فهرس الكتاب

الصفحة 941 من 2431

ومن الأمانة بمعنى: الوديعة ما تحمّله إخوة يوسف إذ عاهدوا أباهم على ردّه، وهم قد أضمروا به السّوء؛ {قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [يوسف: 11 - 12] ؛ أي: نحوطه ونكلؤه. ولم يكن منهم وفاءٌ، وكان من شأنهم ما كان.

ثمّ لمّا أدال الله عز وجل عليهم، ودخلوا على يوسف -وهم لم يعرفوه- يطلبون الميرة لأهليهم، فطلب منهم أن يرجعوا إليه ومعهم أخوهم، {فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 63 - 64] .

وإنّما لم يأتمنهم يعقوب عليه؛ لأنّ لهم سابقةً مع يوسف لم يوفوا فيها. ولمّا كان تفريطهم وتضييعهم في المرّة الأولى بتخطيطٍ منهم وإصرارٍ، فقد شاء الله عز وجل أن يعجزوا عن صيانة الأمانة للمرّة الثانية؛ إذ كان ليوسف إرادةٌ في استبقاء أخيه لأمرٍ أراده الله. فلمّا تمّ له ذلك ذهبوا يترجّون يوسف في افتداء أخيهم بأحدهم، فأبى، وهنا لم يجدوا مخرجًا إلا الاعتراف بعجزهم وتقصيرهم: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} [يوسف: 80 - 81] .

لما يئسوا من تخليص أخيهم وهم قد التزموا لأبيهم بردّه إليه، وعاهدوه على ذلك، انفردوا عن الناس يتناجون فيما بينهم، فيذكّرهم كبيرهم بالميثاق الذي أخذه عليهم أبوهم، ويذكّرهم بتفريطهم في يوسف؛ فإنّ الثانية غير الأولى، ولو كانت أوّل سقطةٍ لأمّلوا في صفح أبيهم ورضائه. ثمّ يقترح عليهم كبيرهم الحلّ الذي قد يبرئ ساحتهم عند أبيهم بأن يخبروه أنّ ابنه سرق، وما قلنا: إنّه سرق إلا بظاهر علمنا بأنّ ذلك كذلك؛ لأنّ صواع الملك أصيب في وعائه دون أوعية غيره، وما كنا للغيب حافظين، وما كنا نرى أنّ ابنك يسرق ويصير أمرنا إلى هذا، وإنما تعهّدنا بأن نحفظ أخانا مما لنا إلى حفظه منه السبيل، وهذا ليس منه 195.

ولا نزال مع قصّة يوسف؛ لنرى تحمّل يوسف الأمانة، وهو المشهود له من صاحبي السجن: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 36] .

والمشهود له من النسوة: {قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} [يوسف: 51] .

والمشهود له من امرأة العزيز وهي خصمه: {وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [يوسف: 51] .

فلم يكن من المستغرب أن يقول له الملك حين رآه: {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف: 54] ؛ أي: إنك يا يوسف لدينا مكينٌ أمينٌ؛ أي: متمكّنٌ مما أردتّ، وعرض لك من حاجةٍ؛ لرفعة مكانك ومنزلتك لدينا، أمين على ما اؤتمنت عليه من شيء 196.

سادسًا: حفظ الأيمان:

الأيمان: جمع يمين، وأصلها العضو، واستعملت في الحلف مجازًا؛ لأنّهم كانوا يتماسحون بأيمانهم فيتحالفون 197.

وقد أمر الله عز وجل بحفظ الأيمان بقوله تعالى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} [المائدة: 89] .

وفي بيان المراد بحفظ الأيمان عدة أقوال للمفسّرين والأصوليين وغيرهم، ليس بينها -في الجملة- تعارضٌ ولا تدافعٌ، ولذا سنوردها على أنّها صورٌ لحفظ الأيمان، من فرّط في واحدةٍ منها فقد فرّط في قدرٍ من حفظ الأيمان المأمور به في الآية الكريمة. وترتيب هذه الصّور من لحظة العزم على عقد اليمين؛ لا بترتيب أخطرها أثرًا، ولا أرجحها معنًى.

الأولى: حفظ اليمين بالإقلال منها، والضنّ بها، وعدم بذلها لكلّ أمرٍ 198، وقد ذهب جماعةٌ إلى أنّه المراد بقوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} [البقرة: 224] ؛ أي: لا تستكثروا من الأيمان؛ فإنّ من كثر يمينه فقد جعل اسم الله عرضةً للهتك، وقد ذمّ الله عز وجل كثرة الحلف في قوله تعالى: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} [القلم: 10] ؛ ذلك أنّ من حلف بالله في كلّ قليل وكثير، انطلق لسانه بذلك، فلم يبق لليمين في قلبه وقعٌ، فلا يؤمن إقدامه على الأيمان الكاذبة. وكلما كان الإنسان أكثر تعظيمًا لله كان أكمل في العبودية، ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله أجلّ وأعلى عنده من أن يستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية 199.

الثانية: فإن كان حالفًا فليحفظ يمينه أن يحلف بغير الله، فعن ابن عمر رضي الله عنهما، أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) 200.

وعن عمر رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا إنّ الله عز وجل ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت) 201. والأحاديث في الباب كثيرةٌ.

الثالثة: حفظ اليمين أن يحلف على إثمٍ، أو قطيعة رحم، أو أن يحلف فيما لا يملك؛ قال تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النور: 22] ؛ نزلت في شأن أبي بكر ومِسْطَح رضي الله عنهما وكان ابن خالة أبي بكر رضي الله عنه وفي نفقته، وهو رجل من أهل بدر من المهاجرين الأوّلين رضي الله عنهم، فلما ذكر في عائشة ما ذكر في حادث الإفك، ونزلت براءتها من السماء، حلف أبو بكر ألا ينفق عليه، وكان مسكينًا لا شيء له، فنزلت هذه الآية 202.

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم، ولا في معصية الله، ولا في قطيعة رحمٍ) 203.

الرابعة: حفظ اليمين بعدم تعمّد الأيمان الكاذبة، فقوله تعالى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} يحتمل أن يكون المراد منه: لا تتعمّدوا الأيمان الكاذبة، وهو قول سعيد بن جبير 204، وبه قال مقاتل 205.

وإنّ متعمّد اليمين الكاذبة بغير ضرورة تصيّره إليها، قد اجترح كبيرةً من الكبائر؛ وهي اليمين الغموس.

قال تعالى: {وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 94] .

حذّر الله تعالى عباده من اتخاذ الأيمان خديعةً ومكرًا؛ لئلا تزلّ قدمٌ بعد ثبوتها؛ مثل لمن كان على الاستقامة فحاد عنها وزلّ عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة المشتملة على الصدّ عن سبيل الله؛ لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به، لم يبق له وثوقٌ بالدين، فانصد بسببه عن الدخول في الإسلام 206.

وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: (الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس) 207.

واليمن الغموس هو أن يحلف الرجل على الماضي متعمّدًا الكذب؛ بأن يقول: والله فعلت كذا، أو: والله ما فعلت كذا، وهو يعلم أنّه كاذب ما فعله، أو أنه فعله. وأعظمها أن يحلف الرجل كاذبًا؛ ليذهب بمال أحد أو حقّه. وسمّي غموسًا؛ لأنه يدخل صاحبه في النار، أو في الإثم 208. وفاعل ذلك مفرّطٌ -ولا شكّ- في حفظ الأيمان.

الخامسة: حفظ اليمين من الحنث فيها 209. فمن حلف فليجتهد أن يوفّي كما حلف.

السادسة: ومن حفظ الأيمان ألّا يجعلها تحول بينه وبين البرّ والتقوى والإصلاح بين الناس، فيحلف على عدم فعل البرّ، ويتذرّع إلى القطيعة والركود عن السعي في الإصلاح؛ بأنّه أقسم على ألا يصل وألا يصلح، وهو أحد وجهي تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} [البقرة: 224] ؛ معناه: ولا تجعلوه علّة لأيمانكم؛ وذلك إذا سئل أحدكم الشيء من الخير والإصلاح بين الناس.

قال: عليّ يمينٌ بالله إلا أفعل ذلك، أو: قد حلفت بالله أن لا أفعله. فيعتلّ في تركه فعل الخير، والإصلاح بين الناس بالحلف بالله 210.

وهو كقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: (من حلف على يمينٍ فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خيرٌ وليترك يمينه) 211.

فمن فعل ترك إتيان الذي هو خيرٌ متذرّعًا بيمينه فقد أعرض وضيّع وفرّط بقدر ما ترك من الخير؛ لأنّه وضعها في غير موضعها الذي شرعه الله عز وجل من أجلها، وترك الامتثال لله ورسوله، وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (والله لأن يلجّ أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه) 212.

يريد به أنّ الرجل إذا حلف على شيءٍ وأصرّ عليه لجاجًا مع أهله، كان ذلك أدخل في الوزر وأفضى إلى الإثم من أن يحنث في يمينه ويكفّر عنها؛ لأنّه جعل الله بذلك عرضة الامتناع عن البرّ والمواساة مع الأهل وأصرّ على اللجاج 213.

والفرق بين هذه الصورة وبين الصورة الثالثة: أنّ هذه الصورة فيمن عقد اليمين ثمّ رأى غيرها خيرًا منها، أمّا الصورة الثالثة: ففي من عقد اليمين ابتداءً مع كونه يعلم أنّ غيرها خيرٌ منها وأبرّ، أو يعلم أنّه فيما ينويه ويحلف عليه آثمٌ أو تاركٌ للأولى.

وهذه الصورة مخصوصةٌ من عموم وجوب عدم الحنث في الأيمان، فلا تعارض.

السابعة: من صور حفظ الأيمان أن يحفظ المرء كيف حلف بها، وعلام حلف تحديدًا، فلا ينسى ذلك تهاونًا بها 214. وأمّا الذي غلب على النسيان فهو معذورٌ بنسيانه.

الثامنة: حفظ الأيمان من أن يحنث فيها ثم يضيّع كفّارتها، بل عليه أن يبادر لأداء الكفّارة إذا حنث 215.

فهذه الصّور كلّها داخلةٌ في حفظ الأيمان، من وعاها وراعاها فقد أدّى ما عليه. والله المستعان.

أولًا: ثواب الحافظين في الدنيا والآخرة:

رأينا أنّ الحفظ عقدٌ فريدٌ ينتظم درّ الطاعات، فهو رعايةٌ ووفاءٌ وتقوى، وهو جهادٌ في تزكية النّفس، وترقيتها في مراقي الكمال. وإذًا فكلّ ثمرةٍ مخصوصةٍ لطاعةٍ مخصوصةٍ فهو ثمرةٌ للحفظ في الدنيا والآخرة. وما وعد حافظٌ بأفضل من قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} [الأنفال: 29] .

وبقوله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] .

وأمثال ذلك من الآيات، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك) 216، ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكفى به حاديًا للحفظة.

ومن حفظ حدود الله، وراعى حقوقه، حفظه الله، فإنّ الجزاء من جنس العمل 217.

ومن حفظ الله للحافظ المراعي أن يحفظه في مصالح دنياه؛ فيحفظه في عقله، ومن سنن الله عز وجل في خلقه أن يجد المعمّر وهنًا في قوّته، وضعفًا في قدراته العقلية، فطبعيٌّ أن ينكر من نفسه وينكر منه بعض ما كان يمدح به من رجاحة العقل، وحدّة الذاكرة، وجودة التفكير. ونحو ذلك.

يقول تعالى: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} [النحل: 70] .

إلا أنّ العلماء العاملين وقرّاء القرآن الحافظين لا يجري عليهم هذا القانون بمثل ما يجري على غيرهم؛ قال ابن عباس: «من قرأ القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر، وذلك قوله تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [التين: 5 - 6] .

قال: إلا الذين قرؤوا القرآن» 218.

وعن عكرمة قال: «من قرأ القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر» 219.

وعن الشّعبيّ قال: «من قرأ القرآن لم يخرف» 220.

وعن طاوس قال: «إن العالم لا يخرف» 221.

وعن عبد الملك بن عمير قال: «كان يقال: إنّ أبقى الناس عقولًا قرأة القرآن» 222.

وعن محمد بن كعب قال: «من قرأ القرآن متّع بعقله وإن بلغ مائتي سنة» 223.

قال الشنقيطي: «وقال بعض العلماء: إنّ العلماء العاملين لا ينالهم هذا الخرف، وضياع العلم والعقل من شدة الكبر. ويستروح لهذا المعنى من بعض التفسيرات في قوله تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [التين: 5 - 6] » 224.

ومن ذلك حفظ الله أبدان الحافظين؛ ومن حفظ الله في صباه وقوته، حفظه الله في حال كبره وضعف قوته، ومتّعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله.

قال القاضي ابن بكران الشاميّ: «قلت للقاضي أبي الطيب الطبريّ شيخنا وقد عمّر: لقد متّعت بجوارحك أيها الشيخ! قال: ولم؟ وما عصيت الله بواحدة منها قطّ. أو كما قال» 225.

وقد توفّي أبو الطيّب الطبريّ عن مائة وسنتين، لم يختلّ عقله، ولم يتغيّر فهمه، يفتي مع الفقهاء، ويستدرك عليهم الخطأ، ويقضي، ويشهد، ويحضر المواكب إلى أن مات 226.

ومن ثمرات الحفظ أن يحفظ المرء في ولده وفي ذرّيته، بل يحفظ بصلاحه بعد موته في ذريته، في قصة صاحب الكنز؛ إذ حفظ لولديه كنزهما بصلاحه: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} [الكهف: 82] .

وقال ابن المسيّب: «إنّي لأصلّي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي» . وقال محمد بن المنكدر: «إنّ الله يحفظ بصلاح العبد ولده وولد ولده وعترته وعشيرته وأهل دويراتٍ حوله، فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم» 227.

ومن ثمرات الحفظ في الدنيا أن يحفظ الله على الحافظ ماله ويوسّع رزقه وينفّس كربه؛ قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2 - 3] .

وأهمّ ثمرات الحفظ أن يحفظ الله عز وجل على المرء دينه، ويعصمه من الزلل والتردّي في هوى المعاصي ونتنها وحمأتها؛ وذلك أنّ التقوى تفتح للعبد نور البصيرة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال: 29] .

وقال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24] .

قال ابن عبّاس والضحّاك بن مزاحم في معناه: «يحول بين المؤمن وبين معصيته» 228.

وفي قصة حادث الإفك تقول عائشة رضي الله عنها: (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: يا زينب، ما علمت، ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرًا. قالت: وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع) 229. كيف لا وقد وصفتها السيدة عائشة، قالت: (ولم أر امرأةً قطّ خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تصدّق به، وتقرّب به إلى الله تعالى) 230.

ومن ذلك أنّ الله عز وجل يحفظ المرأة الصالحة بما حفظت حدود الله، كما دلّ عليه قوله تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34] .

وأمّا جزاء الحافظين في الآخرة فقد وعدهم ربّهم: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 31 - 35] .

والأوّاب الحفيظ هو الحفيظ لكلّ ما قرّبه إلى ربه من الفرائض والطاعات والذنوب التي سلفت منه بالتوبة والاستغفار 231.

والحفظ ملكةٌ تورث التحفّظ والتيقّظ والإدمان على محاسبة النّفس وحفظ أخطائها عليها ومجازاتها بها حرمانًا من ملذّاتها، ومنعها من الاسترسال في نيل شهواتها، ولذا نقل عن ابن عبّاس: «أنّ الحفيظ هو الذي حفظ ذنوبه حتّى رجع عنها وتاب منها» 232. وإنّما خفّ الحساب على أمثال هؤلاء، فكانوا جديرين بالمغفرة، حقيقين بمنازل الأبرار: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 10 - 11] .

و {أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} [المعارج: 35] .

وفوق ذلك: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 35] .

وهو النّظر إلى وجه الله الكريم.

ثانيًا: مغبّات التضييع في الدنيا والآخرة:

لو لم يكن من مغبّات التضييع إلا أنّ صاحبه محرومٌ مما حظي به الحافظون، لكفاه ذلك غبنًا، فمن ضيّع الله ضيّعه الله، فضاع بين خلقه؛ حتى يدخل عليه الضرر والأذى ممّن كان يرجو نفعه من أهله وغيرهم، كما قال الفضيل بن عياض: «إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق خادمي ودابّتي» 233.

ومن التضييع أن يكلهم الله إلى أنفسهم وإلى شياطينهم؛ فيزيّنوا لهم سوء عملهم فيروه حسنًا، وهم مع ذلك محجوبون عن الانتفاع بالذكرى، والاتّعاظ بالموعظة؛ لإعراضهم عن ذلك كلّه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [الكهف: 57] .

قال الشنقيطي: «وما ذكره في هذه الآية الكريمة من أنّ الإعراض عن التذكرة بآيات الله من أعظم الظلم، قد زاد عليه في مواضع أخر بيان أشياء من النتائج السيئة، والعواقب الوخيمة الناشئة من الإعراض عن التذكرة؛ فمن نتائجه السيئة: ما ذكره هنا من أنّ صاحبه من أعظم الناس ظلمًا، ومن نتائجه السيئة: جعل الأكنّة على القلوب حتى لا تفقه الحقّ، وعدم الاهتداء أبدًا. ومنها: انتقام الله عز وجل من المعرض عن التذكرة، كما قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة: 22] .

ومنها: الإنذار بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، كما قال تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13] .

ومنها: المعيشة الضنك والعمى، كما قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124] .

ومنها: سلكه العذاب الصعد، كما قال تعالى: {وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا} [الجنّ: 17] .

ومنها: تقييض القرناء من الشياطين، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36] .

إلى غير ذلك من النتائج السيئة والعواقب الوخيمة الناشئة عن الإعراض عن التذكير بآيات الله جل وعلا» 234.

فالمضيّعون مضيّعون في أمر معاشهم ودنياهم، وفي أبدانهم وقواهم، وفي أولادهم وأهليهم، مضيّعون في الدّنيا ضيّقةٌ أرزاقهم ممحوقة بركتها، ومعذّبون في قبورهم، ومنسيّون في النار؛ لقوله: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت