أولًا: المعنى اللغوي:
الإنفاق مصدر للفعل الرباعي أنفق، فيقال: أنفق ينفق إنفاقًا، فهو منفق، والمفعول منفق (للمتعدي) ، أنفق مالًا: صرفه وأنفده، وهو بذل المال ونحوه في وجه من وجوه الخير، ويأتي بمعنى الفقر والإملاق؛ لأن الإنفاق سبب للافتقار من الشيء المنفق 1.
ومنه (النفقة) : وهي اسم لما ينفق من الدراهم والزاد ونحوهما، وما يفرض للزوجة على زوجها من مال للطعام والكساء والسكنى والحضانة ونحوها، والجمع: نفقات، ونفاق 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يوجد كبير فرق بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للإنفاق، وقد عرفه الجرجاني بقوله: «هو صرف المال في الحاجة» 3. واختار الراغب: أنه يكون في المال وغيره 4.
فهو على هذا بذل المال ونحوه في وجوه الخير، ويطلق أيضًا على ما ينفقه الرجل على نفسه وعلى عياله.
ويشمل كل ما أمر الله به في دينه من الإنفاق، سواء كان إنفاقًا في حج أو عمرة، أو كان جهادًا بالنفس، أو تجهيزًا للغير، أو كان إنفاقًا في صلة الرحم، أو في الصدقات، أو على العيال، أو في الزكوات والكفارات، أو عمارة السبيل وغير ذلك.
والتعريف المختار للإنفاق أنه: إخراج المال من ملكية صاحبه، في سبيل تحصيل منفعة صحيحة، عينية أو معنوية، له أو لغيره.
وردت مادة (نفق) في القرآن (73) مرة 5.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 18 ... {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا} [الكهف: 42]
الفعل المضارع ... 41 ... {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 272]
فعل الأمر ... 9 ... {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ (254) } [البقرة: 254]
المصدر ... 1 ... {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ (100) } [الإسراء: 100]
اسم ... 3 ... {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ (270) } [البقرة: 270]
اسم فاعل ... 1 ... {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17) } [آل عمران: 17]
وجاء الإنفاق في القرآن على أربعة أوجه 6:
الأول: الصدقة والزكاة: ومنه قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) } [البقرة: 3] . يعني: يتصدقون ويؤدون الزكاة.
الثاني: النفقة الواجبة: ومنه قوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6] . يعني: على الزوجات.
الثالث: الإعمار: ومنه قوله تعالى: {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا} [الكهف: 42] .يعني: ما عمر فيها.
الرابع: الرزق: ومنه قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64] . يعني: يرزق.
الزكاة:
الزكاة لغة:
النماء، يقال: زكى الزرع يزكو، أي: نما، وهي الطهارة والبركة والمدح 7.
الزكاة اصطلاحًا:
إيجاب طائفة من المال في مال مخصوص لمالكٍ مخصوص، معتبرًا فيه الحول والنصاب 8.
الصلة بين الإنفاق والزكاة:
الإنفاق أعم من الزكاة من حيث أحكام الشرع وأصناف المال، فالإنفاق يكون في عموم أنواع المال، ويكون على سبيل الوجوب والاستحباب والإباحة، بينما الزكاة فهي مقدرة في مال مخصوص، ولها حكم الوجوب فقط.
التصدق:
التصدق لغة:
إعطاء الصدقة، تصدق: أي أعطى الصدقة 9.
التصدق اصطلاحًا:
ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة 10.
الصلة بين الإنفاق والتصدق:
الإنفاق أعم من التصدق من حيث أحكام الشرع، فالإنفاق يكون على سبيل الوجوب والاستحباب والإباحة، أما التصدق فلها حكم الاستحباب فقط.
الإقراض:
الإقراض لغة:
مصدر من أقرضته المال إقراضًا، ومنه القرض، والجمع قروضٌ 11.
الإقراض اصطلاحًا:
هو إعطاء غيرك من مالك لتقضاه 12.
الصلة بين الإنفاق و الإقراض:
أن الإنفاق فيه إخراج للمال من الملكية، بينما الإقراض يبقى فيه المال ملك لمخرجه في ذمة غيره؛ ليرده له.
الإيتاء:
الإيتاء لغة:
الإعطاء، آتى يؤاتي إيتاءً، وآتاه إيتاءً، أي: أعطاه، ويقال: آتاه الشيء، أي: أعطاه إياه 13.
الإيتاء اصطلاحًا:
إعطاء المال للغير على سبيل التمليك وحرية التصرف.
الصلة بين الإيتاء والإنفاق:
الإنفاق أعم من الإيتاء، فالإنفاق قد يكون على سبيل التمليك المفضي إلى حرية التصرف، وقد يكون التصرف في المال مشروطًا، أو يكون له مقابل، بينما الإيتاء لا يكون إلا على سبيل التمليك، ولا يكون مشروطًا، أو له مقابل، وإن لم يكن كذلك فليس بإيتاء 14.
الإعطاء:
الإعطاء لغة:
المناولة، أعطاه الشيء أي: ناوله إياه.
الإعطاء اصطلاحًا:
هو مناولة الشيء للآخر على سبيل تصرف مأذون فيه من المناول 15.
الصلة بين الإنفاق والإعطاء:
الإنفاق هو إخراج المال من الملك، والإعطاء لا يقتضي إخراج المعطى المال من الملك 16.
البخل:
البخل لغة:
منع الفضل والإمساك عن البذل، منع الرجل القادر العطاء بالمعروف من ماله 17.
البخل اصطلاحًا:
هو إمساك المال وعدم صرفه في الوجوه المعتبرة حرصًا على بقائه وزيادته وخوفًا من نفاده 18.
الصلة بين الإنفاق والبخل:
بينهما نوع تضاد، فالإنفاق هو البذل تلبية لسد الحاجة، والبخل الإمساك عن البذل وإن دعت إليه الحاجة.
تنوعت أساليب القرآن في الحديث عن الإنفاق، وهذا ما سنتناوله بالبيان فيما يأتي:
أولًا: الأمر بالإنفاق:
جاء الأمر بالإنفاق، وبذل المال في سبيل الله صريحًا في القرآن الكريم، فقال تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195] .
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 254] .
وقال تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} [الحديد: 7] .
وقال تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10] .
وقال تعالى: {وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [التغابن: 16] .
وقال تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} [الطلاق: 7] .
فهذه الأوامر المتكررة في الآيات السابقة بالإنفاق من الأموال جاءت بصيغة الأمر (أنفقوا) و (لينفق) ، فإن كان المراد بالإنفاق هو الزكاة فلا إشكال؛ لأن الزكاة واجبة، بل ركن من أركان الإسلام، فتحمل هذه الأوامر على الوجوب.
وحجة هذا القول أن قوله: {وَأَنْفِقُوا} أمر، وظاهر الأمر للوجوب، والإنفاق الواجب ليس إلا الزكاة، وسائر النفقات الواجبة، والقرآن كثيرًا ما يعبر عن الزكاة بالإنفاق، ويقرن الإنفاق بالصلاة، كما قال تعالى: {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3] .
وقوله: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الأنفال: 3] .
وقوله: {وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الحج: 35] .
وقوله: {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الشورى: 38] .
وإن كان المراد بالإنفاق هو الإنفاق المستحب فتكون الأوامر الواردة بالإنفاق للندب. وقيل: إنه يتناول الفرض والنفل معًا.
وحجة من قال: الفرض والنفل داخلان في هذا: أن المفهوم من الأمر ترجيح جانب الفعل على جانب الترك، من غير أن يكون فيه بيان أنه يجوز الترك أو لا يجوز، وهذا المفهوم قدر مشترك بين الفرض والنفل، فوجب أن يكونا داخلين تحت الأمر 19.
فيكون المراد بهذه الأوامر: التحريض على الإنفاق بمرتبتيه، واجب الإنفاق ومندوبه، والاهتمام بالنزاهة من فتنة المال التي ذكرت في قوله: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التغابن: 15] .
فيكون قوله: {وَأَنْفِقُوا} أي: ما أمرتم به من واجب أو مندوب.
وقد اختار الجصاص في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} [البقرة: 267] .
أن المراد بالإنفاق هاهنا: النفقة الواجبة من الزكاة ونحوها، حيث قال: «وأيضًا فإن قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267] .
أمر، وهو يقتضي الوجوب، وليس ها هنا نفقة واجبة غير الزكاة والعشر؛ إذ النفقة على عياله واجبة، وأيضًا فإن النفقة على نفسه وأولاده معقولة غير مفتقرة إلى الأمر، فلا معنى لحمل الآية عليه، فإن قيل: المراد صدقة التطوع، قيل له: هذا غلط من وجهين:
أحدهما: أن الأمر على الوجوب فلا يصرف إلى الندب إلا بدليل، والثاني: قوله تعالى: {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} قد دل على الوجوب؛ لأن الإغماض إنما يكون في اقتضاء الدين الواجب، فأما ما ليس بواجب فكل ما أخذه منه فهو فضل وربح، فلا إغماض فيه» 20.
والمقصود أنه تعالى أمر الإنسان بالإنفاق مما رزقه الله، فقال: {مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} أي: بعض ما أعطيناكم، تفضلًا من غير أن يكون حصوله من جهتكم وبسببكم، وفي آية أخرى أمره بالإنفاق مما جعله الله مستخلفًا فيه، فقال: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7] .
فقوله: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} فيه ملاحظة وصول المال إليهم من جهته تعالى مع كونه هو المالك الحقيقي له، وهذا من أقوى الدواعي إلى صرفه إلى الجهة المأمور بها، وقيل: هو أمر بإعطاء سهمهم من الصدقات، فالأمر للوجوب حتمًا، والإضافة والوصف لتعيين المأخذ 21.
وفي هذا التعبير تجريد للإنسان من المال الذي بين يديه، فليس له الحق في المال الذي بين يديه يعبث فيه كما يشاء، ويتصرف فيه كما يريد؛ ولهذا نهاه الله سبحانه وتعالى عن الإسراف، فقال تعالى: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141] .
ونهاه عن التبذير، فقال تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 27] .
وقال سبحانه: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} [الإسراء: 26] .
فالمال في الحقيقة مال الله، والعبد مستخلف فيه؛ ولهذا قال: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33] .
فيكون مضمون الآيات السابقة: الأمر بالإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه القربات، ووجوه الطاعات، وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء، وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم.
ثانيًا: الثناء على المنفقين، وخاصة عند الحاجة:
ومن أساليب القرآن الكريم في الحث على الإنفاق والترغيب في البذل والعطاء في سبيل الله أنه امتدح المنفقين، ورفع من مكانة المحسنين، وجعلهم مهتدين مفلحين، قال تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 3 - 5] .
فالإشارة بـ (أولئك) في قوله: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} إلى من سبقت أوصافهم، وهم المتقون، أصحاب الصفات الخمس، التي منها الإنفاق مما رزقهم الله، ويشير اسم الإشارة (أولئك) إلى علو مرتبتهم، والعناية التامة بهم، كأنهم حضروا بين يدي المتكلم، وفيه الفصل بين الغاية والوسيلة، فالغاية: الفلاح، ووسيلته: ما سبق، والفلاح: هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب، فهي كلمة جامعة لانتفاء جميع الشرور، وحصول جميع الخير 22.
وفي آية أخرى جعلهم من المؤمنين، فقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الأنفال: 2 - 3] .
فقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ} حصر للإيمان فيمن اتصف بالصفات المذكورة التي منها الإنفاق في سبيل الله، والمعنى: إنما المؤمنون الكاملون في الإيمان هم هؤلاء، فالتعريف في {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ} تعريف الجنس، المفيد قصرًا ادعائيًا على أصحاب هذه الصفات مبالغة، وحرف (أل) فيه هو ما يسمى بالدالة على معنى الكمال 23.
وقد جاء التعبير عن صفاتهم بصيغة من صيغ القصر وهي (إنما) للإشعار بأن من هذه صفاتهم هم المؤمنون الصادقون في إيمانهم وإخلاصهم، أما غيرهم ممن لم تتوفر به هذه الصفات فأمره غير أمرهم، وجزاؤه غير جزائهم، وكفى بهذا شرفًا لهم وفخرًا.
ونظيره قوله تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 3 - 4] .
فقوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} أي: يقينًا؛ لأنهم حققوا إيمانهم، بأن ضموا إليه مكارم أعمال القلب من الخشية والإخلاص والتوكل، ومحاسن أعمال الجوارح كالصلاة والصدقة 24.
وفي هذه الجملة: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} قصر آخر يشبه القصر الذي قبله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ} حيث قصر الإيمان مرة أخرى على أصحاب تلك الصفات ومنها الإنفاق، ولكنه قرن هنا بما فيه بيان المقصور، وهو أنهم المؤمنون الأحقاء بوصف الإيمان، والحق: أصله مصدر (حق) بمعنى ثبت، واستعمل استعمال الأسماء للشيء الثابت الذي لا شك فيه، كما قال تعالى: {وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122] .
ويطلق كثيرًا على الكامل في نوعه، الذي لا سترة في تحقق ماهية نوعه فيه، كما يقول أحد لابنه البار به: أنت ابني حقًا، وليس يريد أن غيره من أبنائه ليسوا لرشده، ولكنه يريد أنت بنوتك واضحة، وآثارها واضحة، ويطلق الحق على الصواب والحكمة، فاسم الحق يجمع معنى كمال النوع، ولكل صيغة قصر منطوق ومفهوم، فمنطوقها هنا: أن الذين جمعوا ما دلت عليه تلك الصلات هم مؤمنون حقًا، ومفهومها: أن من انتفى عنه أحد مدلولات تلك الصلات لم يكن مؤمنًا حقًا، أي: لم يكن مؤمنًا كاملًا، وليس المقصود أن من ثبتت له إحداها كان مؤمنًا كاملًا إذا لم يتصف ببقية خصال المؤمنين الكاملين، فمعنى {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} أن من كان على خلاف ذلك ليس بمؤمن حقًا، أي: كاملًا 25.
ثم زادهم مدحًا وفضلًا فقال: {لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} أي: كرامات، وعلو منزلة، أو درجات في الجنة يرتقونها بأعمالهم {وَمَغْفِرَةٌ} لما فرط من ذنوبهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أعده لهم في الجنة، لا ينقطع مدده، ولا ينتهي أمده، بمحض الفضل والكرم.
وفي آية ثالثة يقرن المنفقين بمقيمي الصلاة، والمواظبين عليها، وهو تعبير يحمل بين جنباته بأن هؤلاء من المطيعين لله، والمواظبين على امتثال أوامره، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الشورى: 38] .
وسياق الآية ولحاقها جاء في مدح من اتصفوا بالإيمان، والتوكل على الله، واجتناب كبائر الإثم والفواحش، والتجاوز عمن أساء إليهم، والاستجابة لربهم في كل ما دعاهم إليه فعلًا أو تركًا، وفي هذه الآية مدحٌ للذين استجابوا لربهم حين دعاهم إلى توحيده وطاعته، والمقيمي الصلاة المفروضة بحدودها في أوقاتها، والذين إذا أرادوا أمرًا تشاوروا فيه، والمنفقين مما أعطاهم الله من الأموال في سبيل الله، والمؤدون ما فرض الله عليهم من الحقوق لأهلها من زكاة ونفقة وغير ذلك من وجوه الإنفاق، فهذه عشرة صفات، بين الله تعالى أن ما أعده لأصحابها يوم يلقونه خير من متاع الدنيا بكامله.
وفي آية أخرى تبرز أهمية الإنفاق بتقديم المنفقين على غيرهم من الأصناف الذين ذكرتهم الآية، والذين أعدت لهم الجنة من الكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، فيقول: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133 - 134] .
فقد دلت هذه الآية على أن الإنفاق في سبيل الله، وكظم الغيط، والعفو عن الناس، من صفات المتقين أهل الجنة، ونلحظ هنا أن الله تعالى قدم المنفقين على غيرهم، وكفى بذلك حثًا على الإنفاق، أما في قوله: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17] .
فالترتيب ها هنا من الأدنى إلى الأشرف، فلا جرم وقع الختم بذكر المنفقين والمستغفرين بالأسحار.
وفي الآية أيضًا دلالة على أن إنفاقهم ليس في حال دون حال، بل في جميع الأحوال {فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} والسراء: فعلاء، اسم لمصدر سره سرًا وسرورًا، والضراء من ضره، أي: في حالي الاتصاف بالفرح والحزن، وكأن الجمع بينهما هنا؛ لأن السراء فيها ملهاة عن الفكرة في شأن غيرهم، والضراء فيها ملهاة وقلة موجدة، فملازمة الإنفاق في هذين الحالين تدل على أن محبة نفع الغير بالمال الذي هو عزيز على النفس، فقد صار لهم خلقًا، لا يحجبهم عنه حاجب، ولا ينشأ ذلك إلا عن نفس طاهرة 26.
وكذلك امتدح الله تعالى المنفقين في سبيله، وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات، من ليل أو نهار، وفي جميع الأحوال من سر وجهار، فقال: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274] . فقد بين الله تعالى في هذه الآية حسن عاقبة المنفقين، وعظيم ثوابهم في ثلاث جمل، فقال في الجملة الأولى: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} أي: فلهم أجرهم الجزيل عند خالقهم، ومربيهم ورازقهم، وقال في الجملة الثانية: {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} أي: لا خوف عليهم من أي عذاب؛ لأنهم في مأمن من عذاب الله، بسبب ما قدموا من عمل صالح، وقال في الجملة الثالثة: {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} أي: لا يصيبهم ما يؤدي بهم إلى الحزن والهم والغم؛ لأنهم دائمًا في اطمئنان يدفع عنهم الهموم والأحزان.
ومدح الله تعالى من يطعم الفقير في يوم عصيب ذي مجاعة، فقال: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} [البلد: 14] .