد رأى البرهان فانتفى المعلق عليه، وبانتفائه ينتفي المعلق الذي هو همه بها. كما تقدم إِيضاحه في كلام أبي حيان.

وإما أن يكون همه خاطرًا قلبيًا صرفه عنه وازع التقوى، أو هو الشهوة والميل الغريزي المزموم بالتقوى. كما سبق 38.

أما توجيه الروايات الواردة في ذلك، فقد نقل الألوسي في تفسيره عن الطيبي قوله -بعد أن اختار أن الهم هنا-: «همٌ عارض، وهو: الخطرة وحديث النفس من غير اختيارٍ ولا عزمٍ فقال: إن هذا التفسير هو الذي يجب أن نذهب إليه ونتخذه مذهبًا، وإن نقل المفسرون ما نقلوا؛ لأن متابعة النص القاطع، وبراءة المعصوم عن تلك الرذيلة، وإحالة التقصير على الرواة أولى بالمصير إليه، على أن أساطين النقل المتقنين لم يرووا في ذلك شيئًا مرفوعًا في كتبهم، وجل تلك الروايات -بل كلها- مأخوذٌ من مسألة أهل الكتاب» .

نعم قد صحح الحاكم بعضًا من الروايات التي استند إليها من نسب تلك الشنيعة إليه عليه السلام، لكن تصحيح الحاكم محكومٌ عليه بعدم الاعتبار عند ذوي الاعتبار» 39.

والذي أميل إليه وأؤيده أنه عليه السلام لم يهم بها ألبتة؛ فرؤيته برهان ربه صرف عنه الهم بالسوء، وكيف لا يحفظ الله عبدًا خصه لرسالته من الهموم والخواطر الرديئة! وهو الولي الحفيظ، اللطيف الخبير سبحانه.

نلحظ أن الباعث لامرأة العزيز على الهم بهذه المعصية هو المحبة؛ فالشهوات مزلقٌ خطيرٌ ينبغي أن يزم بزمام التقوى، وإلا عاش المرء حياته كالمخمور بسكرة الهوى، لايرى إلا شهوته. ومايلبث أن يفيق حتى يرجع.

والهم في ميدان الأخلاق يشمل كذلك: الآداب والفضائل التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمن ويكون عليها؛ ليرتقي بأخلاقه، فينمي في نفسه كل هم يدعوه إلى السمو للمعالي وإن لم يكن واجبًا، ويحاول التخلص من كل هم يسقط همته، ويزري بها، وإن لم يكن حرامًا. وذكر عن الإمام الشافعي رحمه الله قوله: «والله لو علمت أن الماء البارد يثلم من مرؤتي، ما شربته إلا حارًا» 40.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلةً، فلم يزل قائمًا حتى هممت بأمر سوء. قلنا: وما هممت؟ قال: هممت أن أقعد وأذر النبي صلى الله عليه وسلم) 41.

فجعل رضي الله عنه همه للقعود وتحديث نفسه بذلك أمرًا سوءًا؛ لكونه مخالفًا للأدب معه صلى الله عليه وسلم.

مع كون ذلك جائز منه -كما اتفق العلماء- سواء في فريضة أو نافلة 42.

فمن أدبه لنفسه رضي الله عنه وسعيه للكمال لم يدع النبي صلى الله عليه وسلم ويجلس، رغم المشقة التي لحقته، وهكذا يأخذ المؤمن نفسه بكل مكرمة ترقيه عند الله عز وجل.

ثالثًا: الهم في مجابهة الدعوة:

اتحذ أعداء الله لمجابهة الدعوة طرقًا وأساليب يصدون بها عن سبيل الله، فتارةً يوجهون طعنهم لحامل الرسالة، وتارةً يطعنون فيما جاء به، وتارةً يقترحون الآيات، ويتعنتون في السؤالات، ويؤلبون الأعداء، ويحاولون ترويج الباطل على النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه ما اسطاعوا إلى ذلك سبيل، والله متفضل على رسوله من الوقوع في حبائلهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت