ورد عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية:(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى? رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) [المؤمنون:60] .
قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: (لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا تقبل منهم) 125.
وأختم هذه الصفات المباركة لأهل الإيمان والسبق - أسأل الله تعالى أن نكون جميعًا منهم- بهذه التذييل الرائع للإمام الرازي حيث يقول 126 معلقًا على ترتيب الصفات الأربع حسبما وردت في الآيات:
«اعلم أن ترتيب هذه الصفات في نهاية الحسن.
فالصفة الأولى دلت على حصول الخوف الشديد الموجب للاحتراز عما لا ينبغي.
والثانية: دلت على التصديق بوحدانية الله.
والثالثة: دلت على ترك الرياء في الطاعات.
والرابعة: دلت على أن المستجمع لتلك الصفات يأتي بالطاعات مع الوجل والخوف من التقصير، وذلك هو نهاية مقامات الصديقين»، اللهم اجعلنا منهم أجمعين، بفضلك وكرمك يا أكرم الأكرمين، يارب العالمين.
جبل بنو البشر وغيرهم على كثير من الأمور النفسية كالدوافع والانفعالات، وما تتحرك الخلائق لفعل شيء ما إلا إذا كانت هناك دوافع تدفعهم نحوه، وترغبهم فيه، وتيسر عليهم بعض ما يجدونه في طريقهم نحو أهدافهم على اختلافها وتنوعها، ومما لا شك فيه أن السابقين بالخيرات وقفوا على الجوائز والمنح التي رصدها الله تعالى لهم في الدنيا والآخرة، فدفعهم ذلك إلى السبق والتنافس.
وسيتم الحديث عن بعض ما أكرم الله تعالى به السابقين إلى مغفرته ورضوانه من جزاء وثواب في الدنيا ثم الآخرة، في النقاط الآتية:
أولًا: ثواب السابقين في الخيرات في الدنيا:
عدد الله تعالى الجوائز والمنح لأوليائه من المؤمنين السباقين إلى الخيرات في الدنيا، وذكر ذلك في كتابه، إما تصريحًا أو تلميحًا، والمتأمل يجد الشيء الكثير من ذلك، وسيعدد البحث هذه المنح الدنيوية فيما يلي:
قد يظن الظان لأول وهلة أن هذا الثواب يكون للسابقين في الآخرة لا الدنيا، لكن ما الدليل على هذا التخصيص، وقد جاءت الآيات مطلقة؟ مثل قوله تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ) [التوبة:100] .
بل أرى أن الآية قد تفيد أن هذا الرضى إنما هو دنيوي في المقام الأول، وذلك لقوله تعالى (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) ثم مجيء قوله تعالى بعده: (وَأَعَدَّ لَهُمْ) مما يقتضي سبق الرضا على الإعداد، لكن لا مانع أن يكون هذا الرضا لهم من الله تعالى منحة دنيوية وأخروية كذلك، ولا حرج على فضل الله تعالى وكرمه.
حيث إنه سبحانه وصفهم بما يدل على ذلك في قوله تعالى (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ(10) أُولَ?ئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (14 ) ) [الواقعة:10 - 14] .
فعبر بما يشير إلى تميزهم بأمرين:
أولهما: التعبير باسم الإشارة للبعيد (أُولَ?ئِكَ) ، وذلك لبعد مكانتهم، وعلو منزلتهم، وعظم شأنهم عند ربهم جل وعز.
ثانيهما: التعبير بالقلة في جانبهم حيث قال: (وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ) وهذا يدل على تميزهم، وفضلهم على من سواهم، وفي ذلك يقول السعدي: (وهذا يدل على فضل صدر هذه الأمة في الجملة على متأخريها، لكون المقربين من الأولين أكثر من المتأخرين، والمقربون هم خواص الخلق) 127.
فالسابقون طائفة خاصة من أهل الإيمان، وأهل الإيمان وعدهم الله تعالى بعدة أمور، منها: هدايته تعالى إياهم لعمل الصالحات، ودليله قوله تعالى (ٹ ٹإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ) [يونس:9] .
والمراد: (يهديهم ربهم في الدنيا، حتى يثبتهم على الإيمان ويدخلهم في الآخرة الجنة بإيمانهم) 128، ولو لم تكن لهم منحة من الله تعالى إلا هذه لكفتهم، اللهم اجعلنا منهم أجمعين.
يكفي السابقين أنهم مشمولون بكل وعد حسن وعد الله تعالى إياه عباده المؤمنين، ومن أعظم هذه الوعود قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَ?نُ وُدًّا) [مريم:96] .
ومقصود الآية الكريمة: أن الذين آمنوا بالله ورسله، وصدقوا بما جاءهم من عند ربهم، وعملوا به، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، سيجعل لهم الرحمن محبة ومودة في صدور عباده المؤمنين، لإيمانهم وعملهم الصالح، يقال: وَدَّ فلانٌ فلانًا، إذا أحبه وأخلص له المودة 129.
ويسبق ذلك محبة الله تعالى لهم، ثم ملائكته الكرام، ثم توضع لهم المحبة في السماء والأرض، يؤكد لنا هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم (إن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبدًا نادى جبريل: إن الله قد أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء: إن الله قد أحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في أهل الأرض) 130.
فاللهم اجعلنا جميعًا من أهل وُدِّكَ ومحبتك يارب العالمين.
وهذا أيضًا من عطاء الله تعالى لأهل الإيمان المنفقين، ولا شك أن السابقين حازوا قصب السبق في ذلك مع وجل قلوبهم وخوفهم أن لا تقبل منهم صدقاتهم وغيرها، تصديقًا لقوله تعالى في وصفهم: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى? رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) [المؤمنون:60] .
والتطهرُ والتزكيةُ وَعْدٌ مِنَ الله للمنفقين كما ورد في قوله (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ) [التوبة:103] .
ومن حسن المناسبة أن ترد هذه الآية في سورة «التوبة» بعد آية (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ) بآيتين اثنتين ليدل ذلك على أن للسابقين النصيب الأوفى في هذه التزكية والتطهر، والله أعلم.
من موعود الله تعالى لأهل الإيمان أنه يحييهم حياة طيبة في الدنيا جزاء لأعمالهم الطيبة، ولا شك أن السابقين ما نالوا السبق إلا بتوفيق الله تعالى لهم في عمل هذه الأعمال الطيبة.
قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى? وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ? وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل:97] .
وفيها يخبر الله تعالى أن (من عمل بطاعته، وأوفى بعهود الله إذا عاهد من ذكر أو أنثى من بني آدم وهو مؤمن ومصدق بثواب الله الذي وعد أهل طاعته على الطاعة، وبوعيد أهل معصيته على المعصية فسيحييهم الله في الدنيا ما عاشوا فيها بالرزق الحلال أو القناعة أو السعادة ونحوها) 131.
وعد الله عز وجل فريقًا من الناس أنهم إن آمنوا به واتقوه لأغدق عليهم بركاته السماوية والأرضية في قوله تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى? آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [الأعراف:96] .
والمعنى: ولو أن أهل القرى وحدوا الله، واتقوا الشرك، وما صمموا عليه من الكفر، ولم يصروا على ما فعلوا من القبائح، ليسرنا لهم خيرات السماء والأرض، كما يحصل التيسير للأبواب المغلقة بفتح أبوابها، والمطر، والنبات، وكثرة المواشي والأنعام ونحوها 132.
ولعل القارئ الكريم يتساءل: وما علاقة الآية بالسابقين وجزائهم الدنيوي؟
والجواب: إذا كان الله جل وعز قد وعد هؤلاء بالإغداق عليهم من بركات السماء والأرض عند توحيدهم وتقاهم، فإنه سبحانه وتعالى يحقق هذه الموعود لمن يحقق شرطه من الخلق، ولا شك أن السابقين حازوا قصب السبق في ذلك، ولا أحد أوفى بعهده من الله تعالى.
وهذه منحة عظمى من الله تعالى طلبها عباد الرحمن من ربهم سبحانه في دعائهم إياه (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) [الفرقان:74] .
أي: اجعلنا بحيث يقتدون بنا في إقامة مراسم الدين، بإفاضة العلم والتوفيق للعمل الصالح 133.
ولعل هذا هو لسان حال السابقين؛ لأن علو الهمة دأبهم، وطلب معالي الأمور شيمتهم، والسبق في الدين والطاعة سمتهم، ومن ثم فليس غريبًا عنهم هذا الطلب والرجاء، ولا نبعد كثيرًا حين نقول: إن السابقين من عباد الرحمن، والله أعلم.
من غاية عطاء الله تعالى وكرمه لعباده المؤمنين أن ألهم ملائكته الدعاء والاستغفار لهم، وتصديق ذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ?7?) [غافر:7] .
وفيه: يخبر تعالى بخبر يتضمن تشريف المؤمنين، ويعظم الرجاء لهم، وهو أن الملائكة الحاملين للعرش والذين حول العرش - وهؤلاء أفضل الملائكة- يستغفرون للمؤمنين، ويسألون الله لهم الرحمة والجنة، وهذا معنى قوله تعالى في غير هذه الآية: (كَانَ عَلَى? رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا) [الفرقان: 16] .
أي: سألته الملائكة 134.
وأهل السبق لهم النصيب الأوفى من هذه الدعوات؛ حيث إنهم لم يكونوا من المؤمنين وفقط، بل سبقوا غيرهم طاعة وعبادة وفضلًا.
وعد الله عباده المؤمنين بالتمكين بمثل قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى? لَهُمْ) [النور:55] .
وبالنصر على الأعداء في مثل قوله تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر:51] .
فإذا لم يكن السابقون إلى الخيرات مشمولين بهذين الوعدين الكريمين فَمَنْ؟ وإذا لم يُمْكِّنْ أمثالهم في الأرض لإعمارها، وإصلاح شؤونها وشؤون أهلها فَمَنْ؟ فهم أهل لكل تمكين ونصر وخير وبر وبركة.
والناظر في كتاب الله يجد من هذا الصدد الكثير والكثير، لست مبالغًا حين أقول: إن جميع موعود الله تعالى لعباده المؤمنين، وكذلك المتقين أيضًا يشمل السابقين؛ لأنهم بلا شك آمنوا واتقوا، بل وسبقوا غيرهم في الطاعات وسائر القربات، ولو استرسل البحث في ذلك لطال به المقام، وما وفَّى السابقين حقهم، وهم قد بلغوا ما بلغوه بالصبر والمثابرة، والصابرون يُوَفَّوْنَ أجورهم بغير حساب، ولا شك أن واجبنا نحوهم يتلخص في اقتفاء أثرهم، والسير على منهجهم،، وتقديرهم وإجلالهم، والذب عنهم، ودعوة الناس إلى سلوك طريقهم، والسير في ركابهم، ومحبتهم، والإقبال عليهم، ومن أحب قومًا حشر معهم ..
والآن إلى جولة للبحث أخيرة مع بيان جزاء السابقين في الآخرة، وذلك فيما يلي:
ثانيًا: ثواب السابقين إلى الخيرات في الآخرة:
قد وقف البحث بنا فيما مضى على بعض منح الله تعالى وعطاياه للسابقين إلى الخيرات في الدنيا، والآن يجول بنا جولة أخيرة للوقوف على بعض عطاياه سبحانه لهم في الآخرة، ولا شك أنها خير وأعظم أجرًا، وأبقى أثرًا، وأعظم نفعًا (لَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ? وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ) [النحل:30] .
وسيقف البحث عليها من خلال التأمل في المواطن الثلاثة الواردة في سور (التوبة وفاطر والواقعة) ، وسيذكرها البحث -كما هو منهجه- مرتبة مصحفيًّا حسب سورها فيما يلي:
أشار القرآن الكريم إلى هذه النعمة الكبرى في قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) [التوبة:100] .
والمعنى: ومعنى الكلام- كما يقول الطبري 135 -: رضي الله عن جميعهم لما أطاعوه، وأجابوا نبيه إلى ما دعاهم إليه من أمره ونهيه، ورضي عنه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، لما أجزل لهم من الثواب على طاعتهم إياه، وإيمانهم به وبنبيه عليه السلام.
وأكرم وأنعم بهذه النعمة من منزلة ومكانة لا تدانيها منزلة مثلها، وأعجبني في هذا الصدد قول أحد العلماء: لا تعبدوا الله تعالى ليعطي، بل اعبدوه ليرضى؛ فإنه إن رضي أدهشكم بعطائه، فاللهم اجعلنا جميعًا ممن تغدق عليهم بعظيم عطائك.
ذكر الله تعالى في نهاية سورة «الواقعة» أحوال عباده عند الموت، وصنفهم ثلاثة أقسام، وجعل أول هذه الثلاثة: المقربين، وكما مر بنا أن المقربين هم السابقون، وهؤلاء السابقون لهم مكانة عظيمة وكرامة عند ربهم حتى عند قبض أرواحهم، وهذا يوضحه قوله تعالى: (فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ(88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ) [الواقعة:88 - 89] .
وفي هاتين الآيتين يوضح الله ما يلاقيه السابقون المقربون عند موتهم، فعن أبي العالية قال: لم يكن أحد من المقربين يفارق الدنيا-والمقربون السابقون-حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه، ثم يقبض.
والمعنى: فأما إن كان الميت من المقربين الذين قربهم الله من جواره في جنانه (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ) أي: فله الرحمة والراحة والمغفرة، والرزق الطيب الهنيء، أو المراد: أن أرواح المقربين تخرج من أبدانهم عند الموت بريحان تشمه 136.
وأيما كان تفسير الروح والريحان فإن المراد بيان كرامة المقربين أهل السبق عند ربهم سبحانه، وأنهم يبشرون بالراحة والرحمة والمغفرة، والروائح الطيبة عند خروج أرواحهم؛ وذلك لطيب أقوالهم وأعمالهم ومعيشتهم كلها، فاللهم اجعلنا منهم بفضلك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
الحديث عن هذه النعمة في آيات القرآن كثير، لكن أكتفي بما وردت الإشارة به إلى جزاء السابقين من قوله تعالى (وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ?) [التوبة:100] .
والآية أوضح من أن يعلق عليها، حيث إنها تبين عظيم امتنان الله على هؤلاء السابقين بسبق إعداد الجنات لهم، جزاء وفاقًا لأعمالهم، وهذا فيه مزيد تشريف وتكريم لهم، فاللهم اجعلنا منهم أجمعين.
نَوَّعَ الله تعالى لأهل الجنة عمومًا ولأهل السبق خصوصًا صنوفًا شتى من النعيم في الجنات، حتى تسعد نفوسهم، وتهنأ قلوبهم، ولا تمل أجسادهم، تقديرًا لسبقهم، ومكافأة على أعمالهم - وإن كان مبدأ دخولهم الجنة محض فضل من ربهم الكريم سبحانه- وسنرى الآن كيف نوع الله هذا النعيم من خلال المواطن الثلاثة - كما سبق- فيما يلي:
••تعدد الجنات.
أشار الله تعالى إلى أنها جنات وليست جنة واحدة، في قوله: (وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ) [التوبة:100] .
والجمع فيه إشارة إلى تنوعها وتعددها، باعتبار أن لكل واحد منهم جنات جنة الفردوس، وعدن، والنعيم، ودار الخلد، أو الجمع باعتبار أنهم جمع، وفيه لفت نظر إلى أن الجنة منازل ومراتب، وفي كل منزلة من النعيم العظيم ما فيها، أو الجمع إشارة إلى سعتها، وكثرة أشجارها وتنوعها 137، والله أعلم.
••تجري تحتها الأنهار.
ورد هذا الوصف في الموطن الوحيد في القرآن، وهو قوله: (وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ) [التوبة:100] .
وسبقت الإشارة إلى سر حذف «من» وهو التنبيه على عموم ريها وكثرة مائها، ولعل تخصيص هذا الموضع بالخلاف؛ لأنه يخص هذه الطائفة، فلعلها تخص بجنة هي أعظم الجنان رِيَّا وُحْسنًا 138.
••الخلود الأبدي فيها.
إن مما ينغص على أهل النعيم نعيمهم معرفتهم بأنهم سيفارقون هذا النعيم، أو النعيم قد يفارقهم، كحال أهل الدنيا، ومن ثم امتن الله تعالى على أهل السبق إلى الخير بطمأنتهم من هذه الناحية، وإخبارهم أنهم مخلدون في الجنات، لا يفارقهم النعيم ولا هم يفارقونه بقوله تعالى (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ? ذَ?لِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: 100] .
مع الإشارة إلى أن ذلك فوز عظيم لا فوز بعده.
••وصفها بجنات عدن.
ورد هذا الوصف في سورة فاطر في قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ? ذَ?لِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ(32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا) [فاطر:32 - 33] .
وعدن أي: استقرار وثبات، وعدن بمكان كذا: استقر، ومنه المعدن: لمستقر الجواهر 139، والمراد: وصف هذه الجنان بأنها مكان استقرار وإقامة وثبات، لا هم يتحولون عنها، ولا هي تتحول عنهم، بهدم أو انتقال لغيرهم ونحو ذلك ممايعرض لمنازل الدنيا.
••تنوع الحلية واللباس فيها.
وهذه المنحة منحهم إياها الجليل أيضًا في الجنات، ودليلها قوله تعالى: (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ? وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) [فاطر:33] .
والأساور جمع أسورة، والأسورة زينة تلبس في اليد، وهي من زينة الملوك تسور في اليد، وتتوج على الرأس، ويكون السوار من الذهب والفضة، وكلاهما من لباس أهل الجنة، أحلنا الله فيها برحمته 140، وهم يحلون فيها بالأساور الذهبية المرصعة باللؤلؤ زيادة في تقديرهم وإكرامهم.
ويلحظ هنا أمرين:
أولهما: أن الله تعالى عبر في جانب الحلية بالفعل (يُحَلَّوْنَ) للدلالة على تجدد تزينهم بها، وأنها تتغير من حين إلى حين، بينما عبر في جانب اللباس بالاسم (وَلِبَاسُهُمْ) للدلالة على الدوام والثبوت، وأن أحوالهم لا تنفك عن شيء من اللباس أبدًا، فهم مستورون في الدنيا والآخرة.
ثانيهما: الاقتصار هنا وفي أغلب آي القرآن على التحلي بالأساور فقط دون غيرها للإشارة إلى إظهار كون المتحلي غير مبتذل أو مهان في الأشغال؛ فالتحلي لا يكون حالة الطبخ والغسل، وفيه إشارة أيضًا إلى إظهار استغنائهم عن الأشياء، لأن التحلي بالذهب والفضة يدل على أن صاحبهما غير محتاج، وإلا لصرف الذهب والفضة إلى دفع حاجته 141، وكيف يحتاجون وهم في ضيافة أكرم الأكرمين، رب العالمين سبحانه؟!
إلهامهم الحمد والشكر فيها.
وهذه نعمة عظيمة، ومنحة جليلة أيضًا، بها يحمدون ربهم، وتلهج ألسنتهم بتسبيحه وشكره على جليل نعمائه التي أفاء عليهم بها، ولا أدل على ذلك من قول السابقين في الجنة يقرون بحمد ربهم، والثناء عليه بما هو أهله (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ? إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ?34?) [فاطر:34] .
وورد أن النبي صلى الله عليه وسلم تحدث عن أهل الجنة فقال: (إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون) قالوا: فما بال الطعام؟ قال: (جشاء ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد، كما تلهمون النفس) 142، فاللهم لا تحرمنا فضل ما عندك بسوء ما عندنا يا أكرم الأكرمين.
••ذهاب الحزن.
تعددت أقوال المفسرين في بيان الحزن الذي حمد أهل الجنة ربهم على إذهابه عنهم لما أدخلهم الجنة بقولهم: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) [فاطر:34] .
وخلاصة أقوالهم تفيد أن المراد بالحزن هنا: حزن الخبز، أو حزن الذنوب والسيئات وخوف رد الطاعات، أو حزن الموت.
وقيل: حزن الجنة والنار لا يدري إلى أيهما يصير.
وقيل: حزن إبليس ووسوسته، أو حزن القطيعة، وقيل: حزن أهوال الدنيا وأوجاعها، وقيل: حزن زوال النعم، وتقليب القلب، وخوف العاقبة.
وقيل: ما كان حزنهم إلا تدبير أحوالهم وسياسة أنفسهم، فلما نجوا منها حمدوا (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ? إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) 143.
وأرى أنه لا مانع من الجمع بين هذه الأقوال كلها، وبخاصة أنهم عاشوا في الدنيا، وقاسوا آلامها، وعانوا كثيرًا من عيشها وكدرها، ثم قاسوا الآم الموت وسكراته، وعاينوا النار وعذاب أهلها فيها، وهذه كلها أحزان تستأهل حمد الله تعالى وشكره على النجاة منها، نسأل الله تعالى أن نكون منهم أجمعين.
••إحلالهم دار المقامة.
يعد من أجل النعم التي تستأهل الحمد على الدوام إحلال السابقين دار المقامة، التي وردت الإشارة إليها على لسانهم في قوله تعالى: (الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ) [فاطر:35] .
ودار المقامة هي دار الإقامة، أي: الجنة، والتعبير بقوله: (دَارَ الْمُقَامَةِ) دون غيره من أسماء الجنة فيه إشارة إلى أن الدنيا منزلة ينزلها المكلف ويرتحل عنها إلى منزلة القبور، ومنها إلى منزلة العرصات التي فيها الجمع، ومنها التفريق إلى الجنة أو النار، كما أن قولهم: (مِنْ فَضْلِهِ) يشير إلى أن دخولهم الجنة بحكم وعده لا بإيجاب من عنده 144، وإنما هو محض فضل منه تعالى، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل فضله وكرمه، اللهم آمين.
••نفي النصب واللغوب عنها.
من تمام التمتع بنعيم دار المقامة أن لا يجد أهلها شيئًا من النصب أو غيره، وهذا ما صرح به أهل المقامة في قولهم: (الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) [فاطر: 35] .
والمس: الإصابة في ابتداء أمرها، والنصب: التعب من نحو عمل أو شدة حر أو شدة برد، واللغوب: الإعياء والأثر الناتج عن التعب، والفرق بينهما أن النصب نفس المشقة والكلفة، واللغوب ما يحدث منه من الكلال والفتور، والتصريح بنفي اللغوب مع استلزام نفي النصب له، وتكرار الفعل المنفي «لا يمسنا» للمبالغة والتأكيد في بيان انتفاء كل منهما 145.
••فوزهم بالقرب من ربهم سبحانه.
منزلة القرب من العلي العظيم سبحانه منزلة علية، ومقام سام لا يناله إلا أهل القرب من السابقين ونحوهم، وهذا ما صرح به القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ?10?أُولَ?ئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ?11?) [الواقعة:10 - 11] .
والمقربون هم: أولئك الذين يقربهم الله منه يوم القيامة إذا أدخلهم الجنة 146.
ويلحظ علو منزلة المقربين، وعظم منزلتهم عند ربهم سبحانه من التعبير عنهم باسم الإشارة للبعيد (أُولَ?ئِكَ) مع تعريفهم (الْمُقَرَّبُونَ) . وهذا الأسلوب عند البيانيين يسمى بـ «أسلوب القصر» وطريقه تعريف الطرفين.
وفائدته: بيان أنهم وحدهم المقربون دون أحد سواهم، فأعظم بهذا المقام من منزلة كريمة!
••وصف الجنات بالنعيم.
لا ينعم السابقون المقربون بالجنات التي منحهم الكريم إياها إلا إذا كانت ذات نعمة لا شقاء فيها ولا بؤس، وهي بالفعل كذلك على حد وصف الله تعالى لها بقوله (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ?10?أُولَ?ئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ?11?) [الواقعة:11 - 12] .