فهرس الكتاب

الصفحة 1242 من 2431

وفي الآية دلالة على أن المراد بالاعتزال عن الحيض جماعهنّ، وذلك أن المجوس واليهود كانوا يجتنبون الحيّض في كل شيء، وكان النصارى يجامعوهن ولا يبالون بالحيض، فأنزل الله تعالى بالاقتصاد بين هذين الأمرين، وخير الأمور أوسطها 93.

لكن مسألة استخدام الحائض ومباشرة بدنها إذا كانت مؤتزرة وبالاستمتاع بها فوق الإزار، فهذا مما أباحه الشرع. وقد دل الأمر باعتزال النساء في المحيض على أن السؤال عن المحيض إنما كان عن الاعتزال، وإن لم يكن في السؤال بيان المراد 94.

ومن الأحكام الخاصة بالرجال في هذه المسألة أنه كره العلماء الصلاة في ثياب النساء، مخافة أن يكون أصابها شيء من دم الحيض 95.

قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) } [المائدة:4] .

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يسألك، يا محمد، أصحابك: ما الذي أحل لهم أكله من المطاعم والمآكل؟ فقل لهم: أحل لكم منها الطيبات، وهي الحلال الذي أذن لكم ربكم في أكله من الذبائح وأحل لكم أيضًا مع ذلك، صيد ما علّمتم من الجوارح، وهن الكواسب من سباع البهائم 96.

وفي الآية دلالة على أن السؤال الحاصل يتضمن معنى القول، ماذا أحل لنا؟ وكان التفاتًا من الحاضر إلى الغائب للتنبيه ولتوجيه الذهن 97.

والخطاب للنّبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد به العرب، وكانت العرب تستقذر أشياء كثيرة فلا تأكلها، وتستطيب أشياء تأكلها فأحلّ اللّه عز وجل لهم ما استطابوه، ممّا لم ينزل بتحريمه تلاوةٌ مثل: لحوم الأنعام وألبانها، ومثل: الدّوابّ الّتي كانوا يأكلونها من الضّباب واليرابيع والأرانب والظباء وغيرها 98.

كما دل قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} : على أن سؤالهم كان عن الطيبات، ومما يصطاد من الجوارح 99.

فالطيبات هي الحلال وكل شيءٍ لم يأت تحريمه في القرآن العظيم ولا في سنة نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما سمي الحلال طيبًا، وإن لم يكن مستلذًا تشبيهًا بما يستلذ 100.

وقال الراغب الأصفهاني: «هو الحلال الذي لا يعقب إثما» 101.

ولا ضرر منه بالبدن والعقل. لكن المسألة الخطيرة هي أنه لا يجوز لنا أن نحكم بأن هذا طيب وهذا خبيث ثم نبنى على ذلك التحريم والتحليل، فإننا لا نعرف مثلما يعرف خالقنا عن كيفية وجدوى ترتيب الأشياء بالنسبة لنا، حتى لا نقع في دائرة الذين يستطيبون المسائل الضارة، كهؤلاء الذين يتناولون المخدرات والسموم والخمور 102.

ورد في سبب نزولها أن زيد بن الخيل الطّائي، وعدي بن حاتم الطّائي سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالا: إنّا نصطاد بالكلاب، فماذا يحل منه وما يحرم؟ فنزلت الآية 103.

قال ابن تيمية: لما نزل قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3] جاء بعدها، قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} [المائدة:4] .

فأخبر أنّه أحلّها ذلك اليوم، وسورة المائدة مدنيّةٌ بالإجماع، وسورة الأنعام مكّيّةٌ بالإجماع، فعلم أنّ تحليل الطّيّبات كان بالمدينة لا بمكّة 104.

يقول رشيد رضا مؤكدًا هذه القاعدة الأصولية: «إنه من المعلوم أنّ الله سخّر هذه الأرض وما فيها للنّاس ينتفعون بها، وإنّما المحظور عليهم هو ما يضرّهم، ولكنّ النّاس لا يقفون عند حدود الفطرة، بل دأبهم الجناية على فطرتهم، ومن ذلك أنّ العرب استباحت أكل الميتة والدّم المسفوح من الخبائث الضّارّة، وحرّمت على أنفسها بعض الطّيّبات كالبحيرة والسّائبة وغير ذلك، ولأجل هذا كانت الحاجة قاضيةً ببيان ما يحلّه الله وما حرّمه ممّا أحلّوه، وذلك قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} » 105.

إن صيغة المضارع المستعملة هنا للدلالة على تجدد السؤال، أي تكرره أو توقع تكرره، وعليه فوجه فصل جملة {يَسْأَلُونَكَ} أنها استئناف بياني ناشئ عن جملة {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة:3] .

وقوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} [المائدة:3] ، أو هي استئناف ابتدائي: للانتقال من بيان المحرمات إلى بيان الحلال بالذات، وإن كان السؤال لم يقع، وإنما قصد به توقع السؤال، كأنه قيل: إن سألوك عن كذا فجوابه كذا لتوقع السؤال 106.

يقول أبو حيان الأندلسي: «والظّاهر أنّ المعنى: ماذا أحلّ لهم من المطاعم، لأنّه لمّا ذكر ما حرّم من الميتة وما عطف عليه من الخبائث، سألوا عمّا يحلّ لهم؟ ولمّا كان يسألونك الفاعل فيه ضميرٌ غائبٌ قال لهم بضمير الغائب» 107.

وقوله: {مَاذَا أُحِلَّ} ؟ استفهام معلّق للسؤال، وإن لم يكن السؤال من أفعال القلوب إلاّ أنّه كان سبب العلم، والعلم يعلق، فكذلك سببه 108.

قوله تعالى: {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} :

قال الماتريدي: «اختلف في هذه الآية: هذا المسألة من المسائل التي وقعت ثم أجاب الله عنها، وكان الجواب ملتصقًا بالسؤال، قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة:4] .

والله لم يتكلم بهذا الجواب في القرآن قبل أن يسألوا، بل بعد أن سألوا» 109.

وأما القول في قوله عز وجل: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} : كأنهم سألوا رسول اللّه، صلى الله عليه وسلم عما يحل من الجوارح؛ فذكر ذلك لهم، مع ما ذكر في بعض القصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بقتل الكلاب، فأتاه أناس، فقالوا: ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزل قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} الآية 110.

قال الشّافعي رحمه الله: «أصل التحريم، نص كتاب، أو سنّة، أو جملة كتاب، أو سنّة، أو إجماع. قال اللّه عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} [المائدة:4] الآية. وإنّما تكون الطّيّبات والخبائث عند الآكلين كانوا لها، وهم العرب الّذين سألوا عن هذا، ونزلت فيهم الأحكام، وكانوا يكرهون من خبيث المآكل ما لا يكرهها غيرهم» 111.

وقال ابن كثير: «إنّ آية التّحريم، أعني قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة:3] إلى آخرها، محكمةٌ لم يدخلها نسخٌ ولا تخصيصٌ، وكذا ينبغي أن تكون آية التّحليل محكمةٌ، أعني قوله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} [المائدة:4] فينبغي ألّا يكون بينهما تعارضٌ أصلًا وتكون السّنّة جاءت لبيان ذلك» 112.

قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) } [البقرة:217] .

يسألونك يا محمد أصحابك عن قتال في الشهر الحرام وهو رجب 113. فقل يا محمد إن القتال فيه واستحلال الدم وسفكه فيه عظيم عند الله 114.

لكن الصد عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم عنه إذ أنتم أهله وولاته، أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم 115.

وفي الآية دلالة على أن ظاهرها يحرم القتال في أشهر الحج، لكن فيه دليل على حل القتال بقوله: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة:217] .

والفتنة الشرك، أي: إن الشرك فيه أكبر وأعظم من القتل 116.

أنّ رجلًا من بني تميمٍ أرسله رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في سريّةٍ، فلقي ابن الحضرميّ يحمل خمرًا من الطّائف إلى مكّة فرماه بسهمٍ فقتله، وذلك في آخر يومٍ من جمادى الآخرة وأوّل يومٍ من رجبٍ، وكان بين رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وبين قريشٍ عهدٌ، فقالت قريشٌ: أفي الشّهر الحرام قتلتم ولنا عهدٌ؟ فأنزل اللّه عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} [البقرة:217] إلى قوله: {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ} [البقرة:217] يقول: كلّ هذا أكبر من قتل ابن الحضرميّ، ثمّ قال: {وَالْفِتْنَةُ} [البقرة:217] . يعني: الكفر باللّه، وعبادة الأوثان أكبر من هذا كلّه 117.

فهذه القضية أظهرت قضيتين:

الأولى: القتال في الأشهر الحرم وحرمة القتال فيه.

والقضية الثانية: متعلقة في الكفر بالله عز وجل والصد عن سبيله وإيذاء العباد والبلاد لدرجة الفتنة عن الدين وإخراج الناس من أوطانهم وديارهم.

فهذا السؤال أجاب عن هذه المعادلة بشكل جريء وبين أن الصد عن سبيل الله وفتنة الناس عن دينها أعظم حرمة من التستر وراء حرمة القتال في الأشهر الحرم. إنها واقعية الإسلام العظمى التي لا تخدم المثاليات الميتة، بل هي الحلول المناسبة لكل حالة ولكل موقف ولكل ظرف، فلكل حادثة سياقها الذي خرجت منه ولا يجوز الحكم عليها بحكم التاريخ.

قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) } [الأنفال:1] .

السؤال عن الغنائم يحتمل وجهين: الأول: يحتمل أنهم سألوا عن حلها وحرمتها؛ لأنها كانت لا تحل في الابتداء. والثاني: يحتمل السؤال عن قسمتها، وهو ما روي في بعض القصة أن الناس كانوا يوم بدر ثلاثة أثلاث: ثلث في نحر العدو، وثلث خلفهم ردءًا لهم، وثلث مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يحرسونه، فلما فتح اللّه عليهم اختلفوا في الغنائم، فقال الأوائل: نحن أحق بالغنائم، نحن ولينا القتال، وقال من كان ردءًا لهم: لستم بأولى بها منا، وكنا لكم ردءًا، وقال حرس رسول اللّه: لستم بأحق بها منا، كنا نحن حرسًا لرسول اللّه فتنازعوا فيها إلى رسول اللّه، فنزل {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} [الأنفال:1] 118.

وفي الآية دلالة على أن سؤالهم يتضمن العطاء، فكأنهم يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: أعطنا، لكن الله جعل الخمس مخصوصًا لأهله صلى الله عليه وسلم، وذلك على ما نزل به الكتاب وجرت به السنة.

أما قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال:41] ، فقد بين أن النبي صلى الله عليه وسلم، قسم هذا الخمس على خمسة أنصباء، خمسٍ للنبي صلى الله عليه وسلم، وخمس ليتامى المسلمين لا ليتامى آل النبي صلى الله عليه وسلم، وخمس في المساكين - مساكين المسلمين لا مساكين النبي صلى الله عليه وسلم وخمس لابن السبيل.

قال الشّافعي رحمه الله: «قال محمد بن إسحاق: سئل عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن الأنفال، فقال: فينا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنزلت {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} ، انتزعه اللّه منا حين اختلفنا، وساءت أخلاقنا، فجعله اللّه عز وجل إلى رسوله صلى الله عليه وسلم يجعله حيث شاء» 119. أي: كانت غنائم معركة بدر لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضعها حيث شاء، بعد أن سلمها المسلمون وردها صلى الله عليه وسلم بعد ذلك على فقرائهم.

هذه الحادثة حصلت للصحابة بعد معركة بدر الكبرى، والتي كانت بلا شك مفصلًا عظيمًا في تاريخ هذه الأمة بل كانت أعظم معركة في تاريخ الإسلام، ولهذا سميت بيوم الفرقان، الذي يفرق بين الحق والباطل، وأنتجت أعظم رجال بعد الأنبياء، وساهمت في تحرير الإنسانية من عبادة العباد إلى عبادة الله عز وجل، وهذا السؤال القرآني في بداية سورة الأنفال جاء ليبين لنا الحالة البشرية بكل رغباتها وشهواتها الفطرية التي لا تغيب عن الصحابة رغم معاشرتهم الطويلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد اختلفوا على سيف ورمح ودرع؛ ولهذا جاء العتاب من رب الأرباب وأسند الأمر إلى الله ورسوله.

يتناول هذا المبحث ثلاث قضايا إخباربة تاريخية لكنها في غاية الأهمية:

القضية الأولى السؤال عن أصحاب الكهف وبيان سر هروبهم من بلدتهم التي كانوا يسكنون فيها إلى كهف مظلم، تاركين المال والجاه والغنى والسلطان والطعام والشراب والنوم الهنيء إلى حيث لا مال ولا جاه ولا طعام بل ظلام ونوم على التراب.

أما السؤال الثاني فكان عن قضية إخبارية عن ملك عادل متواضع، يجوب الأرض شرقًا وغربًا، لا هم له سوى مساعدة الناس وإنقاذهم من الجهل والعدوان والظلم.

أما السؤال الثالث، فكان عن قصة نبي ورسول من أولي العزم، ظن في وهلة أنه أعلم الأرض، فأخبره الله تعالى أن هناك من هو أعلم منه، فأظهر حرصه العظيم على اتباع ذلك العالم الذي آتاه الله عز وجل من لدنه علمًا، رغم بعد المسافة بينهما.

والمدقق يجد أن المقصد من هذه الأسئلة أن تكون دليلًا قويًّا على صدق نبوة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم. والمطالب المتعلقة بهذا المبحث:

قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) } [الكهف: 9 - 14] .

ثم قال تعالى: {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) } [الكهف:19] .

ذكر محمّد بن إسحاق سبب نزول هذه القصّة مشروحًا، فقال كان النّضر بن الحارث من شياطين قريشٍ وكان يؤذي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة وتعلّم بها أحاديث رستم وإسفنديار، وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا جلس مجلسًا ذكر فيه اللّه وحدّث قومه ما أصاب من كان قبلهم من الأمم، وكان النّضر يخلفه في مجلسه إذا قام، فقال: أنا واللّه يا معشر قريشٍ أحسن حديثًا منه، فهلمّوا فأنا أحدّثكم بأحسن من حديثه، ثمّ يحدّثهم عن ملوك فارس، ثمّ إنّ قريشًا بعثوه وبعثوا معه عتبة بن أبي معيطٍ إلى أحبار اليهود بالمدينة وقالوا لهما: سلوهم عن محمّدٍ وصفته وأخبروهم بقوله فإنّهم أهل الكتاب الأوّل، وعندهم من العلم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتّى قدما إلى المدينة فسألوا أحبار اليهود عن أحوال محمّدٍ، فقال أحبار اليهود: سلوه عن ثلاثٍ: عن فتيةٍ ذهبوا في الدّهر الأوّل ما كان من أمرهم فإنّ حديثهم عجبٌ، وعن رجلٍ طوّافٍ قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه، وسلوه عن الرّوح وما هو؟ فإن أخبركم فهو نبيٌّ وإلّا فهو متقوّلٌ، فلمّا قدم النّضر وصاحبه مكّة قالا: قد جئناكم بفصل ما بيننا وبين محمّدٍ، وأخبروا بما قاله اليهود فجاؤوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وسألوه فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (أخبركم بما سألتم عنه غدًا) ولم يستثن، فانصرفوا عنه ومكث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون خمس عشرة ليلةً حتّى أرجف أهل مكّة به، وقالوا: وعدنا محمّدٌ غدًا واليوم خمس عشرة ليلةً فشقّ عليه ذلك، ثمّ جاءه جبريل من عند اللّه بسورة أصحاب الكهف وفيها معاتبة اللّه إيّاه على حزنه عليهم، وفيها خبر أولئك الفتية، وخبر الرّجل الطّوّاف» 120.

يقول فخر الدين الرازي: «اعلم أنّ القوم تعجّبوا من قصّة أصحاب الكهف وسألوا عنها الرّسول على سبيل الامتحان فقال تعالى: أم حسبت أنّهم كانوا عجبًا من آياتنا فقط، فلا تحسبنّ ذلك فإنّ آياتنا كلّها عجبٌ، فإنّ من كان قادرًا على تخليق السموات والأرض ثمّ يزيّنها ثمّ يجعلها بعد ذلك صعيدًا جرزًا خاليةً عن الكلّ كيف يستبعدون من قدرته وحفظه ورحمته حفظ طائفةٍ مدّة ثلاثمائة سنةٍ وأكثر في النّوم، هذا هو الوجه في تقرير النّظم، واللّه أعلم» 121.

وقد اختلف أهل العلم في سبب مصير هؤلاء الفتية إلى الكهف، فقال بعضهم: أنهم كانوا مسلمين على دين عيسى، وكان لهم ملك عابد وثن، دعاهم إلى عبادة الأصنام، فهربوا بدينهم منه خشية أن يفتنهم عن دينهم، أو يقتلهم، فاستخفوا منه في الكهف 122.

والفتية: جمع فتى، والفتى: بمعنى الكامل من الرجال 123. قال سهل: إنما سماهم فتية لأنهم آمنوا به بلا واسطة، وقاموا إليه بإسقاط العلائق عن أنفسهم 124.

وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ} [الكهف:19] بعثهم الله عز وجل من رقدتهم ونومهم الذي يشبه الموت؛ وحفظ أجسادهم وأشعارهم وأبشارهم وثيابهم، حيث لم يفقدوا رغم طول الزمان جزءًا من أحوالهم وهيئاتهم بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين 125، فحفظهم من البلى على طول الزمان 126، لما علم ما يكون منهم، وهو التساؤل 127.

ويسأل بعضهم بعضًا عن مقدار نومهم، واللام في: {لِيَتَسَاءَلُوا} لام العاقبة، كاللام في: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص:8] ؛لأنهم لم يبعثوا لمجرد السؤال 128، لكنهم سألوا ليعرفوا عظيم قدرة الله فيزدادوا يقينًا في إيمانهم؛ إذ لبثوا مدة عظيمة من الزمان وهيئهم وثيابهم لم يتغيرا 129. فالمقصود من التساؤل إظهار القدرة الإلهية على الإنامة والبعث جميعًا 130.

والتساؤل الذي حصل مداره أن واحدًا منهم قال: {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [الكهف:19] فأجابه واحد منهم على سؤاله قائلًا: لبثنا يومًا؛ لأنه أطول مدة النوم المعهود، فلما رأى الشمس لم تغرب قال {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} لأنهم أنيموا أول النهار ونبهوا آخره 131. فكأنه حصل بينهم تنازع واختلاف في حقيقة مدة اللبث في الكهف.

وهذه الحالة مشابهة لقصة العزير، حين قال الله تعالى عنه: {فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ} [البقرة:259] .

قال الله عز وجل في كتابه العزيز يصف ذي القرنين: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) } [الكهف:83 - 85] .

وفي الآية دلالة على أن القرآن العظيم لم يؤرخ لهذا الزعيم التقي الراشد، ولم يقم له تمثالًا، إنما ركز على الأوصاف التي تعني الحق وتعني الخلق. فيكفي أن نعلم أنه إنسان مكّنه الله في الأرض، يعني: أعطاه من أسباب القوة وأسباب المهابة والسيطرة، وأعطاه من كلّ مقوّمات القوة: أعطاه المال والعلم والجيوش، فلم يكتف بذلك كله، بل {فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) } [الكهف:85] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت