الرابع: أن يحترز عن الألفاظ المجملة التي يقع النزاع في المراد بها، وهذه الأمور لا يمكن رعايتها إلا إذا كان الكاتب فقيهًا عارفًا بمذاهب المجتهدين، وأن يكون أديبًا مميزًا بين الألفاظ المتشابهة 106.
وفي هذا الأمر (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) أي: ليكن فيكم كاتب للديون عادل في كتابته، يساوي بين المتعاملين، لا يميل إلى أحدهما، فيجعل له من الحق ما ليس له، ولا يميل عن الآخر فيبخسه من حقه شيئًا، فقوله تعالى: (فَاكْتُبُوهُ ?) أمر عام للمتعاملين، وفيهم الأميُّ الذي لا يكتب؛ ولذلك احتيج إلى هذه الجملة.
وقد ذكروا أن العدل في الكاتب يستلزم العلم بشروط المعاملات التي تحفظ الحقوق؛ لأن الكاتب الجاهل قد يترك بعض الشروط أو يزيد فيها، أو يبهم في الكتابة بجهله، فيلتبس بذلك الحق بالباطل، ويضيع حق أحد المتعاملين، كما يضيع بتعمد الترك أو الزيادة، أو الإبهام إذا لم يكن عادلًا 107.
قال ابن عاشور: وقوله: (بِالْعَدْلِ) أي: بالحق، وليس العدل هنا بمعنى العدالة التي يوصف بها الشاهد، فيقال: رجل عدل؛ لأن وجود الباء يصرف عن ذلك، ونظيره قوله الآتي: (فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ) [البقرة:282] .
ولذلك قصر المفسرون قوله: (فَاكْتُبُوهُ ?) على أن يكتبه كاتب غير المتداينين؛ لأنه الغالب ولتعقيبه بقوله: (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) فإنه كالبيان لكيفية: (فَاكْتُبُوهُ ?) على أن كتابة المتعاقدين إن كانا يحسنانها تؤخذ بلحن الخطاب أو فحواه؛ ولذلك كانت الآية حجة عند جمهور العلماء لصحة الاحتجاج بالخط، فإن استكتاب الكاتب إنما ينفع بقراءة خطه 108.
ومن فوائد السعدي على هذه الآية قوله: ومنها: أن الكاتب لا بد أن يكون عارفًا بالعدل، معروفًا بالعدل؛ لأنه إذا لم يكن عارفًا بالعدل لم يتمكن منه، وإذا لم يكن معتبرًا عدلًا عند الناس رضيًا لم تكن كتابته معتبرة، ولا حاصلًا بها المقصود الذي هو حفظ الحقوق 109.
ومن مستلزمات العدل في الكتابة:
والمقصود أن من الصفات المطلوبة في الكاتب الذي يتولى كتابة الوثائق بين الناس أن يكتبها بالعدل، وأن يكتب برعاية حقوق الطرفين، ولا يميل مع أحد الطرفين، ولا ينقص أو يزيد في النصوص.
ثانيًا: العلم
ومن ضوابط الكتابة العلم بقواعد الكتابة وأصولها، وقد قال الله تعالى:(وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ [البقرة:282] .
ففي قوله: كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ) دليل على أن الكتابة علم من العلوم؛ فإذا كانت علمًا كان لها ضوابطها وقواعدها، ولا بد من العلم بهذه الضوابط والقواعد.
ولهذا بعد أن شرط الله في الكاتب العدالة شرط فيه العلم بالأحكام والفقه في كتابة الدين؛ إذ الكتابة لا تكون ضمانًا تامًّا إلا إذا كان الكاتب عالمًا بالأحكام الشرعية، والشروط المرعية عرفًا وقانونًا، وكان عادلًا حسن السيرة، لا غرض له إلا بيان الحق بلا محاباة.
وقدم صفة العدالة على صفة العلم؛ لأن العادل يسهل عليه أن يتعلم ما ينبغى أن يعلمه لكتابة الوثائق، ولكن من كان عالمًا غير عادل فالعلم بهذا وحده لا يهديه للعدالة، وقلما رأينا فسادًا من عدل ناقص العلم، ولكن أكثر الفساد من العلماء الذين فقدوا ملكة العدالة 112.
فكاتب العقود والوثائق بمنزلة المحكمة الفاصلة بين الناس، وليس كل من يخط بالقلم أهلًا لذلك، وإنما أهله من يصح أن يكون قاضي العدل والإنصاف.
فما ذكر في وصف الكاتب إرشاد من الله تعالى لتلك الأمة الأمية إلى نظام معروف، وهو أن يكون كاتب الديون عادلًا، عارفًا بالحقوق والأحكام فيها حتى لا يقع التنازع بعد ذلك فيما يكتبه، وإرشاد للمسلمين إلى أنه ينبغي أن يكون فيهم هذا الصنف من الكتاب، فهذه قاعدة شرعية لإيجاد المقتدرين على كتابة العقود، وهو ما يسمونه اليوم: العقود الرسمية.
وفيه أيضًا أن الكاتب ينبغي أن يكون غير المتعاقدين -وإن كانا يحسنان الكتابة- لئلا يغالط أحدُهما الآخر أو يغشه، وكأن هذا أمر حتم، وعليه العمل الآن، فإن للعقود الرسمية كُتَّابا يختصون بها.
وفي قوله: (وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ) الخ، دليل على أن العالم بما فيه مصلحة الناس يجب عليه إذا دعي إلى القيام بها أن يجيب الدعوة؛ ولذلك لم يكتف بالنهي عن الإباء عن الكتابة، بل أمر بها أمرًا صريحًا، فقال: (فَلْيَكْتُبْ) وهذا ظاهر لا سيما على قول من قال من أهل الأصول: إن النهي عن الشيء ليس أمرًا بضده 113.
قال ابن عاشور: وفي قوله: كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ) أي: كتابة تشابه الذي علمه الله أن يكتبها، والمراد بالمشابهة المطابقة لا المقاربة، فهي مثل قوله: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ) [البقرة:137] .
ومعنى: ما علمه الله أنه يكتب ما يعتقده، ولا يجحف أو يوارب؛ لأن الله ما عَلَّم إلا الحق، وهو المستقر في فطرة الإنسان، وإنما ينصرف الناس عنه بالهوى، فيبدلون ويغيرون؛ وليس ذلك التبديل بالذي علمهم الله تعالى، ويجوز أن تكون الكاف لمقابلة الشيء بمكافئه، والعوض بمعوضه، أي: أن يكتب كتابة تكافئ تعليم الله إياه الكتابة، بأن ينفع الناس بها شكرًا على تيسير الله له أسباب علمها، وإنما يحصل هذا الشكر بأن يكتب ما فيه حفظ الحق، ولا يقصر، ولا يدلس، وينشأ عن هذا المعنى من التشبيه معنى التعليل، كما في قوله تعالى: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [القصص:77] .
وقوله: (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ) [البقرة:198] 114.
والمقصود: أن من ضوابط الكتابة التي أشار الله إليها في هذه الآية العلم بها، وبما يتعلق بها، فإذا كان عالمًا بذلك ودعي للكتابة فليجب؛ ولهذا قال: (وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ?) وهذا نهي لمن كان قادرًا على الكتابة من أن يمتنع عن الكتابة، فلا يصح لمن يحسن الكتابة من حيث جودة الخط واستبانته، ومن حيث العلم بفقه العقود، والقدرة على تحقيق العدالة بين العاقدين في وثيقة العقد؛ لا يصح له أن يمتنع عن الكتابة إذا دعي إليها، وإنه ليأثم إن تعين للكتابة، ولم يوجد موثوق به فيها سواه، وامتنع عن الكتابة؛ ولقد قال الفقهاء: إن الكتابة فرض كفاية بمعنى أنه إذا امتنع كُتَّابُ أهل قرية عن الكتابة أثموا، بل إنه يجب على أهل كل قرية أن يخصصوا ناسًا لكتابة الوثائق فيها.
وإنه على هذا يجب أن تعمل الدولة على تهيئة ناس لتوثيق العقود وكتابتها، وإن الكتابة لطلابها من التعاون على البر والتقوى، فهي صناعة، وهي علم، وواجب على الصانع أن يعين من لا يحسن، فقد عد النبي صلى الله عليه وسلم من أعمال الخير أن (تعين صانعًا، أو تصنع لأخرق) 115.
والامتناع عن الكتابة ككتمان العلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من سئل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار) 116.
والكاف في قوله تعالى: كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ) للتشبيه، لكن ما المعنى الذي يفيده هذا التشبيه؟
ذكر الزمخشري: أن معناه: إما أن يكون تشبيهًا بين علم الكتابة والواجب على الكاتب 117، إي: أنه كما أن الله علمه الكتابة، ويسرها له، وجعله أهل خبرة، عليه واجب المعاونة بالكتابة لغيره، فالتشبيه تشبيه بين نعمة الكتابة والواجب المتعلق بها، فما من نعمة إلا تتولد عنها واجبات مساوية لها، فنعمة الكتابة يقابلها ويشابهها ويماثلها واجب معاونة غيره بها، وهو بقدرها، ويأثم عند الترك بمقدار علمه، هذا أحد وجهي التشبيه.
أما الوجه الآخر: فهو أن التماثل بين ما يكتب على القرطاس وما آتى الله الكاتب من فقه وعلم بالعقود والالتزامات؛ والمعنى على ذلك: لتكن كتابة وثيقة الدَّيْنِ على مقتضى العلم والفقه الذي فَقَّهَ الله به الكاتب، أي: تكون الكتابة على مقتضى أحكام الشرع، فلا تكون فيها شروط ليست في كتاب الله، أو لا يسوغها الشرع، أو لا يمكن تنفيذها 118.
والحاصل: أن في هذه الجملة بيان صفة الكاتب، وأن الذي يكتب شخص يجيد الكتابة، وعنده فقهها وعلمها، بأن يكون على علم بشروط العقود وتوثيقها، وما يكون من الشروط سائغًا في الشرع، وما يكون غير سائغ، وقد ذكر في النص الكريم بوصف (كَاتِبٌ) للدلالة على مهارته في الكتابة، وكونها له كالمَلَكَة 119.
قال الجصاص: ولذلك قال تعالى عقيب الأمر بالكتابة: (وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ?) يعني -والله أعلم-: ما بينه من أحكام العقود الصحيحة والمداينات الثابتة الجائزة؛ لكي يحصل لكل واحد من المتداينين ما قصد من تصحيح عقد المداينة؛ ولأن الكاتب بذلك إذا كان جاهلًا بالحكم لا يأمن أن يكتب ما يفسد عليهما ما قصداه، ويبطل ما تعاقداه.
والكتاب وإن لم يكن حتمًا وكان ندبًا وإرشادًا إلى الأحوط، فإنه متى كتب فواجب أن يكون على هذه الشريطة، كما قال عز وجل: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة:6] .
فانتظم ذلك صلاة الفرض والنفل جميعًا، ومعلومٌ أن النفل غير واجب عليه؛ ولكنه متى قصد فعلها وهو محدث فعليه أن لا يفعلها إلا بشرائطها من الطهارة وسائر أركانها، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أسلم فليسلم في كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ) 120.
والسلم ليس بواجب؛ ولكنه متى أراد أن يسلم فعليه استيفاء الشرائط؛ فكذلك كتاب الدين والإشهاد ليسا بواجبين؛ ولكنه متى كتب فعلى الكاتب أن يكتبه على الوجه الذي أمره الله تعالى به، وأن يستوفي فيه شروط صحته؛ ليحصل المعنى المقصود بكتابته 121.
ثالثًا: الحفظ من التبديل والتحريف:
ومن ضوابط الكتابة حفظها من التبديل والتحريف، وقد مدح الله تعالى الربانيين والأحبار بكونهم استحفظوا كتاب الله فحفظوه، والحفظ يشمل ناحية العمل، وناحية حفظه، حفظ صدر، وحفظ كتاب، فقال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ? يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) [المائدة:44] .
فقوله: (بِمَا اسْتُحْفِظُوا) أي: بالذي استحفظوه من جهة النبيين، وهو التوراة، حيث سألوهم أن يحفظوها من التغيير والتبديل على الإطلاق، ولا ريب في أن ذلك منهم -عليهم السلام- استخلافٌ لهم في إجراء أحكامها من غير إخلالٍ بشيء منها، وفي إبهامها أولًا، ثم بيانها ثانيًا بقوله تعالى: (مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) من تفخيمها وإجلالها ذاتًا وإضافةً، وتأكيد إيجاب حفظها، والعمل بما فيها ما لا يخفى.
وإيرادها بعنوان الكتاب للإيماء إلى إيجاب حفظها عن التغيير من جهة الكتابة 122.
والأحبار: هم العلماء، جمع حبر، أو حبر، وهما لغتان، وهو مأخوذ من معنى التزيين والتحسين؛ لأن الحبر هو الأثر الحسن ذو الرونق، ويكون المعنى: الذين يجمعون العلم ويدرسونه ويزينونه بالقول الحسن، والتطبيق الجيد، أو هو مأخوذ من الحبر مادة الكتابة لعنايتهم بتدوين علمهم، وعرضه للناس، وإبقائه أثرًا خالدًا من بعدهم.
والمفسرون على أن الربانيين والأحبار نوعان، قد طبقوا حكم التوراة، فالأولون صَفَتْ نفوسهم، وربوها بالعلم والعبادة، والآخرون جمعوا العلم، ورتبوه وعرضوه، وعلى هذا التفسير الذي يجعلهم نوعين متغايرين، نوجه القول فيه: بأن الذين قاموا على التوراة صنفان:
أحدهما: جمع علمها، واستخرج ينابيعها، وأحاط بها.
وآخرون: طبقوها في الأقضية.
أي: إن الفقهاء وهم الأحبار قدموا خلاصة ما علموا نقيًّا محبرًا تحبيرًا جيدًا، والآخرون وهم الربانيون طبقوه مجردين أنفسهم من كل شهوة وهوى، فالضعيف عندهم قوي، حتى يأخذوا الحق له، والقوي منهم ضعيف حتى يأخذوا الحق منه، كما يفعل الربانيون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم رضي الله عنهم.
وقُدِّمَ الربانيون على الأحبار لأنهم الذين يطبقون العلم على العمل، والمقام في الآية هو مقام التطبيق، فالعمل الواضح هو عمل الربانيين؛ لأنهم الذين يحكمون بحكم التوراة.
وقد خص الله تعالى الفريقين بقوله تعالت كلماته: (بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) فالباء هنا متعلقة بـ (يَحْكُمُ) أي: إن النبيين والربانيين والأحبار يحكمون بما في التوراة؛ لأنهم حملوا أمانة حفظ كتاب الله، بحيث لا يضيعونه، ولا يهملون أحكامه، وقد يقال: إنها متعلقة بالربانيين والأحبار، على معنى أنهم أوتوا هاتين المنزلتين منزلة الربانية والعلم، بسبب أنهم حملوا أمانة الكتابة.
و (اسْتُحْفِظُوا) بالبناء للمجهول فيه بيان أنهم بمقتضى ما منحوا من صفات عهد إليهم أمر المحافظة على كتاب الله المنزل على نبيه، والمراد بكتاب الله هنا التوراة، وعبر عنها بكتاب الله تعالى للإشارة إلى منزلتها إبان نزولها قبل تحريفها، وإلى شرف من يقومون بحفظها، وإلى مكان التكليفات والأحكام التي اشتملت عليها.
والاستحفاظ هو الحفظ المطلوب؛ إذ إن السين والتاء للطلب، والمعنى: إن الربانيين والأحبار حفظوا كتاب الله تعالى بإلهامهم طلب الحق والعلم، وتوجيههم نحو الخير، وكان حفظهم مؤكدًا؛ لأنه استجابة لطلب الله تعالى الخبير، وحفظ الكتاب بعلم ما اشتمل عليه، ومنعه من الضياع والتحريف، وتنفيذ الأحكام التي يأمر بها، وطاعته فيما ينهى.
وكان أولئك الربانيون والأحبار شهداء، أي رقباء، يحافظون على نصوصه كاملة، ويشهدون بصدق ما نزل من عند الله، ويردون المحرف، وكانوا أيضًا رقباء على تنفيذه، بحيث ينفذ من غير عوج 123.
وكذلك في تسمية القرآن بهذين الاسمين: القرآن والكتاب إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أي: أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعًا، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلًا بعد جيل، على هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر.
وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمة المحمدية؛ اقتداء بنبيها بقي القرآن محفوظًا في حرز حريز، إنجازًا لوعد الله الذي تكفل بحفظه، حيث يقول: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9] .
ولم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند، فإن الله لم يتكفل بحفظها، بل وكلها إلى حفظ الناس، فقال تعالى: (وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) [المائدة:44] .
أي: بما طلب إليهم حفظه 124.
والمقصود: إن في ذكر هذه الشروط في الكاتب والكتابة إرشادًا من الله للمسلمين أن يكون فيهم هذا الصنف من الكُتَّاب القادرين على الكتابة، فيما فيه مصلحة الناس؛ لأن الموضوع هام لتعلقه بحفظ الحقوق، ولا سيما لدى الأميين الذين خوطبوا به أولًا.
ولهذا قال: (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ? وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ?ٹ) [البقرة:282] .
ففي هذا النص بيان لكيفية الكتابة المأمور بها، وتعيين من يتولاها، عقب الأمر بها على سبيل الإجمال.
أي: عليكم أيها المؤمنون إذا تعاملتم بالدين إلى أجل معين أن تكتبوا هذا الدين؛ وليتول الكتابة بينكم شخص يجيدها وعنده فقهها وعلمها، بأن يكون على معرفة بشروط العقود وتوثيقها، وما يكون من الشروط موافقًا لشريعة الإسلام، وما يكون منها غير موافق، وعلى هذا الكاتب أن يلتزم الحق مع الدائن والمَدين في كتابته؛ لأن الله تعالى يقول: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى? أَلَّا تَعْدِلُوا ? اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى? ?) [المائدة:8] .
فالجملة الكريمة تحض المتعاملين بالدين أن يختاروا لكتابته شخصًا تتوافر فيه إجادة الكتابة، والخبرة بشروط العقود وتوثيقها، كما تتوافر فيه الاستقامة، وتحري الحق، ومفعول (يَكْتُبَ) محذوف ثقة بانفهامه، أي: وليكتب بينكم الكتابة كاتب بالعدل، والتقييد بالظرف (بَيْنَكُمْ) للإيذان بأنه ينبغي للكاتب ألا يسمح لنفسه بأن ينفرد به أحد المتعاقدين؛ لأن في هذا الانفراد تهمة يجب أن يربأ بنفسه عنها 125.
تظهر أهمية وقيمة الكتابة في اعتناء القرآن الكريم بالحديث عنها، حيث تنوعت أساليب القرآن الكريم في عرضه لهذا الموضوع، والدعوة إليه، ومن هذه الأساليب ما يأتي:
أولًا: القَسَمُ بالمكتوب والأداة:
من أساليب القرآن في الحث على الكتابة القسم بالمكتوب، وأداة الكتابة التي هي القلم، قال تعالى: (ن ? وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ?1?) [القلم:1] .
فأقسم تعالى بالقلم الذي يكتب الناس به العلوم والمعارف، فإن القلم أخو اللسان، ونعمة من الرحمن على عباده، والمعنى: أقسم بالقلم، وما يكتبه الكاتبون على صدق محمد وسلامته مما نسبه إليه المجرمون من السفه والجنون.
وفي القسم بالقلم والكتابة إشادة بفضل الكتابة والقراءة، فالإنسان من بين سائر المخلوقات خصه الله بمعرفة الكتابة؛ ليفصح عما في ضميره.
وحسبك دليلًا على شرف القلم أن الله أقسم به في هذه السورة تمجيدًا لشأن الكاتبين، ورفعًا من قدر أهل العلم، ففي القلم البيان كما في اللسان، وبه قوام العلوم والمعارف 126.
قال ابن كثير: والظاهر من قوله تعالى: (وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ?1?) أنه جنس من القلم الذي يكتب به، وهو قَسَم منه تعالى لتنبيه خلقه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم؛ ولهذا قال: وَمَا يَسْطُرُونَ) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني: وما يكتبون 127.
أما الطبري فقد قال: وأما القلم فهو القلم المعروف، غير أن الذي أقسم به ربنا من الأقلام القلم الذي خلقه الله تعالى ذكره، فأمره فجرى بكتابة جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة 128.
وقد أطال ابن القيم في شرح فوائد القلم، وبيان عظمته، حيث قال: فأقسم بالكتاب وآلته، وهو القلم الذي هو إحدى آياته، وأول مخلوقاته الذي جرى به قدره وشرعه، وكتب به الوحي، وقيد به الدين، وأثبتت به الشريعة، وحفظت به العلوم، وقامت به مصالح العباد في المعاش والمعاد، فوطدت به الممالك، وأمنت به السبل والمسالك، وأقام في الناس أبلغ خطيب، وأفصحه وأنفعه لهم وأنصحه، وواعظًا تشفي مواعظه القلوب من السقم، وطبيبًا يبرئ بإذنه من أنواع الألم، يكسر العساكر العظيمة على أنه الضعيف الوحيد، ويخاف سطوته وبأسه ذو البأس الشديد، بالأقلام تدبر الأقاليم، وتساس الممالك، والعلم لسان الضمير يناجيه بما استتر عن الأسماع، فينسج حلل المعاني في الطرفين، فتعود أحسن من الوشي المرقوم، ويودعها حكمه فتصير بوادر الفهوم والأقلام نظام الأفهام، وكما أن اللسان بريد القلب، فالقلم بريد اللسان، ويولد الحروف المسموعة عن اللسان كتولد الحروف المكتوبة عن القلم، والقلم بريد القلب ورسوله وترجمانه ولسانه الصامت 129.
ثم عقد فصلًا في مراتب الأقلام، فجعلها اثني عشر قلمًا.
أولها: وأعلاها وأجلها قدرًا قلم القدر السابق الذي كتب الله به مقادير الخلائق، وقد أقسم به إعظامًا له.
ثانيها: قلم الوحي، يكتب به وحي الله تعالى إلى رسله وأنبيائه.
ثالثها: قلم الفقهاء والمفتين، ويتلوه على الترتيب التنازلي: قلم طب الأبدان، وقلم التوقيع عن الملوك والساسة، وقلم الحساب تضبط به الأموال، وقلم الحكم تثبت به الحقوق، وتنفذ القضايا، وقلم الشهادة تحفظ به الحقوق، وتصان عن الإضاعة، وقلم تعبير الرؤيا، ووحي المنام، وقلم التاريخ، وقلم اللغة، يشرح معاني ألفاظها ونحوها وتصريفها، وأسرار تراكيبها، ثم القلم الجامع، وهو قلم الرد على المبطلين 130.
وقد أكثر الحكماء والبلغاء في وصف القلم ونفعه، فقال ابن الهيثم: من جلالة القلم أنه لم يكتب الله تعالى كتابًا إلا به؛ لذلك أقسم الله تعالى به، وقيل: الأقلام مطايا الفطن، ورسل الكرام، وقيل: البيان اثنان: بيان لسان، وبيان بنان، وفضل بيان البنان أن ما تثبته الأقلام باقٍ على الأيام، وبيان اللسان تدرسه الأعوام، وقال بعض الحكماء: قوام أمور الدين والدنيا شيئان: القلم والسيف، والسيف تحت العلم، وفيه يقول ابن الرومي 131:
إن يخدم القلم السيف الذي خضعت
له الرقاب ودانت حذره الأمم
فالموت والموت لا شيء يغالبه
ما زال يتبع ما يجرى به القلم
كذا قضى الله للأقلام مذ بريت
إن السيوف لها مذ أرهفت خدم 132
ومنه قول أبي الفتح البستي 133:
إذا أقسم الأبطال يومًا بسيفهم
وعدوه مما يكسب المجد والكرم