فهرس الكتاب

الصفحة 556 من 2431

والآيات عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول، وهو مخطئ، وعمله مردود، والمعنى: أي قل يا محمد: هل نخبركم {بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} ؟

ثم فسرهم فقال: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، أي: عملوا أعمالًا باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة، {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} ، أي: يعتقدون أنهم على شيء، وأنهم مقبولون محبوبون، وهو من استدراج الله تعالى لهم، {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ} ، أي: جحدوا آيات الله في الدنيا، وبراهينه التي أقام على وحدانيته وصدق رسله، وكذبوا بالدار الآخرة، {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} أي: لا نثقل موازينهم؛ لأنها خالية عن الخير 67.

ثانيًا: النفاق:

ومن مجالات الاستدراج: النفاق.

قال تعالى عن المنافقين: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) } [البقرة:9] إلى قوله: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) } [البقرة:15] .

وقال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء:142] .

فالمنافقون يظنون أنهم بإظهارهم الإيمان وإبطانهم الكفر يخادعون المؤمنين، ويطلعون على أسرارهم، ويأمنونهم على أنفسهم، ويشاركونهم في إجراء أحكام الإسلام عليهم، وما علم المنافقون أنهم في حقيقة الأمر لا يخدعون إلا أنفسهم، «إذ ضرر عملهم لاحقٌ بهم، فهم يغرون أنفسهم بالأكاذيب ويلقونها في مهاوى الهلاك والردى» 68، فالله تعالى يمهلهم ويمدهم في طغيانهم وغيهم استدراجًا إلى ما أعده لهم من عذابه الأليم.

قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) } [النساء:145] .

يقول سيد قطب: «وهذه لمسة أخرى من لمسات المنهج للقلوب المؤمنة. فإن هذه القلوب لا بد أن تشمئز من قوم يخادعون الله. فإن هذه القلوب تعرف أن الله سبحانه- لا يخدع - وهو يعلم السر وأخفى، وهي تدرك أن الذي يحاول أن يخدع الله لا بد أن تكون نفسه محتوية على قدر من السوء ومن الجهل ومن الغفلة كبير. ومن ثم تشمئز وتحتقر وتستصغر كذلك هؤلاء المخادعين! ويقرر عقب هذه اللمسة أنهم يخادعون الله {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} أي: مستدرجهم وتاركهم في غيهم لا يقرعهم بمصيبة تنبههم ولا يوقظهم بقارعة تفتح عيونهم، تاركهم يمضون في طريق الهاوية حتى يسقطوا» 69.

ثالثًا: الظلم:

ومن مجالات الاستدراج الظلم والبغي، فالظالمون يتسلطون على الضعفاء والمساكين، ويسلبونهم حقوقهم، ويقهرونهم ويستعبدونهم، ومن ذلك ما قصه الله تعالى في كتابه من نبأ فرعون طاغية زمانه مع بني إسرائيل.

قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) } [القصص:4] .

قال المفسرون: يخبر تعالى عن فرعون مصر أنه تكبر وتجبر وطغى، وجعل أهل تلك البلاد أصنافًا، قد صرف كل صنف فيما يريد من أمور دولته، وكان يستضعف طائفة منهم، وهم بنو إسرائيل، وكانوا في ذلك الوقت خيار أهل زمانهم، فكان فرعون يستعملهم في أخس الأعمال، ويكدهم ليلًا ونهارًا في أشغاله وأشغال رعيته، ويقتل مع هذا أبناءهم، ويستحيي نساءهم، أي: يستبقيهن أحياءً، إهانة لهم واحتقارًا، وبنو إسرائيل مستضعفون عاجزون عن دفع الأذى عن أنفسهم 70.

وقد أملى الله تعالى لفرعون وأمهله حتى يزداد إثمًا وبغيًا، ويزداد بنو إسرائيل صبرًا وثوابًا، ثم إذا جاء أجله الذي أجله الله له أخذه أخذ عزيز مقتدر، وجعله عبرة لمن يعتبر.

قال تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) } [الأعراف:137] .

وقال تعالى: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26) } [النازعات: 25 - 26] .

وقد بيَن الله تعالى إمهاله للظالمين واستدراجه لهم في قوله: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48) } [الحج:48] .

أي: «وكثير من القرى كانت ظالمة بإصرار أهلها على الكفر، فأمهلتهم، ولم أعاجلهم بالعقوبة فاغتروا، ثم أخذتهم بعذابي في الدنيا، وإلي مرجعهم بعد هلاكهم، فأعذبهم بما يستحقون» 71.

وجاء في الحديث عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) .

قال: ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) } [هود:102] 72.

فالله تعالى يمهل الظالم إلى وقت عذابه، ولكنه لا يهمله، كما قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) } [إبراهيم:42 - 43] .

أي: لا تحسبه إذ أنظرهم وأجلهم أنه غافل عنهم مهمل لهم، لا يعاقبهم على صنعهم، بل هو يحصي ذلك عليهم ويعده عدا، ولذلك قال تعالى: {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} أي: من شدة الأهوال يوم القيامة 73، «يقال شخص بصر فلان أي فتحه فلم يغمضه» 74.

قال القاسمي: « {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ} أي: بإمهالهم متمتعين بشهواتهم، ولا يعجل عقوبتهم {لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} أي ترتفع فيه أبصار أهل الموقف، لهول ما يرون، فلا تقر أعينهم في أماكنها ولا تطرف» 75.

والجملة تعليل للنهي السابق في الآية، وفيها تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإعلام للمشركين بأن تأخير العذاب عنهم ليس للرضا بأفعالهم، بل سنة الله سبحانه في إمهال الظالمين والعصاة 76.

ثم ذكر تعالى كيفية قيامهم من قبورهم، ومجيئهم إلى المحشر، فقال: {مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} أي: «يقوم الظالمون من قبورهم مسرعين لإجابة الداعي رافعي رؤوسهم لا يبصرون شيئًا لهول الموقف، وقلوبهم خالية ليس فيها شيء؛ لكثرة الخوف والوجل من هول ما ترى» 77.

رابعًا: الفسق وسائر المعاصي:

ومن مجالات الاستدراج الفسق وسائر المعاصي، فإن الله عز وجل يوسع على الفساق العصاة مع انهماكهم في معصيتة، وييسر أمورهم، وما ذلك إلا من استدراجه تعالى لهم، حتى يترك هؤلاء العصاة الغافلون التوبة والإنابة مما فعلوه، ويتمادوا في معاصيهم وآثامهم، فيأخذهم بغتة.

عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج) .

ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) } [الأنعام:44] 78.

فيبين النبي صلى الله عليه وسلم أن بسط الدنيا للعاصي ليس دليلًا على كرامته على الله عز وجل أو محبة الله عز وجل له، بل الحقيقة أن ذلك من مكر الله عز وجل به واستدراجه له، فيعطيه الله من الدنيا ما يحب، ويبسط له الأرزاق، حتى ينسيه التوبة والإنابة، وما ينفع العاصي ما هو فيه من النعيم يوم القيامة شيئًا، كما قال سبحانه: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) } [الشعراء:205 - 207] .

ومن استدراجه تعالى للعصاة أن ييسر لهم أسباب المعصية ويعينهم عليها.

يقول الشيخ ابن عثيمين: «انتبه لهذا الاستدراج من الله عز وجل إذا يسر الله لك أسباب المعصية، فلا تفعل، فإن الله ربما ييسر أسباب المعصية للإنسان فتنة له، أرأيتم أصحاب السبت من بني إسرائيل يسرت لهم أسباب المعصية فتنة، وهي أن الله حرم عليهم صيد السمك يوم السبت، فكانت الحوت تأتي يوم السبت شرعًا على وجه الماء، وبكثرة عظيمة، لكنهم ملتزمون لم يصيدوا السمك في يوم السبت، فلما طال عليهم الأمد عجزوا عن ملك أنفسهم، فرجعوا إلى طبيعتهم وهي الغدر والحيلة والمكر، فاحتالوا على صيد السمك، صاروا يجعلون شباكًا يوم الجمعة فتأتي الحيتان وتدخل في الشباك، فإذا كان يوم الأحد أخذوا الحيتان، وهذه حيلة واضحة، فقلبهم الله قردة، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) } [البقرة:65] .

وفي صدر هذه الأمة حرم الله على المحرمين الصيد، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة:95] .

فبعث الله الصيد عليهم وهم محرمون تناله أيديهم ورماحهم 79، يعني أن الذي يمشي على الأرض يمسكونه باليد، مثل: الأرنب والغزال، يمسكه الواحد باليد، والطائر الذي كان لا ينال إلا بالسهم لأنه بعيد، صار يطير وكأنه على الأرض، الرمح يدركه، فتنة، فهنا يسر الله لهم أسباب المعصية، لكن الصحابة رضي الله عنهم، وهم خير الناس لم يأخذ أحد منهم صيدة واحدة رضي الله عنهم، بينما بنو إسرائيل تحيلوا وخادعوا الله، أما سلف هذه الأمة، وفقنا الله لموافقتهم في الدنيا في أعمالهم، وفي الآخرة في مساكنهم فإنهم لم يأخذوا» 80.

1.أولًا: الفتح بالنعم:

قال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام:44] .

أي: لما نسوا ما ذكروا به من البأساء والضراء، فتحنا عليهم أبواب كل شيء من فنون النعماء استدراجًا منا لهم 81.

وقال تعالى: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55) } [التوبة:55] .

فنهى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن أن يستحسن شيئًا مما أنعم به على المنافقين من كثرة الأموال والأولاد؛ لأنها استدراج من الله تعالى لهم، يريد أن يعذبهم بها في الدنيا بما يلقون في جمعها من المشقة، وفي حفظها من الوجل، وفي إنفاقها من الكره، وفيها من المصائب 82، «ويميتهم حين يميتهم على الكفر، ليكون ذلك أنكى لهم وأشد لعذابهم - عياذًا بالله من ذلك -، وهذا يكون من باب الاستدراج لهم فيما هم فيه» 83.

قال أبو السعود: « {وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} فيموتوا كافرين مشتغلين بالتمتع عن النظر في العاقبة، فيكون ذلك لهم نقمة لا نعمة، وأصل الزهوق الخروج بصعوبة» 84.

وهذه الآية نظير قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) } [الحجر:87 - 88] .

قال الشنقيطي: «لما بين تعالى أنه آتى النبي صلى الله عليه وسلم السبع المثاني والقرآن العظيم، وذلك أكبر نصيب، وأعظم حظ عند الله تعالى، نهاه أن يمد عينيه إلى متاع الحياة الدنيا الذي متع به الكفار؛ لأن من أعطاه ربه جل وعلا النصيب الأكبر والحظ الأوفر، لا ينبغي له أن ينظر إلى النصيب الأحقر الأخس، ولاسيما إذا كان صاحبه إنما أعطيه لأجل الفتنة والاختبار.

وأوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع؛ كقوله تعالى: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) } [طه:130 - 132] .

والمراد بالأزواج هنا: الأصناف من الذين متعهم الله بالدنيا» 85.

«والمعنى: لا تحفل- أيها الرسول الكريم- ولا تطمح ببصرك طموح الراغب في ذلك المتاع الزائل، الذي متع الله تعالى به أصنافًا من المشركين فإن ما بين أيديهم منه، شيء سينتهي عما قريب، وقد آتاهم الله تعالى إياه على سبيل الاستدراج والإملاء، وأعطاك ما هو خير منه وأبقى، وهو القرآن العظيم» 86.

وقال تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) } [الكهف:28] .

ونزلت هذه الآية في سادات كفار قريش، الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم طرد فقراء المسلمين الذين -يدعون الله غدوًا وعشيًا- من حوله 87، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على أهل الإيمان من الذاكرين العابدين، ونهاه عن طاعة أهل الكفر ممن استدرجهم تعالى بنعمه، وأغفلهم بها عن ذكره.

قال ابن كثير: « {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} ، أي: شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} ، أي: أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع، ولا تكن مطيعًا له، ولا محبًا لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه، كما قال تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) } [طه:131] » 88.

وهكذا يبين تعالى أن هذا الإنعام على بعض الكفار دون المؤمنين ليس حبًا لهم أو رضًا عنهم، وإنما أغفلهم الله بها عن ذكره وطاعته ولقائه، استدراجًا منه تعالى لهم.

وقد بيَن الله تعالى اغترار بعض عباده واستدراجهم بما أنعم عليهم من النعم، من ذلك قوله تعالى مخبرًا عن أهل الكفر: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) } [الأحقاف:11] .

أي: أنكروا أن يمن الله على الضعفاء والفقراء من المؤمنين بالإيمان -إن كان خيرًا - دونهم، زعما منهم أنهم أحق بكل خير منهم.

قال الشنقيطي: «مرادهم أن فقراء المسلمين وضعفاءهم - كبلال وعمار وصهيب وخباب ونحوهم - أحقر عند الله من أن يختار لهم الطريق التي فيها الخير، وأنهم هم الذين لهم عند الله عظمة وجاه واستحقاق السبق لكل خير؛ لزعمهم أن الله أكرمهم في الدنيا بالمال والجاه، وأن أولئك الفقراء لا مال لهم ولا جاه، وأن ذلك التفضيل في الدنيا يستلزم التفضيل في الآخرة» 89.

وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37) } [سبأ:34 - 37] .

قال السعدي: «يخبر تعالى عن حالة الأمم الماضية المكذبة للرسل، أنها كحال هؤلاء الحاضرين المكذبين لرسولهم محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الله إذا أرسل رسولًا في قرية من القرى، كفر به مترفوها، وأبطرتهم نعمتهم وفخروا بها، {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا} أي: ممن اتبع الحق، {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} أي: أولا لسنا بمبعوثين، فإن بعثنا، فالذي أعطانا الأموال والأولاد في الدنيا، سيعطينا أكثر من ذلك في الآخرة ولا يعذبنا.

فأجابهم الله تعالى، بأن بسط الرزق وتضييقه، ليس دليلًا على ما زعمتم، فإن الرزق تحت مشيئة الله، إن شاء بسطه لعبده، وإن شاء ضيقه، وليست الأموال والأولاد بالتي تقرب إلى الله زلفى وتدني إليه.

وإنما الذي يقرب منه زلفى، الإيمان بما جاء به المرسلون، والعمل الصالح الذي هو من لوازم الإيمان، فأولئك لهم الجزاء عند الله تعالى مضاعفًا، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة» 90.

وهكذا بيَن تعالى اغترار أهل الكفر بما أنعم عليهم من الأموال والأولاد، ويحسبونه دليلًا على صحة اعتقادهم، وما ذلك إلا من استدراج الله تعالى لهم.

وقد رد الله تعالى عليهم في عدة مواضع من كتابه، ومن ذلك قوله جل شأنه: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6) } [الأنعام:6] .

قال ابن كثير: «قال تعالى واعظًا ومحذرًا لهم أن يصيبهم من العذاب والنكال الدنيوي ما حل بأشباههم ونظرائهم من القرون السالفة الذين كانوا أشد منهم قوة، وأكثر جمعًا، وأكثر أموالًا وأولادًا واستغلالًا للأرض وعمارة لها.

فقال: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ} ، أي: من الأموال والأولاد والأعمار، والجاه العريض، والسعة والجنود، {وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا} ، أي: شيئًا بعد شيء، {وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ} ، أي: أكثرنا عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض، أي: استدراجًا وإملاء لهم، {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} ، أي: بخطاياهم وسيئاتهم التي اجترحوها، {وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} ، أي: فذهب الأولون كأمس الذاهب وجعلناهم أحاديث، {وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} ، أي: جيلًا آخر لنختبرهم، فعملوا مثل أعمالهم فهلكوا كهلاكهم.

فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فما أنتم بأعز على الله منهم، والرسول الذي كذبتموه أكرم على الله من رسولهم، فأنتم أولى بالعذاب ومعاجلة العقوبة منهم، لولا لطفه وإحسانه» 91.

ثانيًا: الإطالة في العمر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت