فهرس الكتاب

الصفحة 1955 من 2431

ولم تبين هذه الآية ما هي هذه الكلمة التي قالوها وكفروا بها؟ ولم تذكر إلا أنها كلمة صدرت من بعض المنافقين تدل على تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قيل: إن الآية نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول لقوله الذي حكاه الله عنه بقوله: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون:8] .

فسعى به رجل من المسلمين، فأرسل إليه رسول الله فسأله، فجعل يحلف بالله ما قال ذلك 79.

وعلى هذه الرواية يكون إسناد القول إلى ضمير جمع كناية عن إخفاء اسم القائل، كما يقال: ما بال أقوام يفعلون كذا وقد فعله واحد، أو باعتبار قول واحد وسماع البقية فجعلوا مشاركين في التبعة، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلانًا، وإنما قتله واحد من القبيلة، وعلى فرض صحة وقوع كلمة من واحد معين فذلك لا يقتضي أنه لم يشاركه فيها غيره؛ لأنهم كانوا يتآمرون على ما يختلقونه، وكان ما يصدر من واحد منهم يتلقفه جلساؤه وأصحابه ويشاركونه فيه 80.

ومعنى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا} [التوبة:74] .

أي: إن المنافقين إذا قالوا قولًا فيه الاستهزاء بالدين وبالرسول وبلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغه شيء من ذلك جاءوا إليه يحلفون بالله ما قالوا، وكلما ظهر شيء منهم يوجب مؤاخذتهم حلفوا كاذبين، عصمة لأموالهم ودمائهم.

وقد حكى القرآن كثيرًا من أيمانهم الكاذبة، ومن ذلك قوله تعالى: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} [التوبة:56] .

وقوله سبحانه: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ} [التوبة:62] .

وأتى بصيغة الفعل المضارع (يحلفون) ؛ لاستحضار الصورة، أو للدلالة على تكرير الفعل.

فلما نطقت ألسنتهم بكلمة الكفر، وحلفوا أنهم ما قالوا قال تعالى مكذبًا لهم: {وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ} [التوبة:74] .

فإسلامهم السابق -وإن كان ظاهره أنه أخرجهم من دائرة الكفر- ينقضه كلامهم الأخير ويدخلهم بالكفر.

وقال: {وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ} ولم يقل: بعد إيمانهم؛ لأنهم يقولون بألسنتهم: آمنا، ولم يدخل الإيمان إلى قلوبهم.

ومما يدل أيضًا على أن من أعظم آفات اللسان النطق بالكفر قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78] .

ولي اللسان أي: تحريف الكلام في النطق به أو في معانيه، أي: يقلبونها ويحرفونها، كما قال في موطن آخر: {لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ} [النساء:46] .

فلي اللسان شبيه بالتشدق والتنطع والتكلف وذلك مذموم، فعبر الله عن قراءتهم لذلك الكتاب الباطل بلي اللسان ذمًا لهم، ولم يعبر عنها بالقراءة، والعرب تفرق بين ألفاظ المدح والذم في الشيء الواحد، فيقولون في المدح: خطيب مصقع، وفي الذم: مكثارٌ، ثرثارٌ، فالمراد بقوله: {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ} أي: بقراءة ذلك الكتاب الباطل، فيعمدون إلى اللفظة فيحرفونها عن حركات الإعراب تحريفًا يتغير به المعنى، وهذا كثيرٌ في لسان العرب، فلا يبعد مثله في العبرانية، فكانوا يفعلون ذلك في الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة 81.

والمراد تحريفهم كآية الرجم، ونعت محمد صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك، والضمير في (لتحسبوه) يرجع إلى ما دل عليه {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ} وهو المحرف، ويجوز أن يراد يعطفون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه من الكتاب، أي: التوراة، {وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ} وليس هو من التوراة 82.

والباء في قوله: {بِالْكِتَابِ} صلة أو للآلة أو للظرفية أو للملابسة، والجار والمجرور حال من الألسنة، أي: ملتبسة بالكتاب 83.

ومن نطق اللسان بالكفر ما حكاه الله عن اليهود والنصارى حيث قال: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30] .

فنسبة الولد إلى الله تعالى كفر بجلاله وكماله، وقوله تعالى: {ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ} أي: ليس له من الواقع شيء؛ إذ ليس لله تعالى ولد، وكيف يكون له ولد ولم تكن له زوجة؟! وإنما ذلك قولهم بأفواههم فقط.

و {بِأَفْوَاهِهِمْ} حال من القول، والمراد أنه قول لا يعدو الوجود في اللسان، وليس له ما يحققه في الواقع، وهذا كناية عن كونه كذبًا، كقوله تعالى: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [الكهف:5] .

وفي هذا أيضًا إلزام لهم بهذا القول، وسد باب تنصلهم منه؛ إذ هو إقرارهم بأفواههم وصريح كلامهم.

فإن قيل: من المعلوم أن كل قول إنما يقال بالفم فلم قال: {ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ} ؟ وما معنى تخصيصهم بهذه الصفة؟ فالجواب: لما كان قولهم لا يعضده برهان وإنما هو لفظ يفوهون به، وهو فارغ من معنى معتبر؛ لأن إثبات الولد للإله قول باطل، لأنه منزه عن الحاجة والشهوة والمضاجعة والمباضعة، اعتبر قولهم هذا مجرد قول بالأفواه فقط، ونظيره قوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران:167] .

وقد يكون المراد: أنهم يصرحون بهذا المذهب ولا يخفونه ألبتة، أو يكون المعنى: أنهم دعوا الخلق إلى هذه المقالة حتى وقعت هذه المقالة في الأفواه والألسنة، والمراد مبالغتهم في دعوة الخلق إلى هذا المذهب.

قال أهل المعاني: إن الله سبحانه لم يذكر قولًا مقرونًا بذكر الأفواه والألسن إلا وكان قولًا زورًا؛ كقوله: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران:167] .

وقوله: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح:11] 84.

وفي هذه الآية دليلٌ على أن من أخبر عن كفر غيره الذي لا يجوز لأحد أن يبتدئ به لا حرج عليه؛ لأنه إنما ينطق به على سبيل الاستعظام له والرد عليه، ولو شاء ربنا ما تكلم به أحد، فإذا أمكن من إطلاق الألسنة به فقد أذن بالإخبار عنه، على معنى إنكاره بالقلب واللسان، والرد عليه بالحجة» 85.

ومن نطق اللسان بالكفر ما حكاه الله تعالى في قوله: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [إبراهيم: 9] وضمائر (ردوا) و (أيديهم) و (أفواههم) عائد جميعها إلى قوم نوح والمعطوفات عليه، ومعنى: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} يحتمل عدة وجوه، أنهاها في الكشاف إلى سبعة 86، وفي بعضها بعد، وأولاها بالاستخلاص أن يكون المعنى: أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم إخفاء لشدة الضحك من كلام الرسل؛ كراهية أن تظهر دواخل أفواههم، وذلك تمثيل لحالة الاستهزاء بالرسل.

والرد مستعمل في معنى تكرير جعل الأيدي في الأفواه، كما أشار إليه الراغب 87. أي: وضعوا أيديهم على الأفواه ثم أزالوها، ثم أعادوا وضعها، فتلك الإعادة رد.

وحرف (في) للظرفية المجازية، والمراد بها التمكين، فهي بمعنى (على) كقوله: {أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الزمر:22] ، فيكون معنى: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} أي: جعلوا أيديهم على أفواههم، وعطفه بفاء التعقيب مشيرًا إلى أنهم بادروا برد أيديهم في أفواههم بفور تلقيهم دعوة رسلهم، فيقتضي أن يكون رد الأيدي في الأفواه تمثيلًا لحال المتعجب المستهزئ، فالكلام تمثيل للحالة المعتادة، وليس المراد حقيقته؛ لأن وقوعه خبرًا عن الأمم مع اختلاف عوائدهم وإشاراتهم واختلاف الأفراد في حركاتهم عند التعجب قرينة على أنه ما أريد به إلا بيان عربي 88.

أو يكون معنى: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} عضوها غيظًا وضجرًا مما جاءت به الرسل، كقوله: {عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} [آل عمران:119] .

أو ضحكًا واستهزاء كمن غلبه الضحك فوضع يده على فيه، أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به، من قولهم: {إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ} أي: هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره، تيئيسا لهم من التصديق، ألا ترى إلى قوله: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ} وهذا قول قوي، أو يكون المراد أنهم وضعوها على أفواههم يقولون للأنبياء: أطبقوا أفواهكم واسكتوا، أو يكون المراد: ردوها في أفواه الأنبياء يشيرون لهم إلى السكوت، أو وضعوها على أفواههم يسكتونهم ولا يذرونهم يتكلمون 89.

ومن نطق اللسان بالكفر أيضًا قول الله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} [المائدة:64] .

ففي هذه الآية إخبار من الله عن جراءة اليهود عليه سبحانه، وسوء أدبهم معه، وتوبيخ لهم على جحودهم نعمه التي لا تحصى.

وأرادوا بقولهم: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} أنه سبحانه بخيل عليهم، ممسك خيره عنهم، مانع فضله عن أن يصل إليهم، حابس عطاءه عن الاتساع لهم، كالمغلولة يده الذي لا يقدر أن يبسطها بعطاء ولا بذل معروف 90. وهذه من أقبح الكلمات التي نطقتها ألسنتهم بالكفر.

والمقصود أن من آفات اللسان النطق بالكفر، ويجري مجرى النطق بألفاظ الكفر كتابتها مدركًا معناها ومرماها من غير إكراه، وقد جاءت الرخصة بإجراء كلمة الكفر على اللسان على سبيل الإكراه، ويتفاوت الأمر بين صاحب العزيمة والرخصة.

قال تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل:106] .

فمن نطق بالكفر عالمًا به غير مكره وقاله لا على سبيل الحكاية علم كفره؛ لأن اللسان ترجمان صاحبه، ومدبر أمره، والمؤدي لمافي قلبه وجوارحه من صلاح أو فساد، يجري ذلك على ترجمته بما ينطق.

ثانيًا: النطق بالكذب والنفاق:

ومن آفات اللسان النطق بالكذب والنفاق.

قال تعالى: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح:11] .

فوصف الله هؤلاء المنافقين أنهم {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} أي: إن كلامهم من طرف اللسان غير مطابق لما في الجنان، وهو كناية عن كذبهم، فالجملة استئناف لتكذيبهم، والكذب راجع لما تضمنه الكلام من الخبر عن تخلفهم بأنه لضرورة داعية له، وهو القيام بمصالحهم التي لا بد منها، وعدم من يقوم بها لو ذهبوا معه عليه الصلاة والسلام 91.

وهذا يدل على أن مخالفة اللسان لما في القلب من علامة النفاق، وهذه هي طبيعة المنافقين {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء:142] .

وكان خداعهم بالقول وبالفعل، وخداعهم بالقول في قوله عنهم: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح:11] .

وخداعهم في الفعل في قوله عنهم: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى} [النساء:142] .

ومع أن القول لا يكون إلا باللسان إلا أنه قال: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ} وكأن المراد أن هذا القول لم يواطئ القلب وإنما هو من طرف اللسان فقط.

ولهذا قيل: إن القول المطلق والعمل المطلق في كلام السلف يتناول قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، فقول اللسان بدون اعتقاد القلب هو قول المنافقين، وهذا لا يسمى قولًا إلا بالتقييد، كقوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح:11] .

وكذلك عمل الجوارح بدون أعمال القلوب هي من أعمال المنافقين التي لا يتقبلها الله 92.

وذكر الألسنة لأن الناس يقولون: قال في نفسه، وقلت في نفسي، وفي كتاب الله عز وجل: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} [المجادلة:8] .

فعلم أن ذلك القول باللسان دون كلام النفس.

فلما كان المنافق يختلف ما في قلبه عما في لسانه صار ما ينطق به لسانه كذبًا ونفاقًا، أما المؤمن فقلبه ولسانه سواء؛ ولذلك جاء الأمر بحفظ اللسان والتحذير من إطلاق العنان له.

وسلامة اللسان من سلامة القلب، فإذا كان القلب سليمًا كانت الجوارح سليمة؛ ولهذا قال الله تعالى: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:89] .

أي: أن يكون خاليًا عن العقائد الفاسدة، والميل إلى شهوات الدنيا ولذاتها.

فإن قيل: فظاهر هذه الآية يقتضي أن من سلم قلبه كان ناجيًا، وأنه لا حاجة فيه إلى سلامة اللسان واليد، وجوابه: أن القلب مؤثر، واللسان والجوارح تبع، فلو كان القلب سليمًا لكانا سليمين لا محالة، وحيث لم يسلما ثبت عدم سلامة القلب 93.

ووصف الله ألسنة المنافقين بأنها سلقة ذربة، فقال: {فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ} [الأحزاب:19] .

والسلق والصلق: رفع الصوت والصياح، ومنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بريء من الصالقة 94. يعني بالصالقة أو السالقة التي ترفع صوتها بالنياحة. ومنه قولهم: خطيب مسلق ومسلاق وسلاق وصلاق، بالسين والصاد جميعًا، أي: ذو بلاغة ولسن 95. وأصل السلق: بسط العضو ومده للأذى، سواء أكان هذا العضو يدًا أو لسانًا 96.

والسلق بالألسنة عبارة عن الكلام بكلام مستكره 97. ففسر السلق بأذى اللسان، ومنه قول الأعشى 98:

فيهم الخصب والسماحة والنجـ

ـدة فيهم والخاطب المسلاق 99

والمراد به الإيذاء بالكلام السيئ القبيح، أي: رفعوا أصواتهم عليكم بألسنة حداد، والحداد: جمع حديد، وحديد: كل شيء نافذ، ومثله قوله تعالى: {فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق:22] 100. يقال: لسان حديد نحو لسان صارم وماضٍ، وذلك إذا كان يؤثر تأثير الحديد. والمعنى: فصحاء قادرين على الكلام، وأصخاب ألسنة شديدة ذربة.

فألسنة المنافقين كانت عند الخوف في غاية اللجلجة، لا تقدر على الحركة من قلة الريق ويبس الشفاه، وهذا لطلب العرض الفاني من الغنيمة وغيرها، فإذا ذهب الخوف صارت ذربة قاطعة 101.

وهكذا حال المنافقين لما ذكر القتال أمامهم صار حالهم كحال المغشي عليه من الموت، وعند الغنيمة أشح قوم وأبسطهم لسانًا، ووقت البأس أجبن قوم وأخوفهم.

فهم -أي: المنافقون- عند الشدائد جبناء بخلاء، فإذا ما ذهب الخوف وحل الأمان سلطوا عليكم ألسنتهم البذيئة بالأذى والسوء، ورموكم بألسنة ماضية حادة، تؤثر تأثير الحديد في الشيء، وارتفعت أصواتهم بعد أن كانوا إذا ما ذكر القتال أمامهم صار حالهم كحال الذي يغشى عليه من الموت 102.

فإن قيل: وصف الله ألسنة المنافقين هنا بقوله: {بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} [الأحزاب:19] ، وقال في موطن آخر: {وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} [المنافقون:4] ، أي: لفصاحتهم وحلاوة ألسنتهم، ووصفهم في موضع آخر بأنهم: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} [البقرة:18] .

إلى غير ذلك من الآيات، فكيف الجمع؟

والجواب: أن وجه الجمع ظاهر، وهو أنهم بكم عن النطق بالحق وإن رأوا غيره، وقد بين تعالى هذا الجمع بقوله: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً} [الأحقاف:26] .الآية؛ لأن ما لا يغني شيئًا فهو كالمعدوم، فالكلام ونحوه الذي لا فائدة فيه كلا شيء؛ فيصدق على صاحبه أنه أعمى وأصم وأبكم، والعرب ربما أطلقت الصمم على السماع الذي لا أثر له، ومن ذلك قول قعنٌّ إذا سمعوا خيرًا ذكرت به

وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا

وقول الآخر 103:

قل ما بدا لك من زور ومن كذب

حلمي أصم وأذني غير صماء

ونظائر هذا كثيرة في كلام العرب من إطلاق الصمم على السماع الذي لا فائدة فيه، وكذلك الكلام الذي لا فائدة فيه، والرؤية التي لا فائدة فيها 104.

فهذا الذي ذكره جل وعلا من فصاحتهم وحدة ألسنتهم مع تصريحه بأنهم بكم يدل على أن الكلام الذي لا فائدة فيه كلا شيء، كما هو واضح، وكما قيل 105:

وإن كلام المرء في غير كنهه

لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها

ثالثًا: لي اللسان بقصد السب والإيذاء:

(اللي) عبارة عن عطف الشيء ورده عن الاستقامة إلى الاعوجاج، يقال: لويت يده والتوى الشيء إذا انحرف، والتوى فلان علي إذا غير أخلاقه عن الاستواء إلى ضده، ولوى لسانه عن كذا إذا غيره، ولوى فلانًا عن رأيه إذا أماله عنه 106.

فيكون أصل اللي: الانعطاف والانثناء، ومنه: {وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ} [آل عمران:153] .

ولي اللسان: تحريف الكلام في النطق به أو في معانيه. أي: إنهم يثنون ألسنتهم ليكون الكلام مشبهًا لغتين، بأن يشبعوا حركات، أو يقصروا مشبعات، أو يفخموا مرققًا، أو يوقفوا مفخمًا؛ ليعطي اللفظ في السمع صورة تشبه صورة كلمة أخرى، فإنه قد تخرج كلمة من زنة إلى زنة ومن لغة إلى لغة بمثل هذا، فاللي كيفية من كيفيات القول 107.

والعلة من هذا اللي بالكلمة أو بالكلام ليكون اللفظ في السمع مشبهًا لفظًا آخر هم يريدونه لأنه يدل على معنى ذميم.

وهذا اللي باللسان إلى خلاف ما في القلب موجود في بني إسرائيل، وقد أخبر الله أن من اليهود فريقًا دأبوا على تبديل كلام الله وتغييره عما هو عليه افتراء على الله واستهزاءً بالرسول.

قال تعالى: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء:46] .

فقوله: {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ} معناه: أنهم يعمدون إلى اللفظة فيحرفونها في حركات الإعراب تحريفًا يتغير به المعنى، وهذا كثير في لسان العرب، فلا يبعد مثله في العبرانية، فلما فعلوا مثل ذلك في الآيات الدالة على نبوة محمد -عليه الصلاة والسلام- من التوراة كان ذلك هو المراد من قوله تعالى: {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ} 108.

وفي الآية نهي من الله لعباده المؤمنين من أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم؛ وذلك أن اليهود كانوا يعلنون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص، وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا إنما يقولون: السام عليكم 109، والسام هو الموت؛ ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بـ «وعليكم» وإنما يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا، والغرض أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولًا وفعلًا 110.

وذكر الله بعض الأمثلة من لي الألسنة من قبل يهود، منها: أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التهكم والاستهزاء: {وَرَاعِنَا} ويقصدون بهذا القول الإساءة إليه صلى الله عليه وسلم، يقصدون به رميه بالرعونة، ويوهمون أنهم يقولون: راعنا، أي: احفظنا، أو راعنا سمعك، وإنما يريدون الرعونة 111.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت