فهرس الكتاب

الصفحة 1131 من 2431

هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله بها على الجماعة المسلمة الأولى. وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائمًا، وهو هنا يذكرهم هذه النعمة. يذكرهم كيف كانوا في الجاهلية أعداءً، وما كان أعدى من الأوس والخزرج في المدينة أحد. وهما الحيان العربيان في يثرب. يجاورهما اليهود الذين كانوا يوقدون حول هذه العداوة، وينفخون في نارها حتى تأكل روابط الحيين جميعًا. ومن ثم تجد يهود مجالها الصالح الذي لا تعمل إلا فيه، ولا تعيش إلا معه. فألف الله بين قلوب الحيين من العرب بالإسلام، وما كان إلا الإسلام وحده يجمع هذه القلوب المتنافرة، وما كان إلا حبل الله الذي يعتصم به الجميع، فيصبحون بنعمة الله إخوانًا» 50.

وبهذا يتضح أن للقرابة الإيمانية شأن عظيم في تقوية أركان المجتمع المسلم، ولها تأثير بالغ في اتحاد المسلمين وتآلفهم، فلو عايش المسلمون معاني هذه الأخوة التي أوجبتها هذه القرابة وطبقوها واقعًا عمليًا في حياتهم؛ لما أصاب مجتمعاتهم من الضعف؛ ولما تجرأ عليهم الأعداء، وتكالبت عليهم الأمم.

ولكن المسلمين هانوا في أعين أعدائهم يوم ضعفت أواصر الأخوة والمحبة بينهم، فلا سبيل للعزة والنصرة إلا إذا رجع المسلمون إلى تطبيق مبادئ دينهم وقاموا بأداء ما عليهم من واجبات تجاه إخوانهم المسلمين وأمدوهم بالمعونة والنصرة والمؤازرة 51.

ثانيًا: الرحم الخاصة:

أما الرحم الخاصة بين الأرحام والأقارب فهي في القرآن الكريم على ثلاثة أنواع:

1.قرابة النسب.

إن قرابة النسب من أهم أنواع القرابة، فتعريف الشخص في المجتمع لا يكون إلا من خلال انتسابه إلى أبيه وجده وعائلته؛ لذا كان اعتناء العرب قديمًا وحديثًا بأصالة النسب وعراقته كونهم يتعارفون به بين الناس 52.

وقد ذكر الله قرابة النسب في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54) } [الفرقان: 54] .

وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) } [الحجرات: 13] .

ويترتب على قرابة النسب الكثير من الأحكام، والتي منها تحريم النكاح، كما في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: 23] .

وسيأتي المزيد من الأحكام في مبحث حقوق القرابة بكل أنواعها.

وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على تعلم الأنساب من أجل صلة الرحم، كما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر) ، ومعنى قوله: (منسأة في الأثر) ، يعني: زيادة في العمر 53.

2.قرابة المصاهرة.

إن قرابة المصاهرة ثاني أنواع القرابة، ولا تقل أهمية عن قرابة النسب، فقد قرنها الله تعالى بها قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54) } [الفرقان: 54] .

والصهر من يحل نكاحه من القرابة وغير القرابة، وأصل الصهر الاختلاط، فسميت المناكح صهرًا لاختلاط الناس بها 54.

وقرابة المصاهرة هي: القرابة الحاصلة بسبب الزواج، وبالزواج تتقارب عائلتان لم يكن بينهما من قبل صلة، فتتعارفان وتتآلفان وتنشأ بينهما قرابة الصهر التي تعتبر هي أساس القرابة؛ حيث ينشأ من العلاقة الزوجية الأبناء الذين ينضمون إلى نسب الأب ويلتحقون بسلسلة قرابة النسب 55.

قال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72) } [النحل: 72] .

{جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} ، أي: من جنسكم أزواجًا، جعل لكم من أزواجكم بنين وبنات وحفدةً، وهم أولاد البنين تزوجونهم؛ فيحصل لكم بسببهم الأختان والأصهار 56.

قال ابن كثير: «يذكر تعالى نعمه على عبيده بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجًا من جنسهم وشكلهم، ولو جعل الأزواج من نوع آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة، ولكن من رحمته خلق من بني آدم ذكورًا وإناثًا، وجعل الإناث أزواجًا للذكور، ثم ذكر تعالى أنه جعل من الأزواج البنين والحفدة وهم أولاد البنين» 57.

وقال السعدي: «يخبر تعالى عن منته العظيمة على عباده، حيث جعل لهم أزواجًا ليسكنوا إليها، وجعل لهم من أزواجهم أولادًا تقر بهم أعينهم ويخدمونهم، ويقضون حوائجهم، وينتفعون بهم من وجوه كثيرة، ورزقهم من الطيبات من جميع المآكل والمشارب، والنعم الظاهرة التي لا يقدر العباد أن يحصوها» 58.

والقرابة بالمصاهرة يحرم بها نكاح سبعة من المحرمات، ستة منها في قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23) } [النساء: 23] .

والسابعة في قوله: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22) } [النساء: 22] 59.

3.قرابة الرضاع.

وقرابة الرضاع هي ثالث أنواع القرابة، ولها من الأهمية ما لقرابة النسب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم في بنت حمزة رضي الله عنه عندما عرض عليه نكاحها: (لا تحل لي، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، هي بنت أخي من الرضاعة) 60، ويترتب على الرضاع بعض الأحكام مثل:

-تحريم النكاح.

فيحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وذلك بالنظر إلى أقارب المرضع؛ لأنهم أقارب للرضيع، وأما أقارب الرضيع فلا قرابة بينهم وبين المرضع، والمحرمات من الرضاع سبع: الأم والأخت بنص القرآن، والبنت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت؛ لأن هؤلاء يحرمن من النسب، قال تعالى: (? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 23] 61.

ولما رواه ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم في بنت حمزة: (لا تحل لي، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، هي بنت أخي من الرضاعة) 62.

-ثبوت المحرمية التي تبيح النظر.

تبيح الرضاعة ما تبيحه الولادة من حيث انتشار الحرمة بين الرضيع وأو?د المرضعة وتنزيلهم منزلة الأقارب في جواز النظر والخلوة والمسافرة؛ لما روته عمرة بنت عبدالرحمن، أن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أخبرتها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها، وأنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، هذا رجل يستأذن في بيتك، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أراه فلانًا) لعم حفصة من الرضاعة، فقالت عائشة: لو كان فلان حيًّا -لعمها من الرضاعة- دخل علي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم، إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة) 63.

قال النووي مبينًا أحكام الرضاعة: «هذه الأحاديث متفقة على ثبوت حرمة الرضاع، وأجمعت الأمة على ثبوتها بين الرضيع والمرضعة، وأنه يصير ابنها يحرم عليه نكاحها أبدًا، ويحل له النظر إليها، والخلوة بها، والمسافرة، وأجمعوا أيضًا على انتشار الحرمة بين المرضعة وأولاد الرضيع، وبين الرضيع وأولاد المرضعة، وأنه في ذلك كولدها من النسب لهذه الأحاديث، وأما الرجل المنسوب ذلك اللبن إليه لكونه زوج المرأة أو وطئها بملك أو شبهة فمذهبنا ومذهب العلماء كافةً ثبوت حرمة الرضاع بينه وبين الرضيع ويصير ولدًا له، وأولاد الرجل إخوة الرضيع وأخواته، وتكون إخوة الرجل أعمام الرضيع، وأخواته عماته، وتكون أولاد الرضيع أولاد الرجل، ولم يخالف في هذا إلا أهل الظاهر وابن علية، فقالوا: لا تثبت حرمة الرضاع بين الرجل والرضيع، ونقله المازري عن ابن عمر وعائشة، واحتجوا بقوله تعالى: (ک ک ک ک گ گ) ولم يذكر البنت والعمة كما ذكرهما في النسب، واحتج الجمهور بهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة في عم عائشة وعم حفصة» 64.

-عدم ثبوت سائر الأحكام.

لا يثبت بالرضاع أحكام النسب وأحكام النفقة والميراث وغيرها، فلا يترتب على الرضاع أحكام الأمومة من كل وجه، فلا يتوارثان، ولا يجب على واحد منهما نفقة الآخر، ولا يعتق عليه بالملك، ولا ترد شهادته لها، ولا يعقل عنها، ولا يسقط عنها القصاص بقتله فهما كالأجنبيين في هذه الأحكام 65.

وإنما ثبتت حرمة الرضاع بشرطين:

الأول: أن يكون إرضاع الصبي في حال الصغر، وذلك إلى انتهاء سنتين من ولادته لقوله تعالى: (ھ ھ ھ ھ ےے ? ? ? ? ?) [البقرة: 233] .

وقوله تعالى: (? ? ?) [لقمان: 14] ؛ ولما روته أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحرم من الرضاع إلّا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام) 66.

الثاني: أن يوجد خمس رضعات متفرقات، عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن، بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهن فيما يقرأ من القرآن 6768.

إن اهتمام الإسلام بقرابة الرضاع، وجعلها كقرابة النسب يبرز ما لهذه القرابة من منزلة، وينبه المسلمين إلى ضرورة مراعاة حقوق أقاربهم من الرضاعة، ويبين خطورة الجهل بأحكام الرضاعة، كحرمة تزوج الرجل من محارمه من الرضاعة؛ لئلا يتزوج من إحداهن وهو لا يعلم؛ لذا وجب إعطاء أمر الرضاعة مزيدًا من العناية والتحقق من المرضع وأقاربها؛ لئلا تنتهك الحرمات وتستباح المحرمات 69.

إن حقوق الرحم تتنوع بين الحقوق الاجتماعية، والحقوق المالية، والحقوق الدعوية، وسيأتي بيان هذه الحقوق في النقاط الآتية:

أولًا: الحقوق الاجتماعية:

تتمثل الحقوق الاجتماعية في صلة الرحم بالإحسان بالقول والفعل، كالزيارة ونحوها، والتربية الإيمانية والعبادية والأخلاقية، وسيتم توضيح ذلك في الفقرات الآتية:

من الحقوق الاجتماعية صلة الرحم بالإحسان بالقول والفعل، فقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى الوالدين في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: (? ? ? ? ? ں ں) [النساء: 36] .

أي: أحسنوا إليهم بالقول الكريم، والخطاب اللطيف، والفعل الجميل بطاعة أمرهما، واجتناب نهيهما، والإنفاق عليهما، وإكرام من له تعلق بهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا بهما، وللإحسان ضدان، الإساءة وعدم الإحسان، وكلاهما منهي عنه 70، فكل قول وفعل يحصل به منفعة للوالدين أو سرور لهما، فإن ذلك من الإحسان، وإذا وجد الإحسان انتفى العقوق 71.

والإحسان إلى الزوجة يكون بالمعاشرة بالمعروف، فقد ورد الأمر بذلك في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 19] .

فقوله تعالى: (? ?) ، أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: (? ? ? ? ?) [البقرة: 228] 72.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخيركم خيركم لنسائهم) 73.

وكذلك الإحسان إلى الأولاد، ويدل عليه عموم قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 83] .

وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 36] .

فقد أمر الله بالإحسان إلى ذوي القربى بعد الوالدين، ويشمل ذلك جميع الأقارب، قربوا أو بعدوا، بأن يحسن إليهم بالقول والفعل، وأن لا يقطع برحمه بقوله أو فعله 74.

ولأن قوله تعالى: (? ?) عام يشمل الأصل، وهو الأبوان وما يتصل بالمرء من ناحيتهما من أصولها وفصولهما، ويشمل الفصل، وهو الأبناء والبنات وما يتصل به منهما من فصول، غير أن الوالدين لمزيد العناية بهما خصصا بالذكر في الآيات المتقدمة، وإن كانا داخلين في هذا العموم 75.

فيكون الإحسان إلى الأولاد بجميع أنواع الإحسان المادية والمعنوية، ومن ذلك: تربيتهم تربيةً حسنةً، وتعليمهم، والتلطف بهم، ورحمتهم، والإنفاق عليهم، والعدل بينهم في العطايا والهبات؛ لما رواه النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: تصدق علي أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشهده على صدقتي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفعلت هذا بولدك كلهم؟) قال: لا، قال: (اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم) ، فرجع أبي، فرد تلك الصدقة 76.

وقد أمر الله بالإحسان إلى ذوي القربى بعد الوالدين، ويشمل ذلك جميع الأقارب، قربوا أو بعدوا، بأن يحسن إليهم بالقول والفعل.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 36] 77.

وإنما أمر بالإحسان إلى ذي القربى استبقاءً لأواصر الود بين الأقارب، إذ كان العرب في الجاهلية قد حرفوا حقوق القرابة، فجعلوها سبب تنافس وتحاسد وتقاتل 78.

كما أمر الله تعالى بالإحسان إلى الجيران، فقال سبحانه: (? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 36] .

والجار قد أمر الله تعالى بحفظه، والقيام بحقه، والوصاة برعي ذمته في كتابه، وعلى لسان نبيه، والله سبحانه أكد ذكر الجار بعد الوالدين والأقربين، فقال تعالى: (? ? ہ) ، أي: القريب، يعني الذي بينك وبينه قرابة، (ہ ہ) ، أي: الغريب الذي ليس بينك وبينه قرابة، قاله ابن عباس، وقال نوف الشامي: « (? ? ہ) المسلم، (ہ ہ) اليهودي والنصراني» ، وقال جابر الجعفي عن الشعبي عن علي وابن مسعود رضي الله عنهم: « (? ? ہ) يعني: المرأة» ، وقال مجاهد أيضًا في قوله: « (ہ ہ) يعني: الرفيق في السفر» 79.

قال القرطبي: «وعلى هذا فالوصاة بالجار مأمور بها، مندوب إليها، مسلمًا كان أو كافرًا، وهو الصحيح، والإحسان قد يكون بمعنى المواساة، وقد يكون بمعنى حسن العشرة وكف الأذى والمحاماة دونه، روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما زال يوصيني جبريل بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه) 80» 81.

والجوار ضرب من ضروب القرابة، فهو قرب بالمكان والسكن، وقد يأنس الإنسان بجاره القريب أكثر مما يأنس بالنسيب، فيحسن أن يتعاون الجاران، ويكون بينهما الرحمة والإحسان، فإذا لم يحسن أحدهما إلى الآخر فلا خير فيهما لسائر الناس، وقد حث الدين على الإحسان في معاملة الجار، عن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره) 82.

وإكرام الجار من شيم العرب قبل الإسلام، وزاده الإسلام توكيدًا بما جاء في الكتاب والسنة، ومن إكرامه إرسال الهدايا إليه، ودعوته إلى الطعام، وتعاهده بالزيارة والعيادة إلى نحو ذلك 83.

إن حق التربية لذوي الأرحام حق كامل يشمل تربية النفس، وتكون من خلال غرس عقيدة التوحيد في نفوس ذوي الأرحام.

قال تعالى: (ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [لقمان: 13] 84.

ويدخل في تربية النفس: التربية على مراقبة الله تعالى في كافة الأحوال والأعمال، قال تعالى: (ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [لقمان: 16] .

وفي هذه الآية يكشف لقمان لابنه عن علم الله، وبسطة سلطانه، حتى يعبده عن علم به، ومعرفة بما ينبغي له من كمال وجلال 85.

وكذلك التربية على أداء العبادات، قال تعالى: (? ? ?) [لقمان: 17] .

وتعتبر الصلاة الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي عماد الدين، أمر الله تعالى عباده بالمحافظة عليها حال السفر والحضر، حالة الصحة والسقم، والأمن والخوف، وإقامتها تعني أداءها في وقتها بأركانها وواجباتها بخشوع، على النحو المرضي، لما فيها من رضا الرب بالإقبال عليه والإخبات له، ولما فيها من النهي عن الفحشاء والمنكر، وإذا تم ذلك صفت النفس وأنابت إلى بارئها في السراء والضراء 86.

والتربية على العبادة يشمل كل ما يحبه الله ويرضاه: من الأقوال، والأعمال الباطنة والظاهرة؛ فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة وبر الوالدين، وصلة الأرحام والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم، والمسكين، وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة.

وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف لعذابه وأمثال ذلك هي من العبادة لله تعالى 87.

والتربية الأخلاقية: والخلق هو: عبارة عن هيئة في النفس راسخة عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية 88.

والآيات التي تمثل التربية الأخلاقية كثيرة، منها قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [لقمان: 18 - 19] .

فقوله: (? ? ? ?) [لقمان: 18] .

قرأ الجمهور (ولا تصاعر) ، وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم وأبو جعفر ويعقوب (ولا تصعر) 89، يقال: صاعر وصعر، إذا أمال عنقه إلى جانب ليعرض عن جانب آخر، وهو مشتق من الصعر بالتحريك لداء يصيب البعير فيلوي منه عنقه، فكأنه صيغ له صيغة تكلف، بمعنى تكلف إظهار الصعر وهو تمثيل للاحتقار؛ لأن مصاعرة الخد هيئة المحتقر المستخف في غالب الأحوال 90.

ثانيًا: الحقوق المالية:

إن الحقوق المالية المترتبة على الرحم والقرابة تتمثل في: الميراث المستحق بسبب الرحم والقرابة، وكذلك النفقة الواجبة والمندوبة، بالإضافة إلى الوصية والصدقة لذوي الرحم، وكذلك حق ذوي القربى الغنيمة والفيء، وبيان ذلك في الفقرات الآتية:

1.الميراث.

يترتب على القرابة أحكام شرعية نص عليها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ومن هذه الأحكام: الميراث، فالأقارب يجمعهم أصل واحد، ويلتزمون بحقوق وواجبات، ويتعاونون فيما بينهم في تحمل النفقات؛ لذا كانوا أحق بمال قريبهم بعد موته، مع اختلاف نصيب كل قريب بحسب درجة القرابة بينه وبين الميت 91.

وقد بين الله تعالى حق الميراث في قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 7] .

وقوله تعالى: (گ گ گ ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ?ہ ہ ہ ہ ھ ھھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 11] .

وقوله سبحانه: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھھ ھ ے ے? ? ? ? ?) [النساء: 12] .

2.النفقة.

أوجبت الشريعة الإسلامية على المسلم القادر أن ينفق على أقاربه الذين تلزمه نفقتهم كالزوجة والأولاد والوالدين، وأن يوفر لهم ما يكفيهم من طعام وكسوة وسكنى، وحق النفقة بسبب القرابة يكون واجبًا لبعض الأقارب، ويكون غير واجب لبعضهم، وسيتم توضيح ذلك في الفقرات الآتية:

-نفقة الأقارب الواجبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت