فهرس الكتاب

الصفحة 2230 من 2431

وإذا ذكر في غيبه بالسوء أن ينصره، ويرد عنه، وإذا رأى من يريد أذاه في غيبه، كفه عن ذلك، فإن النصح في الغيب يدل على صدق النصح، فإنه قد يظهر النصح في حضوره تملقا، ويغشه في غيبه، قال الحسن: «إنك لن تبلغ حق نصيحتك لأخيك حتى تأمره بما تعجز عنه» ، وقال الفضيل بن عياض: «ما أدرك عندنا من أدرك بكثرة الصلاة والصيام، وإنما أدرك عندنا بسخاء الأنفس، وسلامة الصدور، والنصح للأمة» ، «وسئل ابن المبارك: أي الأعمال أفضل؟ قال: النصح لله» ، وقال معمر: «كان يقال: أنصح الناس لك من خاف الله فيك» 51.

ومن النصيحة أن ترشدهم إلى الخير، وأن تهديهم إلى الحق إذا ضلوا عنه، وأن تذكرهم به إذا نسوه، وأن تجعلهم لك بمنزلة الإخوة، وليعلم أن النصيحة هي مخاطبة الإنسان سرًا بينك وبينه؛ لأنك إذا نصحته سرًا بينك وبينه أثرت في نفسه، وعلم أنك ناصح، لكن إذا تكلمت أمام الناس عليه؛ فإنه قد تأخذه العزة بالإثم فلا يقبل النصيحة، وقد يظن أنك إنما تريد الانتقام منه وتوبيخه وحط منزلته بين الناس فلا يقبل، لكن إذا كانت النصيحة بينك وبينه صار لها ميزانٌ كبير عنده وقيمة، وقبل ذلك 52.

قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] .

وقال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] .

وقال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] .

وهكذا تهدي الآيات بأن يكون المسلم ناصحًا لله تعالى باتباع أوامره واجتناب نواهيه، ولكتابه بحفظه والعمل بما فيه، وناصحًا للرسول صلى الله عليه وسلم بتصديقه والدفاع عنه والتزام سنته وطاعته فيما أمر به وترك ما نهى عنه، وناصحًا لعلماء الأمة بالتلقي عنهم العلوم، وتسديد أخطائهم والدفاع عنهم، وناصحًا للأمراء بترك الخروج عليهم أو محاربتهم، وتقديم النصح لهم وارشادهم إن أخطؤوا أو زلوا، وترك تتبع أخطائهم، وتذكيرهم يكون باللين والرفق، أما نصح عامة المسلمين يكون بدفع الأذى عنهم، وإرشادهم إلى مصالحهم، وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم، وستر عوراتهم، وقضاء حاجاتهم.

إن التناصح بين المسلمين له فضل عظيم عند الله تعالى، وهو فرع عن الإيمان وشعبة من شعبه.

قال تعالى: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:1 - 3] .

وللنصيحة أثر جليل في المجتمع الإسلامي، بل إن من حق المسلم على أخيه المسلم أن يقدم له النصح قال صلى الله عليه وسلم: (حق المؤمن على المؤمن ست، وذكر منها إذا استنصحك فانصح له) 53.

وقد حذرنا القرآن الكريم مما وقع للأمم قبلنا عندما تركوا التناصح بينهم.

قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78 - 79] .

ولكن الانتفاع بالنصيحة بيد الله وحده وبمشيئته، فالناصح يبذل ما في وسعه من نصح للآخرين بإخلاص ولين، ويصبر ويتحمل العناء، ولكن الأمر كله بيد الله تعالى فهو الهادي.

قال تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56] .

وقبول النصيحة إنما يدل على نظافة السريرة وطهارة القلب، وبحثه عن الدليل والحجة واستعداده للعودة إلى الحق، كما أنه يدل على التواضع، فالإنسان المتكبر والمغرور يطغى عليه غروره فيعميه عن الحق، فلا ينتفع بالنصح، كما أن هناك عوامل مؤثرة تجعل الانتفاع بالنصيحة أجدى وأقوى في القبول، فالنصيحة وحدها دون أسلوب صحيح ودون إخلاص لا تجد ثمارها.

أولًا: تعلق الانتفاع بالنصيحة بالمشيئة الإلهية:

الانتفاع بالنصيحة بأمر الله تعالى وحده، فهو القائل للشيء كن فيكون، فإن أراد الله النفع والهداية لشخص، يسر له سبل الهداية كأن يرسل من ينصحه فيستمع لنصحه وينتفع به، ولكن إن كانت مشيئة الله أن يبقى في الضلال لجحده وإصراره على الضلال، فلن ينفعه نصح الآخرين له، ومن ذلك ما ورد على لسان نوح عليه السلام عندما أصر قومه على الكفر، وطلبوا منه أن يأتيهم بما وعدهم من العذاب.

قال تعالى: {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [هود: 34] .

أخبرهم نوح عليه السلام بأن الله هو من سيأتيهم بالعذاب وأنهم لا يعجزون الله عن ذلك، فهو لم يتوقف عن نصحهم، ولكنهم أصروا على الكفر والجحد، وقال لهم: أنتم في قبضة القدرة الإلهية، وتحت سلطان الملك الإلهي، ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم، ولا ينفعكم إنذاري وتحذيري إياكم عقوبته ونزول العذاب بكم إن كان الله يريد أن يضلكم عن سبيل الرشاد، ويخذلكم عن طريق الحق ويهلككم، فهو سبحانه وتعالى خالقكم والمتصرف في أموركم فلا تقدرون على الخروج من سلطانه وإليه ترجعون يعني: في الآخرة فيجازيكم بما كنتم تعملون في هذا العالم من خير أو شر 54، «وقد مضت سنة الله في خلقه أن النصح إنما يتقبله المستعد للرشاد، ويرفضه من غلب عليه الغي والفساد» 55.

ثانيًا: الوسائل المعينة على الانتفاع بالنصيحة:

لا بد أن نعلم بأن المقصود من النصيحة ليس تقديم النصيحة فحسب وإنما أن يحصل الانتفاع بها، لذا يتعين على الناصح القيام بعدة أمور حتى تجدي النصيحة نفعها، ويجد أثرها في قلوب الآخرين، ومن ذلك ما يأتي:

إن النصيحة عبادة وتقرب إلى الله عز وجل، وقد قال النبي صلى الله عليه: (الدين النصيحة) 56، كما قال تعالى: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) [الزمر:3] .

وقال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) [البينة: 5] .

فالمسلم الناصح لا بد أن تكون نيته خالصة لله تعالى، «قاصدا بذلك وجه الله عز جل، وإقامة دينه، ونصرة شرعه، وامتثال أمره، وإحياء سننه، بلا رياء ولا منافقة ولا مداهنة غير متنافس ولا متفاخر» 57.

يبتغي بنصيحته الرضا والأجر من الله سبحانه وتعالى، وإبراء ذمته، مخلصًا في أدائها، مشفقًا على الناس، لأنه محاسب على نيته ومثاب عليها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) 58.

يقول ابن القيم: «النصيحة: إحسان إلى من تنصحه بصورة الرحمة له والشفقة عليه، فهو إحسانٌ محضٌ يصدر عن رحمة ورقة، ومراد الناصح بها وجه الله ورضاه، والإحسان إلى خلقه، فيتلطف في بذلها غاية التلطف، ويحتمل أذى المنصوح، فهذا شأن الناصح» 59.

فإذا كانت النصيحة خالصة لوجه الله تعالى، لا يقصد بها أغراض دنيوية من رياء وسمعة وشهرة، أو إظهار لعيب المنصوح والتقليل من شأنه فإن الله يفتح لها القلوب وينفع الناس بها، ويجزى الناصح على إخلاصه، فكم من «آه للمرائي من يوم يحصل ما في الصدور، وهي النيات والعقائد، فالجزاء عليهما لا على الظواهر، فأفيقوا من سكرتكم، وتوبوا من زللكم واستقيموا على الجادة» 60.

يجب على الناصح أن يتقن اختيار الوقت المناسب لتقديم النصيحة حتى تجدي نفعها وتؤتي ثمارها المرجوة منها، وأن يراعي أن المنصوح لا يكون مستعدًا لقبول النصح في كل وقت، فقد يمر بأوقات وظروف تجعله في حالة لا يتقبل النصح من أحد، وقد كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: «إن للقلوب شهوة وإقبالًا، وفترة وإدبارًا، فخذوها عند شهوتها وإقبالها، وذروها عند فترتها وإدبارها» 61.

فينبغي أن يتحلى الناصح بالبصيرة والفطنة ويعلم الوقت المناسب لتقديم النصيحة، حتى تلامس قلوب الآخرين فيجد القبول منهم.

يجب أن يكون الناصح فقيهًا، عالمًا بالأمور الشرعية التي ينصح بها.

قال تعالى: (وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [الأعراف: 62] .

فلا ينصح في أمور يجهلها، فيضل الناس بدلًا من أن ينفعهم.

قال تعالى: (. وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ?) [الإسراء: 36] .

وأن يكون عاملًا بما يقول وليس ممن يخالف قوله فعله.

قال تعالى: (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) [الصف: 3] .

وقال تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ? أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [البقرة: 44] .

فإخلاص النصيحة في تقديم النصيحة لا يفي بالغرض ولا يجد مقصده ونفعه إن كانت النصيحة عن جهل، بل إن نتيجتها تكون عكس المراد والمبتغى، لذا لا بد للناصح أن يكون ذا علم وحكمة وفقه بما ينصح به الآخرين، فكلما كانت النصيحة موثقة بالأدلة وصحيحة كان نفعها أكبر وأقوى.

قال تعالى: ادْعُ إِلَى? سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ? وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: 125] .

فالحكمة كلمة عظيمة تعني: الدعوة إلى الله بالعلم والبصيرة، والأدلة الواضحة المقنعة الكاشفة للحق، والمبينة له، وتطلق على العلم والفقه في الدين، وعلى العقل، وعلى الورع، وعلى أشياء أخرى، فالحكمة كلمة تمنع من سمعها من المضي في الباطل، وتدعوه إلى الأخذ بالحق والتأثر به، والوقوف عند الحد الذي حده الله عز وجل، فعلى الداعية إلى الله عز وجل أن يدعو بالحكمة، ويبدأ بها، ويعنى بها، فإذا كان المدعو عنده بعض الجفا والاعتراض دعوته بالموعظة الحسنة، بالآيات والأحاديث التي فيها الوعظ والترغيب، فإن كان عنده شبهة جادلته بالتي هي أحسن، ولا تغلظ عليه، بل تصبر عليه ولا تعجل ولا تعنف، بل تجتهد في كشف الشبهة، وإيضاح الأدلة بالأسلوب الحسن، لأن هذا أقرب إلى الانتفاع بالحق وقبوله وتأثر المدعو.

وقال تعالى: (قُلْ هَ?ذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ? عَلَى? بَصِيرَةٍ) [يوسف: 108] .

فلا بد من العلم، فالعلم فريضة، فإياك أن تدعو على جهالة، فالجاهل يهدم ولا يبني، ويفسد ولا يصلح، ولا تدع إلى شيء إلا بعد العلم به، والبصيرة بما قاله الله ورسوله، فعلى الداعية أن يتبصر فيما يدعو إليه، وأن ينظر فيما يدعو إليه ودليله، فإن ظهر له الحق وعرفه دعا إلى ذلك 62.

أما إذا كان الناصح ليس لديه علم بالأمر الذي يحتاج النصح فيه فعليه أن يترك المجال النصيحة للعلماء وأصحاب العلم، وأن يستزيد هو من العلم النافع.

قال تعالى: (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ? وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) [يوسف: 76] .

لا بد أن يلتزم الناصح بآداب النصيحة ليجد ثمار نصيحته، ومن هذه الآداب:

قال تعالى: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17] .

فمن أهم الأخلاق ومن أعظمها في حق الداعية: أن يكون ذا خلق فاضل، وصبر ومصابرة، واجتهاد فيما يوصل الخير إلى الناس، وفيما يبعدهم من الباطل، ويدعو لهم بالهداية، ويقول للمدعو: هداك الله، وفقك الله لقبول الحق، أعانك الله على قبول الحق، تدعوه وتصبر على الأذى 69.

وكلما التزم الناصح بهذه الأمور وجد قبولًا من الآخرين وتسليمًا لنصحه، وكان النفع أثمر، فهذا ما ينبغي أن يكون عليه الناصح والداع إلى الله.

تنوعت نماذج النصيحة في القرآن الكريم، فمنها ما كان يحمل النصيحة المحمودة قالبًا ومضمونًا، وذلك كنصح الأنبياء لأقوامهم، ومنها النصيحة المذمومة إن جاز إطلاق النصيحة عليها، فمضمونها الغش والخداع للآخرين في قالب النصيحة، ومن ذلك نصح إبليس لآدم وزوجه.

أولًا: نماذج من النصيحة المحمودة:

من النماذج التي يظهر فيها بصورة النصيحة المحمودة قالبًا ومضمونًا، ما ورد حول نصح الأنبياء عليهم السلام لأقوامهم، فجميعهم كانت نصائحهم محمودة، امتثالًا لأمر الله وتبليغًا لرسالته، وحرصًا منهم على صلاح أقوامهم وخوفًا عليهم، لذا كان منهجهم في دعوة أقوامهم النصيحة المحمودة، ومن النماذج على النصيحة المحمودة ما يأتي:

قال تعالى على لسان نوح عليه السلام: (. أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [الأعراف: 62] .

أي: إنني رسول من رب العالمين، أرسلني إليكم، فأنا أبلغكم رسالات ربي، وأنصح لكم في تحذيري إياكم عقاب الله على كفركم به، وتكذيبكم إياي، وردكم نصيحتي، وأعلم من الله ما لا تعلمون من صفاته ورحمته وعذابه، وشدة بطشه على أعدائه وأن بأسه لا يرد عن القوم المجرمين 70.

وعلى لسان صالح عليه السلام: (فَتَوَلَّى? عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَ?كِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ?79?) [الأعراف: 79] .

أي: تولى عنهم صالح عند اليأس من إجابتهم، وهو مغتم متحسر على ما فاته من إيمانهم، حزنا عليهم، وقال: يا قوم لقد بذلت فيكم منتهى وسعي وجهدي في إبلاغكم النصيحة، ولكنكم لا تحبون الناصحين، فوجبت عليكم كلمة العذاب، وهذا تقريع من صالح عليه السلام لقومه، لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه، وتمردهم على الله، وإبائهم عن قبول الحق، وفي ذلك عبرة لمن يأتي من بعدهم فينزجر عن مثل تلك الطريقة التي كانوا عليها، ثم أبان عن نفسه أنه لم يأل جهدًا في إبلاغهم الرسالة ومحض النصح، ولكن أبوا ذلك فلم يقبلوا منه فحق عليهم العذاب ونزل بهم ما كذبوا به واستعجلوه 71، فكان نصح الأنبياء جميعًا محمودًا قائمًا على الدعوة إلى توحيد الله تعالى وعدم الشرك به، وترغيبهم بجزاء توحيد الله وطاعة الأنبياء، وترهيبهم من عاقبة الشرك والتكذيب للأنبياء وما جاؤوا به، فكانت نصيحتهم تحمل الخير لأقوامهم والخوف عليهم.

وعلى لسان نبي الله شعيب عليه السلام: (فَتَوَلَّى? عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ? فَكَيْفَ آسَى? عَلَى? قَوْمٍ كَافِرِينَ) [الأعراف: 93] .

أي: أدبر وخرج عنهم، وقال: لقد أبلغتكم رسالات ربي فلم تؤمنوا بها، ونصحت لكم، فلم تقبلوا، واشتد حزنه على قومه ثم أنكر على نفسه فقال: فكيف يشتد حزني على قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم لكفرهم واستحقاقهم ما نزل بهم، لأنهم هم الذين أهلكوا أنفسهم بإصرارهم على الكفر 72.

وكذلك على لسان هود عليه السلام: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) [الأعراف:68] .

أي: معروف بالنصح والأمانة مشهور بين الناس بذلك، ناصح لكم فيما آمركم به من عبادته تعالى وحده، وأمين على تبليغ الرسالة، لا أكذب فيه، وإنما جيء بالجملة الإسمية دلالة على الثبات والاستمرار، وإيذانا بأن من هذا حاله لا تحوم حوله شائبة السفاهة والكذب 73.

وكما كانت النصيحة منهج الأنبياء وخلقهم؛ كذلك هي منهج وخلق المؤمنين الصادقين أتباع الأنبياء ومن ذلك الموقف الذي كان عليه مؤمن آل فرعون وهو مستضعف يكتم إيمانه إذ قال لموسى عليه السلام: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى? قَالَ يَا مُوسَى? إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) [القصص: 20] .

وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى وهو مؤمن آل فرعون، وأقصا المدينة آخرها وأبعدها، قال يا موسى: إن الملأ يتشاورون في قتلك ويتآمرون بسببك، ولما علم هذا الرجل بذلك أسرع بالخبر لموسى؛ لأنه كان معجبًا بموسى واستقامته، فاخرج إني لك من الناصحين في الأمر بالخروج 74.

ومن النصح المحمود الذي ورد في القرآن الكريم، نصح أخت موسى عليه السلام لآل فرعون في أمر إرضاع موسى عليه السلام عندما التقطه آل فرعون.

قال تعالى: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى? أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) [القصص: 12] .

والمراد من التحريم: منع الله موسى من قبول ثدي المراضع غير ثدي أمه، من قبل مجيء أم موسى، فلما رأت أخت موسى التي أرسلتها أمه في طلبه ذلك قالت هل أدلكم على أهل بيت يضمنون رضاعه والقيام بمصالحه، وهم حافظون له، ناصحون للملك، بخدمته والمحافظة عليه لا يمنعونه ما ينفعه في تربيته وإغذائه، ولا يخونونكم فيه 75.

قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 91] .

أي: إن هذه الأصناف الثلاثة لا حرج ولا إثم في قعودهم عن الجهاد الواجب على شرط أن ينصحوا لله ورسوله: أي يخلصوا لله في الإيمان وللرسول في الطاعة بعمل كل ما فيه مصلحة للأمة الإسلامية ولا سيما المجاهدين منهم، إن استقامت قلوبهم وألسنتهم، وقاموا بحق الإرشاد والتنبيه، وإن كان لهم رأى في الجهاد وجهوه، من كتمان السر والحث على البر ومقاومة الخائنين في السر والجهر وكأنهم إذا سقط واجب الجهاد بالسيف، والاعتراك في المعركة، فإنهم يحملون واجبا آخر هو الإرشاد والتوجيه، والمعاونة بكل ما يستطيعون، وإنهم إذا كانوا كذلك فإن لهم فضل الجهاد 76.

ثانيًا: نماذج من النصيحة المذمومة:

من نماذج النصيحة المذمومة التي ذكرها القرآن الكريم:

قال تعالى: (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) [الأعراف: 21] .

بعد أن وسوس الشيطان لآدم وحواء وقال لهما (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) إلا كراهة أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين الباقين الذين لا يموتون، ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما، ولما كان اللعين يعلم أن الله قد نهاهما عن هذه الشجرة وأن هذا النهي له ثقله في نفوسهما وقوته فقد استعان على زعزعته بتأمينهما من هذه الناحية فحلف لهما بالله إنه لهما ناصح، وفي نصحه صادق، ونسي آدم وزوجه أنه عدوهما الذي لا يمكن أن يدلهما على خير، وأن الله أمرهما أمرًا عليهما طاعته سواء عرفا علته أم لم يعرفاها، وأنه لا يكون شيء إلا بقدر من الله 77.

قال تعالى: {قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} [يوسف: 11] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت