فهرس الكتاب

الصفحة 1092 من 2431

«فالتعبير القرآني يرسم نموذجًا عجيبًا للنفس البشرية، حين تترك الأصل الثابت، وتتبع الهوى المتقلب، وحين تعبد هواها وتخضع له، وتقيمه إلهًا آمرًا مستوليًا عليها؛ تتلقى أوامره المتقلبة بالطاعة والتسليم والقبول» 91.

وليس هناك أضل وأبعد عن طريق الرشاد ممن اتبع هواه.

قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص:50] .

«أي: (ومن أضل) عن طريق الرشاد، وسبيل السداد ممن اتبع هوى نفسه بغير بيان من عند الله، وعهد من الله، ويترك عهد الله الذي عهده إلى خلقه في وحيه وتنزيله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ومعنى الآية: إن الله لا يوفق لإصابة الحق وسبيل الرشد القوم الذين خالفوا أمر الله وتركوا طاعته، وكذبوا رسوله، وبدلوا عهده، واتبعوا أهواء أنفسهم إيثار منهم لطاعة الشيطان على طاعة الرحمن عز وجل 92.

وقد نهى الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن طاعة من اتبع هواه.

قال تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28] .

أي: ولا تطع يا محمد صلى الله عليه وسلم من شغلنا قلبه -من الكفار الذين سألوك طرد المؤمنين الضعفاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي عنك- عن ذكرنا؛ بالكفر وغلبة الشقاء عليه، واتبع هوى نفسه، وترك اتباع أمر الله ونهيه، وآثر هواه على طاعة ربه، وكان أمره ضياعًا، فما كان لمثل هذا الهالك أن يطاع 93.

بعدما تعرفنا في المبحث السابق أن الوقوع في الذل لا يكون صدفة، إنما من خلال أسباب يفعلها الانسان توقعه في الذل، كان لا بد أن نتعرف على الأسباب التي ترفع الذل عنه.

ومن تلك الأسباب:

1.الإيمان بالله والمداومة على العمل الصالح.

قال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس:26] .

والمقصود بقوله: {وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ} الإخبار عن خلوص نعيمهم من كل ما يكدر الصفو، إثر بيان ما أعطاهم من رضوان، أي: ولا يغطي وجوههم يوم القيامة شيء مما يغطي وجوه الكفار، من السواد والهوان والصغار 94.

قال ابن كثير: « {وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ} أي: قتام وسواد في عرصات المحشر، كما يعتري وجوه الكفرة الفجرة من القترة والغبرة، {وَلَا ذِلَّةٌ} أي: هوان وصغار، أي: لا يحصل لهم إهانة في الباطن ولا في الظاهر، بل هم كما قال تعالى في حقهم: {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} [الإنسان:11] 95.

2.الاعتزاز بالله، والتمسك بدينه، وتطبيق شريعته.

قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنا كنا أذل قوم، فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله» 96.

وقال الحسن بن علي رضي الله عنه: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر -وفيه-: (إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت) 97.

وقال تعالى: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران:103] .

قال الطبري: «قال قتادة: في هذه الآية، كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلًا، وأشقاه عيشًا، وأبينه ضلالة، وأعراه جلودًا، وأجوعه بطونًا، مكعومين 98 على رأس حجر بين الأسدين: فارس، والروم، ولا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقيًا، ومن مات ردي في النار، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلًا يومئذ من حاضر الأرض، كانوا فيها أصغر حظًا وأدق فيها شأنًا منهم، حتى جاء الله عز وجل بالإسلام، فورثكم به الكتاب، وأحل لكم به دار الجهاد، ووضع لكم به من الرزق، وجعلكم به ملوكًا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشاكرين، وإن أهل الشكر في مزيد من الله تبارك وتعالى» 99.

3.الدعاء بارتفاع الذل وحصول العز.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة، وأعوذ بك أن أظلم أو أظلم) 100.

قال الطيبي: «قوله: (والذلة) أي: من أن أكون ذليلًا في أعين الناس؛ بحيث يستخفونه ويحقرون شأنه، والأظهر أن المراد بها الذلة الحاصلة من المعصية، أو التذلل للأغنياء على وجه المسكنة، والمراد بهذه الأدعية تعليم الأمة» 101.

4.موالاة الله ورسوله وصالح المؤمنين.

قال تعالى: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون:8] .

أي: يقول هؤلاء المنافقون -على سبيل التبجح وسوء الأدب- لئن رجعنا إلى المدينة بعد انتهاء هذه الغزوة، ليخرجن الفريق الأعز منا الفريق الأذل من المدينة، حتى لا يبقى فيها أحد من هذا الفريق الأذل، بل تصبح خالية الوجه لنا.

وقد رد الله تعالى على مقالتهم الباطلة هذه بما يخرس ألسنتهم فقال: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} أي: لقد كذب المنافقون فيما قالوه، فإن لله تعالى وحده العزة المطلقة والقوة التي لا تقهر، فالعزة لله سبحانه ولرسوله وللمؤمنين، ومن والاهم وسار على هداهم ينتفي عنه ذل الدنيا والآخرة، ويحصل له عز الدنيا والآخرة 102.

5.طاعة الله ورسوله.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء:59] .

جاء في الأدب النبوي: «لو أطاعوه -الرسول- لما أصابهم ما لحقهم من الذل والهوان بالفشل والهزيمة في الحرب تارة؛ والقتل والأسر تارة أخرى، وبالعجز المبين عن أن يقفوا في سبيل دعوته، ويمنعوا انتشارها في أقطار المعمورة، ويحولوا دون دخول الناس في دين الله أفواجًا، وما كان عنادهم ولا مجادلتهم عن يقين يعتقدونه، ولا شبه لم يجل الشك عنها، ولكن تكبرًا وعتوًا؛ مخافة أن تزول عنهم مناصب توارثوها، ومظاهر تخيلوا أن العز والمجد في المحافظة عليها» 103.

موضوعات ذات صلة:

التواضع، الخشوع، العبادة، العزة، الوهن

1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 2/ 345.

2 انظر: لسان العرب، ابن منظور 11/ 257.

3 شماس: شمست الدابة وهي شموس، أي: شردت وجمحت ومنعت ظهرها ولا تكاد تستقر.

انظر: أساس البلاغة، الزمخشري، ص 401.

4 المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 330.

5 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 9/ 119.

6 الفروق اللغوية، العسكري ص 251.

7 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص 275 - 276.

8 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص 220 - 221، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص 300 - 301.

9 لسان العرب، ابن منظور، 4/ 459.

10 انظر: الفروق اللغوية، العسكري، ص 249.

11 انظر: المصدر السابق.

12 انظر: أساس البلاغة، الزمخشري، 1/ 245، لسان العرب، ابن منظور 14/ 226.

13 انظر: غريب القرآن، الأصفهاني، 1/ 147.

14 لسان العرب، ابن منظور 14/ 226.

15 الفروق اللغوية، العسكري، ص 248.

16 لسان العرب، ابن منظور 8/ 73.

17 جمهرة اللغة، ابن دريد 1/ 606.

18 الفروق اللغوية، العسكري، ص 250.

19 انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي 3/ 19.

20 المحرر الوجيز، ابن عطية، 5/ 182.

21 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 27/ 26.

22 شرح نونية ابن القيم، محمد هراس ص 99.

23 مدارج السالكين، ابن القيم، 1/ 95.

24 العرش، الذهبي ص 121.

25 مدارج السالكين، ابن القيم، 1/ 429.

26 جامع البيان 17/ 418.

27 تيسير الكريم الرحمن ص 456.

28 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب البر والصلة، رقم 5970.

29 انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، 3/ 85.

30 جامع البيان 10/ 421.

31 تفسير القرآن العظيم 3/ 136.

32 في ظلال القرآن 2/ 919.

33 جامع البيان، الطبري، 22/ 75.

34 روضة المحبين ص 483.

35 جامع البيان، الطبري، 19/ 237.

36 المصدر السابق 19/ 236.

37 انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي 10/ 375.

38 في ظلال القرآن 4/ 2345.

39 انظر: التفسير الوسيط، لطنطاوي 2/ 309.

40 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 214.

41 انظر: تفسير السمرقندي، 2/ 416، التفسير الوسيط، طنطاوي 9/ 164.

42 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/ 461، تفسير الشعراوي، 19/ 12003.

43 انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، 4/ 102.

44 انظر: فتح القدير، الشوكاني 2/ 263، التفسير المنير الزحيلي 10/ 35.

45 انظر: التفسير المنير الزحيلي 26/ 121.

46 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 29/ 181، التفسير الوسيط، طنطاوي، 15/ 107.

47 إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 5/ 281.

48 تفسير السمرقندي، 2/ 417.

49 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 583.

50 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقائق، باب كيف الحشر، رقم 6523.

51 جامع البيان، الطبري، 18/ 369.

52 انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، 4/ 38.

53 أخرج الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة، رقم 2492، 4/ 655.

وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم 8040.

54 انظر: نظم الدرر، البقاعي، 17/ 343، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 761.

55 انظر: الكشاف، الزمخشري، 3/ 415.

56 انظر: جامع البيان، الطبري، 17/ 52، الكشاف، الزمخشري، 2/ 567.

57 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/ 416.

58 إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 6/ 151.

59 انظر: فتح القدير، الشوكاني، 3/ 168.

60 الكشاف، 3/ 562.

61 انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي 3/ 312.

62 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، رقم 2697، 3/ 184.

63 انظر: جامع البيان، الطبري، 13/ 134.

64 الهملجة: حسن سير الدابة في سرعة وبخترة.

انظر: العين، الفراهيدي، ص 1031.

65 جمع بغل، وهو الحيوان الشحاج صوت البغل الذي يركب.

انظر: لسان العرب، ابن منظور، 2/ 120.

66 الطقطقة: صوت قوائم الخيل على الأرض الصلبة.

انظر: لسان العرب، ابن منظور، 9/ 129.

67 البراذين: جمع البرذون: الدابة من الخيل.

انظر: لسان العرب، ابن منظور، 2/ 58.

68 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/ 478.

69 انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة، 6/ 2959.

70 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 1/ 432، زهرة التفاسير، أبو زهرة، 3/ 1363.

71 انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة، 3/ 1365، تفسير المراغي، 1/ 132.

72 الاعتصام، الشاطبي 1/ 221.

73 انظر: الكشاف، الزمخشري، 2/ 601.

74 الداء والدواء، ابن القيم، ص 137.

75 جامع البيان، الطبري، 1/ 510.

76 انظر: نظم الدرر، البقاعي، 7/ 366، زهرة التفاسير، أبو زهرة، 5/ 2796.

77 انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة، 3/ 1363.

78 انظر: الداء والدواء، ابن القيم، ص 59.

79 انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، 8/ 164.

80 انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 28/ 58، فتح القدير، الشوكاني، 5/ 230.

81 انظر: نظم الدرر، البقاعي، 8/ 423.

82 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/ 322، نظم الدرر، البقاعي، 19/ 355.

83 انظر: فتح القدير، الشوكاني، 5/ 222.

84 أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الإجارة، باب النهي عن العينة، رقم 3462، 3/ 274.

وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم 423.

85 انظر: عون المعبود، العظيم آبادي، 9/ 242

86 انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، 10/ 237.

87 انظر: الأساس، سعيد حوى 4/ 233.

88 روضة المحبين، ابن القيم، ص 483.

89 انظر: غذاء الألباب، السفارييني، 2/ 459، ذم الهوى، ابن الجوزي، ص 13.

90 انظر: تفسير المراغي، 30/ 34، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 910.

91 في ظلال القرآن، سيد قطب، 5/ 3230.

92 جامع البيان، الطبري، 19/ 592.

93 المصدر السابق 28/ 8.

94 انظر: الوجيز، الواحدي، ص 495، الدر المصون، السمين الحلبي، 6/ 181.

95 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/ 262.

96 أخرجه الحاكم في المستدرك، 1/ 130، رقم 207.

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.

97 أخرجه الترمذي في سننه، باب ما جاء في القنوت في الوتر، رقم 464، 2/ 328.

وصححه الألباني في إرواء الغليل، 2/ 172، رقم 429.

98 مكعوم: من كعم البعير إذا شد فاه في هياجه؛ لئلا يعض أو يأكل. لسان العرب، ابن منظور، 12/ 522.

99 جامع البيان، جامع البيان، الطبري، 13/ 478.

100 أخرجه أحمد في مسنده، مسند أبي هريرة رضي الله عنه، 13/ 418، رقم 8053.

وصححه الألباني في صحيح الجامع، 1/ 276، رقم 1287.

101 عون المعبود، العظيم آبادي، 4/ 282.

102 انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي، 3/ 2667، لباب التأويل، الخازن، 4/ 300.

103 الأدب النبوي، محمد الخولي، 1/ 291.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت