فهرس الكتاب

الصفحة 2029 من 2431

وفي سبب نزول الآية ما روي عن ابن عباس قال: (مر رجل من بني سليم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه غنم، له فسلم عليهم، قالوا: ما سلم عليكم إلا ليتعوذ منكم، فقاموا فقتلوه وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه و سلم فأنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} 31.

وفي معنى قوله تعالى: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} في الذي مَنَّ به أربعة أقوال:

الأول: أن المراد به الهجرة. قاله ابن عباس.

والثاني: أن المراد به إعلان الإيمان. قاله سعيد بن جبير.

والثالث: أن المراد به الإسلام. قاله قتادة ومسروق.

والرابع: أن المراد به التوبة على الذي قتل ذلك الرجل. قاله السدي 32.

وأيًّا كان المعنى فإن الله سبحانه وتعالى قد نبه المؤمنين وذكرهم بنعمته عليهم، وهي نعمة الإسلام التي كانوا محرومين منها.

وقال جل وعلا: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) } [الحجرات: 17] .

وفي معنى {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ} يذكر الماوردي وجهين:

أحدهما: أن الله أحق أَنْ يَمُنَّ عليكم أن هداكم للإيمان حتى آمنتم. وتكون المنة هي التحمد بالنعمة.

والوجه الثاني: أن الله تعالى ينعم عليكم بهدايته لكم، وتكون المنة هي النعمة. وقد يعبر بالمنة عن النعمة تارة وعن التحمد بها أخرى 33.

وفي الآية لطائف تفسيرية أبرزها ما يلي:

اللطيفة الأولى: في قوله تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ} زيادة بيان لقبيح فعلهم، وذلك لأن الإيمان له شرفان:

أحدهما: بالنسبة إلى الله تعالى وهو تنزيه الله عن الشرك وتوحيده في العظمة.

وثانيهما: بالنسبة إلى المؤمن فإنه ينزه النفس عن الجهل ويزينها بالحق والصدق، فهم لا يطلبون بإسلامهم جانب الله ولا يطلبون شرف أنفسهم، بل منوا ولو علموا أن فيه شرفهم لما منوا به بل شكروا.

اللطيفة الثانية: في قوله: {قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ} أي: الذي عندكم إسلام، ولهذا قال تعالى: ( {وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} ولم يقل: لم تؤمنوا ولكن أسلمتم؛ لئلا يكون تصديقًا لهم في الإسلام أيضًا كما لم يصدقوا في الإيمان.

اللطيفة الثالثة: في قوله: {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ} يعني لا منة لكم، ومع ذلك لا تسلمون رأسًا برأس بحيث لا يكون لكم علينا ولا لنا عليكم منة، بل المنة عليكم.

وقوله تعالى: {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ} حسن أدب حيث لم يقل لا تمنوا علي بل لي المنة عليكم؛ حيث بينت لكم الطريق المستقيم، ثم في مقابلة هذا الأدب قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) } [الشورى: 52] .34.

خامسًا: المن بالقوة بعد الضعف:

ذكر القرآن الكريم لنا نموذجًا رائعًا فيما مَنَّ الله به على المستضعفين في أرض مصر من بني إسرائيل، حيث إن الله خلصهم بإيمانهم من طغيان فرعون وتسلطه واصبحوا قادة للخير.

قال تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: 5 - 6] .

قال الجزائري في تفسير الآية: «أن الله أراد أن يمن على الذين استضعفوا في الأرض أرض مصر وهم بنو إسرائيل، فَمَنَّ عليهم بإيمانهم وتخليصهم من حكم فرعون وتسلطه، وجعلهم قادة في الخير، وجعلهم أيضا الوارثين لحكم البلاد وسياستها بعد إهلاك فرعون وجنوده» 35.

جعل الله سبحانه وتعالى القوة سببا للانتصار، وفلاح الأمم وصلاحها، وازدهارها وتقدمها، والضعف سببًا للهزيمة والانكسار، وبَيَّنَ الله سبحانه وتعالى نعمته ومنته على الأمة بتوحيدهم بعد فرقة، وتقويتهم بعد ضعف، فقال جل شأنه: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) } [الأنفال: 26] .

قال الطبري: «وهذا تذكيرٌ من الله عز وجل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومناصحة. يقول: أطيعوا الله ورسوله، أيها المؤمنون، واستجيبوا له إذا دعاكم لما يحييكم، ولا تخالفوا أمره وإن أمركم بما فيه عليكم المشقة والشدة، فإن الله يهونه عليكم بطاعتكم إياه، ويعجل لكم منه ما تحبون، كما فعل بكم إذ آمنتم به واتبعتموه وأنتم قليلٌ يستضعفكم الكفار فيفتنونكم عن دينكم، وينالونكم بالمكروه في أنفسكم وأعراضكم، تخافون منهم أن يتخطفوكم فيقتلوكم ويصطلموا» 36.

وقال ابن عاشور: «عطف على الأمر بالاستجابة لله فيما يدعوهم إليه، وعلى إعلامهم بأن الله لا تخفى عليه نياتهم، وعلى التحذير من فتنة الخلاف على الرسول صلى الله عليه وسلم تذكيرهم بنعمة الله عليهم بالعزة والنصر، بعد الضعف والقلة والخوف، ليذكروا كيف يسر الله لهم أسباب النصر من غير مظانها، حتى أوصلهم إلى مكافحة عدوهم وأن يتقي أعداؤهم بأسهم، فكيف لا يستجيبون لله فيما بعد ذلك، وهم قد كثروا وعَزُّوا وانتصروا.

فالخطاب للمؤمنين يومئذ، ومجيء هذه الخطابات بعد وصفهم بالذين آمنوا إيماء إلى أن الإيمان هو الذي ساق لهم هذه الخيرات كلها، وأنه سيكون هذا أثره فيهم كلما احتفظوا عليه كفوه من قبل سؤالهم، ومن قبل تسديد حالهم، فكيف لا يكونون بعد ترفه حالهم أشد استجابة وأثبت قلوبًا» 37.

سادسًا: المن بالاجتماع بعد التفرق:

جعل الله عز وجل القوة والغلبة في الاجتماع والتآلف، كما أنه جعل الضعف في الوحدة والتفرق وهذا ما أشارت إليه الآية في القرآن الكريم: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) } [آل عمران: 103] .

فقد حث الله تعالى علي الاجتماع ونهى عن التفرق، وهذا من باب التذكير بهذه النعمة؛ حيث كانوا أعداء ثم ألف الله بين قلوبهم بالإسلام 38.

والقرآن الكريم فيه كثير من النماذج التي تدل على فضل الله ونعمته على العبد بالاجتماع بعد التفرق، ففي قصة سيدنا يوسف أروع الأمثال في هذا الجانب.

فلقد رأينا ما أصاب سيدنا يوسف من بعده وتفرقه عن أهله وعن دياره، والتعرض للالقاء في البئر وبيعه في السوق، ونحو ذلك مما هو معروف لدينا من هذه القصة مما ابتلي به يوسف عليه السلام، وتأتي إرادة الله أن ينعم على يوسف بالعزة بعد الذلة وبالغنى بعد الفقر، ومكنه في الأرض وجعله ذا مكانة عالية في مصر وإليه مقاليد الأمور، وتمر الأيام ويأتي أخوة يوسف عليه السلام إليه طالبين حاجة مما أصابهم من فقر في أرض كنعان، ويدخلوا على يوسف ويعرفهم، ويجزل لهم العطاء ويكرمهم.

ويعتبر قدوهم عليه نعمة كبيرة أنعم الله تعالى عليه بها، وهي جمع شمل الإخوة بعد تفرق دام سنوات، ويتحدث يوسف بذلك صريحا في القرآن: {قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) } [يوسف:90] .

وفي معنى قوله تعالى: {قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: المَنُّ بخير الدنيا والآخرة.

والثاني: المَنُّ بالجمع بعد الفرقة.

والثالث: المَنُّ بالسلامة ثم بالكرامة 39.

وقال الشيخ الصابوني في هذه الآية: «تتحدث الآيات عن مجيء أسرة يعقوب بأسرهم إلى مصر، ودخولهم على يوسف وهو في عِزِّ السلطان وعظمة الملك، وتحقيق الرؤيا بسجود إخوته الأحد عشر له مع أبيه وأمه، واجتماع الشمل بعد الفرقة، وحلول الأنس بعد الكدر» 40.

سابعًا: المَنُّ بالطيبات:

خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان، وأسكنه الأرض، وأنعم عليه بنعم لا تعد ولا تحصى، وأباح له الأكل من هذه النعم شريطة أن يأكل الطيب ويجتنب الخبيث، وجاء هذا الأمر بأكل الطيب للأنبياء والرسل، وكذا لعامة الناس، وكذا المؤمنين منهم.

فقد قال الله تعالى للرسل: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) } [المؤمنون:51] .

وقال للناس جميعًا: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) } [البقرة: 168] .

وقال للمؤمنين: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) } [البقرة: 172] .

وقال لبني إسرائل في مواضع: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57] .

وقوله جل ثناؤه: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81) } [طه: 81] .

وكل هذه الآيات ونحوها جاءت لتبين مِنَّةَ الله تعالى على الخلق بإباحة هذه الطيبات والانتفاع بها، وبالتالي ينبغي على الخلق أن يشكروا الله تعالى.

وإذا كان الله تعالى قد بَيَّنَ لنا هذه النعم، ونحن على يقين منها، فإنه أوجب علينا شكر تلك النعم.

فيكون شكر المنعم سبحانه وتعالى فرض على كل مكلف كما ذهب إليه أكثر العلماء 41، وقد ورد الأمر به في القرآن الكريم مرارًا لا سيما في المواضع التي فيها ذكر النعم من المأكل والمشرب.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) } [البقرة: 172] .

وقال جل شأنه: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) } [النحل: 114] .

جاء في تفسير السلمي عند تفسير قوله تعالى {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} : وفي الأكل آداب أربع: الحلال، والصافي، والقوام، والأدب، فالحلال الذي لا يعصى الله فيه، والصافي الذي لا ينسى الله فيه، والقوام ما يمسك به النفس ويحفظ العقل، والأدب شكر المنعم» 42.

وإذا كانت الطيبات من نعم الله تعالى تقتضي منا شكرها، فإنه لا شك أن تناول الطيبات هذه يحقق للمرء منافع دنيوية وأخروية.

فالمأكولات الطيبة سبب لاستجابة الدعاء: كما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ثم ذكر الرجل يطيل السفر: أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟) 43.

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (تليت هذه الآية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} [البقرة:168] .

(فقام سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:(يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه عمل أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به) 44.

قال ابن رجب الحنبلي: «ومن أعظم ما يحصل به طيبة الأعمال للمؤمن طيب مطعمه، وأن يكون من حلال، فبذلك يزكو عمله، وفي هذا الحديث إشارةٌ إلى أنه لا يقبل العمل ولا يزكو إلا بأكل الحلال، وإن أكل الحرام يفسد العمل، ويمنع قبوله، وبعد ذكره لنص الحديث قال: والمراد بهذا أن الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال، وبالعمل الصالح، فما دام الأكل حلالًا، فالعمل صالح مقبولٌ، فإذا كان الأكل غير حلالٍ، فكيف يكون العمل مقبولًا؟ وما ذكره بعد ذلك من الدعاء، وأنه كيف يتقبل مع الحرام، فهو مثالٌ لاستبعاد قبول الأعمال مع التغذية بالحرام» 45.

كذلك تجد أن أكل الحلال وطيب المطعم أعون للمرء على العمل الصالح، وعلى الطاعة، وأن العمل الصالح لابد أن يكون مسبوقًا بأكل الحلال 46.

قال ابن كثير: «يأمر تعالى عباده المرسلين، عليهم الصلاة والسلام أجمعين، بالأكل من الحلال، والقيام بالصالح من الأعمال، فدل هذا على أن الحلال عون على العمل الصالح، فقام الأنبياء، عليهم السلام، بهذا أتم القيام. وجمعوا بين كل خير، قولا وعملا ودلالة ونصحًا، فجزاهم الله عن العباد خيرًا» 47.

وروي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أربع خلالٍ إذا أعطيتهن فلا يضرك ما عزل عنك من الدنيا حسن خليقةٍ، وعفاف طعمةٍ، وصدق حديثٍ، وحفظ أمانةٍ) 48.

ولا ينبغي أن يغفل المرء عن مدى تأثير أكل الطيبات على نمو الجسم وسلامته وصحته. وهذه لا تحتاج لبرهان، فإن الشارع الحكيم حين أمرنا بتناول الطيبات وتجنب الخبائث، فنظرًا لما في الطيب من مزايا النفع للبدن، وسلامته من الأمراض، والمحافظة على صحة الإنسان.

ثامنًا: المن بالنجاة:

النجاة من المهالك مطلب كل عاقل، بل هي مطلب كل مخلوق من الإنسان والحيوان وغيرهما، وقد ورد في كتاب الله تعالى ما يشير إلى مواقف تمنى الناس فيها أماني؛ اغترارًا منهم بفتنة غنى أو ثراء وقعت لغيرهم، فلم يقدرها الله تعالى لهم، فلما هلك المبتلى بتلك الفتنة رجعوا إلى رشدهم وصوابهم، وأيقنوا أن الخير يكمن فيما اختاره الله تعالى.

وذلك تجده واضحًا في قصة قارون، حيث أوتي من الكنوز ما أوتي، وخرج على قومه في زينته، فقال قوم: {يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) } [القصص: 79] .

فلما وقع لقارون ما وقع، ورأوا بأعينهم ذلك ندموا على تمنيهم، وتذكروا مِنَّةَ الله تعالى عليهم، فكان قوله جل شأنه {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82) } [القصص: 82] .

والمعنى في قوله {لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} أي: بالايمان والرحمة وعصمنا من مثل ما كان عليه قارون من البغي والبطر {لَخَسَفَ بِنَا} 49.

وفي معرض آخر للنجاة والمن بها نجد هذه الآيات في سورة الطور {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطور:25 - 27] .

وقد ذكر الإمام الماوردي في قوله تعالى: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} وجهين:

أحدهما: بالجنة والنعيم.

الثاني: بالتوفيق والهداية.

وفي قوله: {وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} ثلاثة أوجه:

أحدها: أنه عذاب النار، قاله ابن زيد، وقال الأصم: السموم اسم من أسماء جهنم.

الثاني: أنه وهج جهنم، وهو معنى قول ابن جريج.

الثالث: لفح الشمس والحّرِّ، وقد يستعمل في لفح البرد 50.

وأيًّا كان المعنى، فإن الله تعالى قد من عليهم بإنجاءهم من النار ولهيبها، وهذا من تمام نعم الله تعالى على عباده التي تستحق الشكر.

تاسعًا: المَنُّ بالأجر غير المقطوع:

أعد الله سبحانه وتعالى للمؤمنين الأجر العظيم جزاء لهم على إيمانهم وعملهم الصالح، ويعتبر إيمانهم وهداهم هذا فضل ونعمة من الله تعالى عليهم؛ لأنه تبارك وتعالى هو أعلم بالمهتدين، فقال جل شأنه: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات:17] .

وتأتي المنة من الله بالأجر غير المقطوع علي النبي محمد صلى الله عليه وسلم في موضع، وعلى المؤمنين الذين يعملون الصالحات في مواضع ثلاثة، وهذا إنما يظهر مدى عطاء الله الوفير لهم.

أما المن على النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقد جاء في سورة القلم في قول الله تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) } [القلم: 1 - 3] .

وفي معنى هذه الآية الأخيرة في حق النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أوجه:

الوجه الأول: {غَيْرَ مَمْنُونٍ} أي: غير محسوب، قاله مجاهد.

الوجه الثاني: {غَيْرَ مَمْنُونٍ} أي: أجرًا بغير عمل، قاله الضحاك.

الوجه الثالث: {غَيْرَ مَمْنُونٍ} أي: غير ممنون عليك من الأذى، قاله الحسن.

الوجه الرابع: {غَيْرَ مَمْنُونٍ} أي: غير منقطع.

ويحتمل خامسًا: غير مقدر وهو الفضل؛ لأن الجزاء مقدر، والفضل غير مقدر 51.

وأما المَنُّ على المؤمنين فقد جاء ذلك في أكثر من آية، منها:

قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8) } [فصلت:8] .

وقوله جل شأنه: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25) } [الانشقاق: 22 - 25] .

وقوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) } [التين: 4 - 6] .

قال الطبري: «يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات: ثواب غير محسوب ولا منقوص.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وأورد الطبري بسنده قول ابن عباس {أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} يقول: غير منقوص. وقول مجاهد {أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} يعني: غير محسوب 52.

وفي موضع آخر يقول المولى جل وعلا {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8) } [فصلت:8] .

والمراد به أجر غير منقوص في الآخرة.

وأورد الماوردي في جملة {أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} أربعة تأويلات:

أحدها: غير محسوب، قاله مجاهد.

والثاني: غير منقوص، قاله ابن عباس وقطرب.

الثالث: غير مقطوع، قاله ابن عيسى، مأخوذ من مننت الحبل إذا قطعته.

الرابع: غير ممنون عليهم به، قاله السدي 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت