فهرس الكتاب

الصفحة 1431 من 2431

وقد كان ذلك في صلح الحديبية لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه من المدينة إلى مكة قاصدين العمرة ومصطحبين الهدي، فصدهم كفار مكة عن بلوغ المسجد الحرام وصدوا الهدي أيضًا أن يذبح في مكانه قربة لله تعالى.

3.أهل الكتاب.

من طبيعة الكفرة من أهل الكتاب: الصد عن الصراط المستقيم، وغرضهم: ابتغاء سبيل الله معوجة: وقد جاءت الآيات صريحة في بيان هذه الغاية من الصد، قال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ ? وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ?99?) [آل عمران: 99] .

أي: لأي سبب تصرفون من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم واتبعه عن الإيمان الذي يرقى عقل المؤمن بما فيه من طلب النظر في الكون، وترقى روحه بتزكيتها بالأخلاق الطيبة، والأعمال الصالحة، وتكذبون بذلك كفرا وعنادا، وكبرا وحسدا، وتلقون الشبهات الباطلة في قلوب الضعفاء من المسلمين بغيا وكيدا للنبي صلى الله عليه وسلم، تبغون لأهل دين الله ولمن هو على سبيل الحق عوجا وضلالا، وزيغا عن الاستقامة على الهدى والمحجة، وأنتم عارفون بتقدم البشارة به، عالمون بصدق نبوته، ومن كان كذلك فلا يليق به الإصرار على الباطل والضلال والإضلال 149.

فسبيل الله هو الطريق المستقيم. وما عداه عوج غير مستقيم، وحين يصد الناس عن سبيل الله وحين يصد المؤمنون عن منهج الله، فإن الأمور كلها تفقد استقامتها، والموازين كلها تفقد سلامتها، ولا يكون في الأرض إلا العوج الذي لا يستقيم «150.

وفي هذه الآية دليل على شدة حرمة صرف الناس عن الحق والمعروف بأنواع الحيل وضروب الكذب والخداع.

-المنافقون.

يسلك المنافقون نفس مسلك أعداء الدين من الكفرة المشركين، فيحاولون بشتى الطرق الصد عن صراط الله المستقيم، قال الله تعالى عن حالهم إن دعو إلى تحكيم شرع الله ودينه، ليكون هو الحكم الفصل في الخصومات: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) } [النساء: 61] .

فهذا هو حال المنافقين لا يريدون لدين الله السمو والمرجعية والسيادة والحكم الفصل، ولذلك أكد الله وقوع فعل الصد حقيقة لا مجازًا بالمصدر فقال: {صُدُودًا} ، والمعنى أعرضوا إعراضًا لا رجعة فيه، وانصرفوا انصرافًا لا عودة فيه، وهذا نابع من عداوتهم لدين الله، ولذلك يجعلون مهمتهم أن يصرفوا أنفسهم والناس من حولهم عن هذا الدين القويم، فقاتلهم الله أنى يؤفكون.

ثانيًا: صفات المعرضين:

بين الله صفات المعرضين عن الصراط المستقيم، الصادين عنه؛ من أجل أن يتميزوا ويعرفوا ويحذر كيدهم ومكرهم، ويتقي شرهم، فمن هذه الصفات:

1.العدول عن الصراط المستقيم.

من صفات المعرضين عن الصراط المستقيم: الكفر بالله واليوم الآخر، فهم لا يصدقون بالبعث بعد الموت، وقيام الساعة ومجازاة الله عباده في الآخرة عادلون عن محجة الحق وعن قصد السبيل وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده.

قال الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74) } [المؤمنون: 73 - 74] .

فسبب تنكبهم وابتعادهم عن دين الإسلام هو عدم إيمانهم بالآخرة، فالقلب الذي لا يعمره الإيمان بلقاء الله والجزاء يوم القيامة صاحبه ضد كل خير ومعروف ولا يؤمل منه بسبب كفره بالآخرة.

قال ابن عاشور: نزه سبحانه الإسلام عما وسموه به من الأباطيل، والتنزيه بإثبات ضد ذلك وهو أنه صراط مستقيم، أي: طريق لا التواء فيه ولا عقبات، فالكلام تعريض بالذين اعتقدوا خلاف ذلك.

وإطلاق الصراط المستقيم عليه من حيث إنه موصل إلى ما يتطلبه كل عاقل من النجاة وحصول الخير، فكما أن السائر إلى طلبته لا يبلغها إلا بطريق، ولا يكون بلوغه مضمونا ميسورا إلا إذا كان الطريق مستقيمًا فالنبي صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى الإسلام دعاهم إلى السير في طريق موصل بلا عناء.

والتأكيد بـ «إن» واللام باعتبار أنه مسوق للتعريض بالمنكرين على ما دعاهم إليه النبي صلى الله عليه وسلم.

وكذلك التوكيد في قوله: {وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ} .

والتعبير فيه بالموصول وصلته إظهار في مقام الإضمار حيث عدل عن أن يقول: وإنهم عن الصراط لناكبون. والغرض منه ما تنبئ به الصلة من سبب تنكبهم عن الصراط المستقيم أن سببه عدم إيمانهم بالآخرة.

والتعريف في الصراط للجنس، أي: هم ناكبون عن الصراط من حيث هو حيث لم يتطلبوا طريق نجاة فهم ناكبون عن الطريق بله الطريق المستقيم؛ ولذلك لم يكن التعريف في قوله: {عَنِ الصِّرَاطِ} للعهد بالصراط المذكور؛ لأن تعريف الجنس أتم في نسبتهم إلى الضلال بقرينة أنهم لا يؤمنون بالآخرة التي هي غاية العامل من عمله فهم إذن ناكبون عن كل صراط موصل إذ لا همة لهم في الوصول 151.

وفي معنى قوله: {لَنَاكِبُونَ} تأويلات:

أحدها: لعادلون، قاله ابن عباس.

الثاني: لحائدون، قاله قتادة.

الثالث: لتاركون، قاله الحسن.

الرابع: لمعرضون، قاله الكلبي، ومعانيها متقاربة 152.

وهذا تهديد للمشركين، بأنهم إذا هم لم يسيروا على هذا الصراط المستقيم الذي يدعوهم إليه الرسول صلوات الله وسلامه عليه لم يكن أمامهم إلا طرق الضلال، يركبونها إلى حيث تهوي بهم في قرار الجحيم 153.

2.التيه في الضلال والغواية.

من صفات المعرضين عن الصراط المستقيم أنهم تائهين في غيهم وضلاهم، وحال من يعرض عن صراط الله المستقيم كمن يمشي في طريق وهو يتعثر في كل ساعة ويخر على وجهه في كل خطوة لتوعر طريقه واختلاف أجزائه انخفاضًا وارتفاعًا.

قال تعالى: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22) } [الملك: 22] .

فهو غارق في الكفر قد انتكس قلبه، فصار الحق عنده باطلا والباطل حقًا، فهو في غاية الضلال البعيد.

قال تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (3) } [إبراهيم: 3] .

وهذا أقصى مراتب الضلال هو الذي وصفه الله تعالى في هذه المرتبة فهذه المرتبة في غاية البعد عن طريق الحق، فإن شرط الضدين أن يكونا في غاية التباعد، مثل السواد والبياض، فكذا هاهنا الضلال الذي يكون واقعا على هذا الوجه يكون في غاية البعد عن الحق فإنه لا يعقل ضلال أقوى وأكمل من هذا الضلال 154.

3.الكسب الحرام.

فالمال نعمة من نعم الله على العبد، وجعل الله طرقًا مشروعة لكسبه وإنفاقه، وحرم أكل الأموال بالباطل، ونهى عن البخل به وعدم الإنفاق منه في سبيل الله.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) } [التوبة: 34]

وفي ذلك تنبيه للمؤمنين حتى يتجنبوا تلك الصفات، ولذلك وجه الخطاب إليهم، والمعنى: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وأقروا بوحدانية ربهم، إن كثيرًا من العلماء والقراء من بني إسرائيل من اليهود والنصارى، يأخذون الرشى في أحكامهم، ويحرفون كتاب الله، ويكتبون بأيديهم كتبًا ثم يقولون: «هذه من عند الله» ، ويأخذون بها ثمنًا قليلا من سفلتهم، ويصدون عن سبيل الله فيمنعون من أراد الدخول في الإسلام الدخول فيه، بنهيهم إياهم عنه 155.

4.الحلف بالأيمان الكاذبة.

إن هذه الصفة ملازمة للمنافقين المعرضين عن الصراط المستقيم، فقد وصفهم الله تعالى بذلك في أكثر من موضع في كتابه.

قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2) } [المنافقون: 2] .

أي: أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر وتستروا بالأيمان الكاذبة، فظن كثير ممن لا يعرف حقيقة أمرهم أنهم صادقون وبهذه الوسيلة صدوا كثيرا من الناس عن سبيل الله بتثبيط من لقوا عن الدخول في الإسلام بتحقير شأنه في نظرهم 156.

والآية دليل على ارتكابهم جرمين كبيرين: الحلف بالأيمان الكاذبة، والصد عن الدخول في الإسلام والجهاد في سبيل الله، مما استوجب وصف أفعالهم بالقبح 157.

5.البطر والرياء.

وهاتان صفتان اتصف بهما كفار قريش حيث خرجوا يوم بدر بعد أن سلمت عيرهم قاصدين البطر بهذا الخروج والسمعة بين الناس، مليئة نفوسهم بالغرور والصد عن سبيل الله، فتمت المواجهة بينهم وبين المؤمنين وكان النصر والغلبة للقلة المؤمنة على الكثرة الكافرة، وهذا هو مصير كل صاد عن سبيل الله معرضا عن الحق.

قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) } [الأنفال: 47] .

أي: عليكم أن تمتثلوا ما أمرتم به وتنتهوا عما نهيتم عنه، ولا تكونوا كأعدائكم المشركين الذين خرجوا من ديارهم في مكة وغيرها من الأماكن، بطرين بما أوتوا من قوة ونعم لا يستحقونها، مرائين الناس بها ليعجبوا بها ويثنوا عليهم بالغنى والقوة والشجاعة.

وهم بخروجهم يصدون عن سبيل الله وهو الإسلام بحملهم الناس على عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم، والإعراض عن تبليغ دعوته، وتعذيب من أجابها إذا لم يكن لهم من يمنعهم ويحميهم من قرابة أو حلف أو جوار 158.

وهكذا نرى مجموعة من هذه الصفات للمعرضين عن الصراط المستقيم، حتى يعرفوا من خلالها، فيحذر كيدهم ومكرهم وعداؤهم.

ثالثًا: جزاء المعرضين:

مما لا شك فيه أن المعرضين عن الصراط المستقيم قد ناصبوا الله ودينه ورسوله والمؤمنين العداء في الدنيا والآخرة، حيث انطلقوا من أسباب كفرية مفسدة، واتصفوا بصفات كفرية مهلكة، وكانت لهم وسائل وغايات مجرمة، فلا بد أن تكون عاقبة أمرهم خسرًا، وتنقلب غاياتهم غلبة عليهم وحسرة، ويذوقوا السوء والعذاب العظيم في الدنيا والآخرة بسبب ما قدمت أيديهم من ظلم وفتنة، وسنقف على وعيد الله بهم من خلال الآيات نفسها المتعلقة بجريمة الإعراض، وذلك فيما يلي:

1.ضنك المعيشة وعدم الهناء.

قال ابن القيم: في معنى قول الله تعالى في آخر سورة طه: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) } [طه: 124] : أخبر الله أن من أعرض عن ذكره وهو الهدى الذي من اتبعه لا يضل ولا يشقى بأن له معيشة ضنكا. أي: عذاب القبر، وهذا عذاب البرزخ، وكذلك يترك في العذاب وينسى فيه كما ترك العمل بالآيات.

وهذا عذاب دار البوار، وله الضنك والضيق في الحياة الدنيا كذلك، ومثله قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) } [الزخرف: 36 - 37] .

فأخبر سبحانه في هذه الآية أن من ابتلاه بقرينه من الشياطين، وضلاله به، إنما كان بسبب إعراضه وعشوه عن ذكره الذي أنزله على رسوله، فكان عقوبة هذا الإعراض أن قيض له شيطانًا يقارنه فيصده عن سبيل ربه وطريق فلاحه، وهو يحسب أنه مهتد. حتى إذا وافى ربه يوم القيامة مع قرينه. وعاين هلاكه وإفلاسه، قال: {يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} [الزخرف: 38] .

وكل من أعرض عن الاهتداء بالوحي الذي هو ذكر الله فلا بد أن يقول هذا يوم القيامة، وهؤلاء لا عذر لهم يوم القيامة لأن ضلالهم منشؤه الإعراض عن الوحي الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو ظن أنه مهتد فإنه مفرط بإعراضه عن اتباع داعي الهدى، فإذا ضل فإنما أتي من تفريطه وإعراضه 159.

2.استحقاقهم العذاب.

فقد توعد الله المعرضين عن سبيل الله حيث تهددهم الله بذلك في أكثر من آية.

قال تعالى: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34) } [الأنفال: 34] .

والمعنى: وأي شيء يمنع من عذاب مشركي قريش بعد خروجك-يا محمد-وخروج المؤمنين المستضعفين من بين أظهرهم؟ إنه لا مانع أبدًا من وقع العذاب عليهم وقد وجد مقتضية منهم، حيث اجترحوا من المنكرات والسيئات ما يجعلهم مستحقين للعقاب الشديد 160.

وقال تعالى: {وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (94) } [النحل: 94] .

فقوله: {بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} ، أي: بما فتنتم من أراد الإيمان بالله ورسوله عن الإيمان {وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} في الآخرة، وذلك نار جهنم 161.

وقال تعالى: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (16) } [المجادلة: 16] .

والجنة: الوقاية والسترة، من جن، إذا استتر، أي: وقاية من شعور المسلمين بهم ليتمكنوا من صد كثير ممن يريد الدخول في الإسلام عن الدخول فيه؛ لأنهم يختلقون أكذوبات ينسبونها إلى الإسلام والمسلمين 162.

والله تعالى يضاعف العذاب للصادين عن دينه، قال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88) } [النحل: 88] .

يقول تعالى ذكره: الذين جحدوا يا محمد نبوتك وكذبوك فيما جئتهم به من عند ربك، وصدوا عن الإيمان بالله وبرسوله، ومن أراده زدناهم عذابًا يوم القيامة في جهنم فوق العذاب الذي هم فيه قبل أن يزادوه 163.

وتوعدهم الله تعالى بالسعير، فقال: {فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55) } [النساء: 55] .

أي: وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله 164.

وقال تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) } [يس: 66] .

أي: ولو نشاء لعاقبناهم على كفرهم، فطمسنا على أعينهم، فصيرناهم عميا لا يبصرون طريقا، ولا يهتدون إلى شيء.

وإجمال المراد: لو شئنا لأذهبنا أحداقهم، فلو أرادوا الاستباق وسلوك الطريق الذي اعتادوا سلوكه لم يستطيعوا ذلك 165.

3.حبوط الأعمال.

ضلال الأعمال هو انحرافها عن صراط الله المستقيم، وسيرها في طريق آخر لا يرضي الله، وإنما يرضي النفس الأمارة بالسوء، ويرضي الشيطان، وهذا مدعاة لخسران العمل وحبوطه.

قال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) } [الكهف: 103 - 105] .

ولذلك حكم الله بضلال الأعمال على ما يفعله الصادون عن سبيل الله تعالى.

قال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1) } [محمد: 1] .

أي: الذين جحدوا توحيد الله وآياته، وعبدوا غيره، وصدوا غيرهم عن دين الإسلام، بنهيهم عن الدخول فيه، وهم كفار قريش، أبطل الله ثواب أعمالهم وأحبطها وجعلها ضائعة، ولم يجعل لها ثوابًا ولا جزاء في الآخرة.

فكل ما يسمونه مكارم الأخلاق، كصلة الرحم، وفك الأسارى، وقرى الأضياف، وعمارة المسجد الحرام بالسقاية والخدمة للحجاج، وإجارة المستجير، لا يقبل مع الكفر والصد 166.

وحكم الله تعالى على هذه الأعمال الضالة الصادرة عن المعرضين بالحبوط وهو الضياع وعدم الانتفاع بها.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (32) } [محمد: 32] .

فأخبر تعالى عمن كفر وصد عن سبيل الله، وخالف الرسول وشاقه، وارتد عن الإيمان من بعد ما تبين له الهدى: أنه لن يضر الله شيئا، وإنما يضر نفسه ويخسرها يوم معادها، وسيحبط الله عمله فلا يثيبه على سالف ما تقدم من عمله الذي عقبه بردته مثقال بعوضة من خير، بل يحبطه ويمحقه بالكلية، كما أن الحسنات يذهبن السيئات 167.

4.حمل الأوزار في يوم القيامة والخلود في النار.

بين الله تعالى جزاء المعرضين عن القرآن الكريم في قوله تعالى: {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (99) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (100) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (101) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (102) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (103) } [طه: 99 - 103] .

أي: كما قصصنا عليك نبأ بني إسرائيل في خبر العجل وعبادتهم له، كذلك نقص عليك أخبار الأمم السابقة، كما وقعت، من غير زيادة ولا نقصان، لتكون عبرة وعظة، وذات فائدة في فهم ظروف الأحداث الجديدة، وأحوال الأمة في معاداة رسولها. وقد أعطيناك من عندنا ذكرا، وهو القرآن المجيد، لتتذكر به على الدوام، ولأنه لم يعط نبي من الأنبياء قبلك مثله، ولا أكمل منه، ولا أجمع لخبر المتقدمين غيره، وفيه صلاح الدين والدنيا والآخرة، ويكون المراد من كلمة «الذكر» القرآن.

وكل من كذب بالقرآن وأعرض عن اتباعه، فلم يؤمن به، ولا عمل بشرائعه وأحكامه، وابتغى الهدى في غيره، فإن هذا المعرض يتحمل إثما عظيما، ويتعرض لعقوبة ثقيلة يوم القيامة، بسبب إعراضه عن كتاب الله، كما جاء في آية أخرى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} [هود: 17] .

والإعراض عن القرآن يشمل كل من بلغه هذا الكتاب، من العرب والعجم من أهل الكتاب وغيرهم من الوثنيين والماديين، وأصحاب النحلات والملل، والمذاهب الفاسدة، والعقائد الباطلة.

ويكون أولئك المعرضون عن القرآن خالدين ماكثين على الدوام في الجزاء الأخروي، وهو النار لا محيد لهم عنه، وبئس الحمل الذي حملوه حملهم من الأوزار والأثقال، جزاء إعراضهم 168.

موضوعات ذات صلة:

الاستقامة، الإسلام، الإيمان، الضلال، الهداية

1 لسان العرب، ابن منظور 7/ 313.

2 القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 675

3 المفردات ص 407.

4 لسان العرب، ابن منظور 7/ 313.

5 معجم ألفاظ القرآن الكريم، مجمع اللغة العربية 2/ 453.

6 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 215.

7 جامع العلوم في اصطلاحات الفنون، القاضي نكري 2/ 174.

8 إرشاد العقل السليم، أبو السعود 1/ 18.

9 التحرير والتنوير 1/ 191.

10 جامع البيان، الطبري 1/ 170.

11 التحرير والتنوير 1/ 191.

12 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 215.

13 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص 412 - 414، المعجم المفهرس الشامل، عبدالله جلغوم، ص 703 - 705.

14 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/ 237.

15 التفسير الوسيط، طنطاوي 5/ 321.

16 تفسير المراغي 8/ 211.

17 التفسير البسيط، الواحدي 18/ 513.

18 انظر: الصحاح، الجوهري 4/ 1513، مختار الصحاح، الرازي ص 189، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده 6/ 273.

19 الفروق اللغوية، العسكري ص 298.

20 انظر: مختار الصحاح، الرازي ص 141، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده 8/ 506.

21 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 190.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت