فهرس الكتاب

الصفحة 712 من 2431

الحج في الإسلام فريضة على كل مسلم ومسلمة، بالغ، عاقل، قادر على تكاليف الحج والقيام به، كما قال الله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] .

وقد نوه الحق بشأن دور الحج في تهذيب النفوس ومعالجته لها من بعض أمراضها فقال: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197] .

بين الحق أثر الحج في تهذيب النفوس والسلوكيات فقال: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197]

يبين الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية ثلاثة أمور ينبغي أن ينتبه إليها كل مسلم، لأهميتها في تزكية النفوس:

أولًا: الرفث:

قال ابن كثير: «وقوله: {فَلَا رَفَثَ} أي: من أحرم بالحج أو العمرة، فليجتنب الرفث، وهو الجماع، كما قال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187] .

وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك، وكذا التكلم به بحضرة النساء. أي: التعريض بذكر الجماع، ذلك بأن يقول مثلًا: (إذا حللنا فعلت بك كذا وكذا) ، وما أشبه ذلك» 129.

قال ابن العربي: «المراد بقوله: {فَلَا رَفَثَ} نفيه مشروعًا لا موجودًا، فإنا نجد الرفث فيه ونشاهده، وخبر الله سبحانه لا يجوز أن يقع بخلاف مخبره، وإنما يرجع النفي إلى وجوده مشروعًا لا إلى وجوده محسوسا» 130.

ثانيًا: الفسوق:

قال ابن كثير: «وقوله: {وَلَا فُسُوقَ} قيل: هي المعاصي. وقيل: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم. وقيل: الفسوق هاهنا السباب، متمسكين بما ثبت في الصحيح (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) 131.

ثم قال بعد ذكر تلك الأقوال: «والذين قالوا: الفسوق هاهنا هو جميع المعاصي، معهم الصواب، كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم، وإن كان في جميع السنة منهيا عنه، إلا أنه في الأشهر الحرم آكد؛ ولهذا قال تعالى: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36] .

وقال في الحرم: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] » 132.

وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) 133.

ثالثًا: الجدال:

قال ابن عباس: الجدال هو المراء، وهو أن يماري الرجل صاحبه ويخاصمه حتى يغضبه. وقيل: هو الجدال الذي يخاف معه الخروج إلى السباب، والتكذيب، والتجهيل 134.

فالمراد النهى عن المماراة والمنازعة التي تؤدى إلى البغضاء وتغير القلوب. قال النيسابوري: « {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} أي: لا نزاع للسالك الصادق في طلب الوصول لا بالفروع ولا بالأصول، فلا في مالها -أي: الدنيا- مع أحد يخاصم، ولا في جاهها لأحد يزاحم، فمن نازعه في شيء من ذلك يسلمها إليه ويسلم عليه {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63] » 135.

فإن قيل: ما الحكمة في أن الله تعالى ذكر هذه الألفاظ الثلاثة: وهي الرفث، والفسوق، والجدال في الحج، من غير زيادةٍ ولا نقصٍ؟. فالجواب: لأنه ثبت في العلوم العقلية أن للإنسان أربع قوىً: قوة شهوانيةٌ بهيميةٌ، وقوةٌ غضبيةٌ سبعيةٌ، وقوةٌ وهميةٌ شيطانيةٌ، وقوة عقليةٌ ملكيةٌ، والمقصود من جميع العبادات قهر القوى الثلاث، أعني: الشهوانية والغضبية والوهمية. فقوله: {فَلَا رَفَثَ} إشارةٌ إلى قهر الشهوانية. وقوله: {وَلَا فُسُوقَ} إشارةٌ إلى قهر القوة الغضبية التي توجب المعصية والتمرد. وقوله: {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} إشارةٌ إلى قهر القوة الوهمية، التي تحمل الإنسان على الجدال في ذات الله، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، وأسمائه، وهي الباعثة على منازعة الناس، ومماراتهم، والمخاصمة معهم في كل شيءٍ، فلما كان سبب الشر محصورًا في هذه الأمور الثلاثة؛ لا جرم لا يذكر معها غيرها 136.

وقال القاسمي: «قال بعضهم: النكتة في منع هذه الأشياء على أنها آداب لسانية: تعظيم شأن الحرم، وتغليظ أمر الإثم فيه، إذ الأعمال تختلف باختلاف الزمان والمكان، فللملأ آداب غير آداب الخلوة مع الأهل. ويقال في مجلس الإخوان ما لا يقال في مجلس السلطان. ويجب أن يكون المرء في أوقات العبادة والحضور مع الله تعالى على أكمل الآداب، وأفضل الأحوال، وناهيك بالحضور في البيت الذي نسبه الله سبحانه إليه! وأما السر فيها على أنها محرمات الإحرام، فهو أن يتمثل الحاج أنه بزيارته لبيت الله تعالى مقبل على الله تعالى، قاصد له، فيتجرد عن عاداته ونعيمه، وينسلخ من مفاخره ومميزاته على غيره، بحيث يساوي الغني الفقير، ويماثل الصعلوك الأمير، فيكون الناس من جميع الطبقات في زي كزي الأموات، وفي ذلك -من تصفية النفس، وتهذيبها، وإشعارها بحقيقة العبودية لله، والأخوة للناس- ما لا يقدر قدره، وإن كان لا يخفى أمره!» 137.

جملة القول: أن الحج تعويد للنفس على معانٍ، منها بذل الجهد والمال في سبيل الله، والاستسلام والخضوع لأمر الله، وتربية للنفس على خصال الخير ومحامد الطبائع والأخلاق.

ثالثًا: الأخلاق والقيم:

إذا كان القرآن قد بين أن للإيمان أثرًا في تزكية النفوس من خلال التخلي عن الكفر والنفاق، والتحلي بالإيمان والعبودية لله تعالى، كما بين أن للعبادات أثرًا في تزكية النفوس مثل الصلاة والزكاة والحج ونحوهم، أيضًا بين لنا القرآن أثر القيم والأخلاق في تزكية النفوس والارتقاء بها نحو الفضيلة والاستقامة على منهج الإسلام وطريقه الواضح القويم، ويمكن بيان أهمها كما يلي:

أولًا: أكل الطيبات:

وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى في سياق الحديث عن أصحاب الكهف: {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} [الكهف: 19] .

قال الإمام الطبري: «يقول تعالى ذكره: كما أرقدنا هؤلاء الفتية في الكهف، فحفظناهم من وصول واصل إليهم، وعين ناظر أن ينظر إليهم، وحفظنا أجسامهم من البلاء على طول الزمان، وثيابهم من العفن على مر الأيام بقدرتنا، فكذلك بعثناهم من رقدتهم، وأيقظناهم من نومهم؛ لنعرفهم عظيم سلطاننا، وعجيب فعلنا في خلقنا، وليزدادوا بصيرة في أمرهم الذي هم عليه من براءتهم من عبادة الآلهة، وإخلاصهم لعبادة الله وحده لا شريك له، إذا تبينوا طول الزمان عليهم، وهم بهيئتهم حين رقدوا.

وقوله: {لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ} يقول: ليسأل بعضهم بعضًا {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ} يقول عز ذكره: فتساءلوا، فقال قائل منهم لأصحابه: {كَمْ لَبِثْتُمْ} وذلك أنهم استنكروا من أنفسهم طول رقدتهم {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} يقول: فأجابه الآخرون فقالوا: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} ، ظنًا منهم أن ذلك كذلك كان، فقال الآخرون: {قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} فسلموا العلم إلى الله» 138.

وقوله: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ} يعني: مدينتهم التي خرجوا منها هرابًا، التي تسمى (أفسوس) {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} ذكر أنهم هبوا من رقدتهم جياعًا، فلذلك طلبوا الطعام 139.

وعليه فالمعنى: {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا} ، أي: أحل من جهة أنه ذبيحة مؤمن، أو من جهة أنه غير مغصوب، وأطهر وأجود وأطيب وأكثر بركة وأرخص. {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} ، أي: بطعام منه. {وَلْيَتَلَطَّفْ} ، أي: وليرفق في السؤال. {وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} ، أي: لا يعلمن بمكانكم أحدًا من الناس. {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} ، يعني: إن يطلعوا عليكم {يَرْجُمُوكُمْ} ، يقتلوكم. {أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} ، أي لن تفوزوا، ولن تسعدوا {إِذًا أَبَدًا} إن عبدتم غير الله تعالى 140.

والآية تحمل جملة من الفوائد لها تأثير في تزكية النفس الإنسانية والارتقاء بها: منها كما قال الإمام الألوسي: «والإشارة فيه .... إلى أن اللائق بأهل الإسلام استعمال الورع، ألا ترى كيف طلب القائل الأزكى، ولذلك قال ذو النون: العارف من لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ... » 141.

ومنها: الحث على العلم، وعلى المباحثة فيه؛ لكون الله بعثهم لأجل ذلك. ومنها: الأدب فيمن اشتبه عليه العلم، أن يرده إلى عالمه، وأن يقف عند حده. ومنها: صحة الوكالة في البيع والشراء، وصحة الشركة في ذلك. ومنها: جواز أكل الطيبات، والمطاعم اللذيذة، إذا لم تخرج إلى حد الإسراف المنهي عنه؛ لقوله: {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} [الكهف: 19] .

ومنها: الحث على التحرز، والاستخفاء، والبعد عن مواقع الفتن في الدين، واستعمال الكتمان في ذلك على الإنسان وعلى إخوانه في الدين. ومنها: شدة رغبة هؤلاء الفتية في الدين، وفرارهم من كل فتنة، في دينهم وتركهم أوطانهم في الله. ومنها: ذكر ما اشتمل عليه الشر من المضار والمفاسد، الداعية لبغضه، وتركه، وأن هذه الطريقة، هي طريقة المؤمنين المتقدمين، والمتأخرين لقولهم: {وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} [الكهف: 20] 142.

ثانيًا: الاستئذان عند دخول البيوت أو الرجوع:

وإليه يشير قوله تعالى في سوة النور: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [النور: 27 - 28] .

جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد، فلا يزال يدخل علي رجل من أهلي فنزلت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا} الآية 143.

والنداء للذين آمنوا، وفي ذلك إشارة إلى ما يطلبه سبحانه من خواص أهل الإيمان، وهو من الأدب الذي يناسب إيمانكم وهو عدم التهجم على الأسر، وتكشف أستارها، وتحاشي إزعاجها 144. ومعنى قوله تعالى: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} أي: بيوتًا ليست لكم 145.

والصواب من القول في الاستئناس: أن يقال: إن الاستئناس: الاستفعال من الأنس، وهو أن يستأذن أهل البيت في الدخول عليهم، مخبرًا بذلك من فيه، وهل فيه أحد؟ وليؤذنهم أنه داخل عليهم، فليأنس إلى إذنهم له في ذلك، ويأنسوا إلى استئذانه إياهم. وقد حكي عن العرب سماعًا: اذهب فاستأنس، هل ترى أحدًا في الدار؟ بمعنى: انظر هل ترى فيها أحدًا؟ 146.

{وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} بيان حكم الآية أنه لا يدخل بيت الغير إلا بعد الاستئذان والسلام. واختلفوا في أيهما يقدم فقال الأكثرون: يقدم السلام، ففي الآية تقديم وتأخير، وهذا صفة الاستعلام والسلام 147.

فتأويل الكلام إذن: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى} (تسلموا وتستأذنوا) وذلك أن يقول أحدكم: السلام عليكم، أأدخل؟ 148.

وعبر سبحانه عن الاستئذان في الدخول بالاستئناس؛ لأنه يوحي بأن القادم قد استأنس بمن يريد الدخول عليهم وهم قد أنسوا به، واستعدوا لاستقباله، فهو يدخل عليهم بعد ذلك وهم متهيئون لحسن لقائه، فإذا ما صاحب كل ذلك التسليم عليهم، كان حسن اللقاء أتم وأكمل 149.

فإن قيل: أن كلمة {حَتَّى} للغاية، والحكم بعد الغاية يكون بخلاف ما قبلها، فقوله: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} يقتضي جواز الدخول بعد الاستئذان، وإن لم يكن من صاحب البيت إذن، فما قولكم فيه؟

الجواب: من وجوه:

أحدها: أن الله تعالى جعل الغاية الاستئناس لا الاستئذان، والاستئناس لا يحصل إلا إذا حصل الإذن بعد الاستئذان.

وثانيها: أنا لما علمنا بالنص أن الحكمة في الاستئذان أن لا يدخل الإنسان على غيره بغير إذنه فإن ذلك مما يسوءه، وعلمنا أن هذا المقصود لا يحصل إلا بعد حصول الإذن، علمنا أن الاستئذان ما لم يتصل به الإذن وجب أن لا يكون كافيًا.

وثالثها: أن قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ} فحظر الدخول إلا بإذن، فدل على أن الإذن مشروط بإباحة الدخول في الآية الأولى 150.

وقوله: {ذَلِكُمْ} أي: استئناسكم وتسليمكم على أهل البيت الذي تريدون دخوله {خَيْرٌ لَكُمْ} من تحية الجاهلية والدمور -وهو الدخول بغير إذن- فكان الرجل من أهل الجاهلية إذا دخل بيت غيره يقول: حييتم صباحًا، وحييتم مساء، ثم يدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي: قيل لكم هذا لكي تذكروا وتتعظوا وتعملوا ما أمرتم به في باب الاستئذان 151 وغيره مما أمركم الله به.

وقد خاطب بالإشارة بأمرين: أولهما- أنه {خَيْرٌ لَكُمْ} ، لكي تصان الأعراض، وتستر العورات، ولا يكون نطاق اتهام، ونفور بالاستيحاش، وحيث كشفت الأستار كانت الفتن وكان ظن السوء، فتسود القطيعة، والتفاحش، ورمي الأبرياء. ثانيهما- رجاء التذكر وتعرف المصلحة وتحري الاحتشام، حتى من الآباء والأمهات 152.

وقد ثبت في الصحيح: أن أبا موسى حين استأذن على عمر ثلاثًا، فلم يؤذن له، انصرف. ثم قال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن؟ ائذنوا له. فطلبوه فوجدوه قد ذهب، فلما جاء بعد ذلك قال: ما رجعك؟ قال: إني استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا استأذن أحدكم ثلاثًا، فلم يؤذن له، فلينصرف) . فقال: لتأتين على هذا ببينة وإلا أوجعتك ضربًا. فذهب إلى ملأ من الأنصار، فذكر لهم ما قال عمر، فقالوا: لا يشهد لك إلا أصغرنا. فقام معه أبو سعيد الخدري فأخبر عمر بذلك، فقال: ألهاني عنه الصفق بالأسواق 153.

من خلال ما سبق يتضح: أن الاستئناس والتسليم لثلاثة أسباب:

أولها: أن يكون صاحب البيت ليس على حال يصح للقاء واستقبال الناس.

وثانيها: احترام الملكية، سواء أكانت ملكية عينية بأن يكون البيت ملكه، أو ملكية منفعة إذا كان مؤجرًا.

وثالثها: إزالة وحشة المفاجأة 154.

ثم قال: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [النور: 28] .

قال أبو بكر بعد نزول {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا} الآية: يا رسول الله، أرأيت الخانات والمساكن التي ليس فيها ساكن، فنزل {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} [النور: 29] الآية 155.

قال ابن العربي: «هذا تبيان من الله لإشكال يلوح في الخاطر، وهو أن يأتي الرجل إلى منزل لا يجد فيه أحدًا، فيقول في نفسه: إذا كانت المنازل خالية فلا إذن؛ لأنه ليس هناك محتجب، فيقال له: إن الإذن يفيد معنيين. أحدهما: الدخول على أهل البيت. والثاني: كشف البيت واطلاعه، فإن لم يكن هنالك أحد محتجب، فالبيت محجوب لما فيه، وبما فيه، إلا بإذن من ربه» 156.

يعني: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا} أي: إن وجدتموها خالية {فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا} أي: إن ردوكم فلا تقفوا على أبوابهم وتلازموها. والضمير في {تَجِدُوا فِيهَا} للبيوت التي هي بيوت الغير 157 {هُوَ أَزْكَى لَكُمْ} أي: الرجوع هو أطهر وأطيب وأصلح لكم؛ لما فيه من سلامة الصدور والبعد عن الريبة؛ ذلك أنه لا يخلو الإلحاح والوقوف على الباب وفي ذلك من الكراهة وترك المروءة، وهذا لا يليق بكرامة الكريم، أو أنفع لدينكم ودنياكم. قوله: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي: من الدخول بالإذن وغير الإذن. {عَلِيمٌ} فيعلم ما تأتون وما تذرون مما كلفتموه، فيجازيكم عليه، وهو وعيد للمخاطبين، فالمقصود من هذا الإخبار: إفادة لازمه، وهو المجازاة على هذه الأعمال 158.

وهكذا فإن الآيات تظهر عظمة الإسلام في حرصه على حفظ العرض، واحترام الخصوصية، ومراعاة مشاعر الناس، وتقف في وجه النفس الإنسانية التي دوما تريد التطلع والنظر دونما قيود أو شروط، فتأتي تلك الضوابط والتوجيهات لتسمو بالنفس من الدنية إلى الطهر والتزكية التي تصلح الحال وتريح البال.

قال الزمخشري: «وإذا نهى عن ذلك لأدائه إلى الكراهة، وجب الانتهاء عن كل ما يؤدي إليها من قرع الباب بعنف، والتصييح بصاحب الدار، وغير ذلك مما يدخل في عادات من لم يتهذب من أكثر الناس» 159.

فهذه آداب اجتماعية شرعية ذات مدلول حضاري، وتمدن رفيع؛ لما فيها من تنظيم لحياة المجتمع، وأحوال الأسر في البيوتات؛ حفظًا لروابط الود والمحبة، وإبقاء على حسن العشرة، وتبادل الزيارات بين المؤمنين 160.

ثالثًا: غض البصر وحفظ الفرج:

ويشير إلى ذلك قوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30] .

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ} بالله وبك يا محمد {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} أي: يكفوا من نظرهم إلى ما يشتهون النظر إليه، مما قد نهاهم الله عن النظر إليه {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} هذا أمر بالتعفف، و (من) للتبعيض، والمراد غض البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل.

فإن قلت: كيف دخلت في غض البصر دون حفظ الفروج؟

قلت: دلالة على أن أمر النظر أوسع. ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وثديهن وأعضادهن وأسوقهن وأقدامهن، والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها وقدميها في إحدى الروايتين. وأما أمر الفرج فمضيق، وكفاك فرقًا أن أبيح النظر إلا ما استثنى منه، وحظر الجماع إلا ما استثنى منه. -وهذا على أن المراد حفظها عن الإفضاء إلى ما لا يحل 161 - ، ولم يذكر الله تعالى ما يغض البصر عنه ويحفظ الفرج، غير أن ذلك معلوم بالعادة، وأن المراد منه المحرم دون المحلل 162.

وقيل: المراد حفظها عن الإبداء .. يعني على المعنى الثاني: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا} أبصارهم عن عورات النساء، ويحفظوا فروجهم عن أبصار الناس.

قال الإمام ابن كثير: «وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنى، كما قال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المعارج: 29 - 30] .

وتارة يكون بحفظه من النظر إليه، كما جاء في الحديث في مسند أحمد والسنن: (احفظ عورتك، إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك) 163» 164.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت