فهرس الكتاب

الصفحة 527 من 2431

وسماه الله هنا في هذه الآية (حق) وسماه في آيات كثيرة (زكاة) ولكنه أجمل مقداره، وأجمل الأنواع التي فيها الحق، ووكلهم في ذلك إلى حرصهم على الخير، وكان هذا قبل شرع نصابها ومقاديرها، ثم شرعت الزكاة، وبينت السنة نصابها ومقاديرها.

ومجيء الصلة جملة اسمية {فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} لإفادة ثبات هذه الخصلة فيهم، وتمكنها منهم؛ دفعًا لتوهم الشح في بعض الأحيان؛ لما هو معروف بين غالب الناس من معاودة الشح للنفوس.

والمراد بالسائل: هو الذي يسأل، والمحروم: الذي لا يسأل الناس، تعففًا مع احتياجه، فلا يتفطن له كثير من الناس، فيبقى كالمحروم، وأصل المحروم: الممنوع من مرغوبه ... ، وهذه الصفة للمؤمنين مضادة صفة الكافرين المتقدمة، في قوله: {وَجَمَعَ فَأَوْعَى} [المعارج: 18] 69.

ومن النفقات الواجبة النفقة في الجهاد، حيث أمر الله بالإنفاق في الجهاد في جميع الأوقات، وبأنواع الصدقات المتعددة، سواء كان من الزكاة المفروضة أو من غيرها، ووعد على ذلك الأجر العظيم، قال تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41] .

فقوله: {وَجَاهِدُوا} أمر بالجهاد، وحقيقته: بذل الجهد والطاقة، وهو قسمان، جهاد بالنفس وجهاد بالمال، أما الجهاد بالنفس فمعلوم، وهو من فروض الكفايات، إلا عند هجوم العدو فيصير متعينًا.

وأما بالمال فبزاده وراحلته إذا قدر على الجهاد بنفسه، فإن عجز عنه بنفسه فببذل المال بدلًا عنه، فمن استطاع الجهاد بالمال والنفس وجب عليه الجهاد بهما، ومن قدر على أحدهما دون الآخر وجب عليه ما كان في قدرته منهما، إلى هذا ذهب كثير من العلماء، وقيل: هو إيجاب للقسم الأول فقط 70.

وقوله: {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي: في سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال الشوكاني: «فيه الأمر بالجهاد بالأنفس والأموال، وإيجابه على العباد، فالفقراء يجاهدون بأنفسهم، والأغنياء بأموالهم وأنفسهم، والجهاد من آكد الفرائض وأعظمها، وهو فرض كفاية مهما كان البعض يقوم بجهاد العدو وبدفعه، فإن كان لا يقوم بالعدو إلا جميع المسلمين في قطر من الأرض، أو أقطار وجب عليهم ذلك وجوب عين» 71.

النفقة على الزوجة بالمعروف واجبة بنص القرآن، قال تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233] .

أي: وعلى والد الطفل نفقة الوالدات، وكسوتهن بالمعروف، أي: بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسراف ولا إقتار، بحسب قدرته في يساره وتوسطه وإقتاره 72.

قال ابن رشد رحمه الله: «واتفقوا على أن من حقوق الزوجة على الزوج: النفقة والكسوة؛ لقوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} ولما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) 73، ولقوله لهند: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) » 7475.

فقوله: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} أي: الأب، وظاهر الآية أنه لا فرق بين أن تكون الزوجة في حباله أو بائنًا منه، فإن كانت في حباله فلوجوب الإنفاق عليها سببان: الزوجية والإرضاع، وإن لم تكن في حباله فلها سبب واحد وهو الإرضاع، ولا يمتنع أن يكون للحكم الواحد سببان، كما في الزوج يكون ابن عم فيرث بالزوجية والقرابة 76.

وقوله: {بِالْمَعْرُوفِ} أي: أنه يرجع إلى العرف في نوع الرزق وكميته وكيفيته وكذلك الكسوة.

ومن المعلوم أن الكفاية بالمعروف تتنوع بحال الزوجة في حاجتها، وبتنوع الزمان والمكان، وبتنوع حال الزوج في يساره وإعساره، فليست كسوة القصيرة الضئيلة ككسوة الطويلة الجسيمة، ولا كسوة الشتاء ككسوة الصيف، ولا كفاية طعام الشتاء مثل طعام الصيف، ولا طعام البلاد الحارة كالباردة، ولا المعروف في بلاد التمر والشعير كالمعروف في بلاد الفاكهة والخبز، فيطعمها في كل بلد مما هو عادة أهل البلد والعرف عندهم.

وقال بعضهم: هي مقدرة بالشرع نوعًا وقدرًا، مدًا من حنطة، أو مدًا ونصفًا، أو مدين قياسًا على الإطعام الواجب في الكفارة.

والصواب المقطوع به ما عليه الأمة علمًا وعملًا قديمًا وحديثًا أن تقديرها بالعرف لا بالشرع؛ لقوله في هذه الآية: {بِالْمَعْرُوفِ} ولقوله عليه الصلاة والسلام لهند: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) 77 ولم يقدر لها نوعًا ولا قدرًا، ولو كان ذلك مقدرًا بشرع لبينه لها قدرًا ونوعًا، كما بين فرائض الزكوات والديات 78.

والنفقة التي تجب للمرأة على زوجها هذه الأربعة: الطعام والشراب والكسوة والمسكن، فإذا أعطاها هذه الأربعة فقد خرج إليها من نفقتها، فإن تفضل بعد ذلك فهو مأجور، فأما هذه الأربعة فلابد لها منها؛ لأن بها إقامة المهجة 79.

وهذه النفقة تسقط إذا كانت الزوجة ناشزًا، أي: عاصية لزوجها، كخروجها بدون إذنه، وامتناعها عن إعطائه حقه، وتلزم نفقة المطلقة طلاقًا رجعيًا خلال العدة، فإن طلقها وهي حامل فعدتها إلى وضع الحمل، فيلزمه النفقة عليها والسكنى خلال حملها، ولو طلقها بائنًا، وذلك باتفاق الفقهاء؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6] .

وأما المطلقة قبل الدخول فلأنه لا عدة عليها فالنفقة ساقطة بلا ريب، وكذلك السكنى، والمتعة المذكورة لها في القرآن هي عوض عن المهر، والملاعنة لا نفقة لها ولا سكنى؛ لأنها إن كانت المطلقة بائنًا كانت مثلها في ذلك، وإن كانت المتوفى عنها زوجها فكذلك، ولا ريب أن فرقتها أشد من فرقة المطلقة بائنًا؛ لأن هذه يجوز نكاحها في حال من الأحوال بخلاف تلك.

والمقصود أن الآية تدل على فرضية الإنفاق للزوجة، والمقصود بالنفقة هو تأمين الحاجات الضرورية التي لابد منها للإنسان؛ كي لا يحتاج إلى الغير، والحاجات الأساسية التي لا يستغني عنها الإنسان في حياته هي: الغذاء والكساء والمسكن، فأما الغذاء ففيه قوام حياة الإنسان وبقاء بنيته الأساسية، فالغذاء يقيم بناءه، ويديم وجوده في الداخل، وأما اللباس أو الكساء ففيه حمايته من الخارج، وأما المسكن فيأوي إليه، ويرتاح فيه، ويحتمي به من عوادي الدهر، فالنفقة الواجبة على الزوج لزوجته لا تتعدى هذه الثلاثة، وما يتبعها من الخدمة، وما تتضرر بتركه.

ومن أدلة القرآن على وجوب نفقة الزوجة أيضًا: قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34] .

أي: قائمون على شؤنهن بسبب تفضيله الرجال على النساء بالحزم والعزم والقوة والفتوة وغيرها من الشمائل الشاملة، وبسبب إنفاقهم من أموالهم في نكاحهن كالمهر والنفقة، وهذا أدل على وجوب نفقات الزوجات على الأزواج.

قال ابن كثير: «أي: من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم لهن في كتابه، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيمًا عليها، كما قال الله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228] ... الآية» 80.

وقال القرطبي: «قد جعل الإنفاق عليهن من شرط القوامة، فمتى ما عجز عن نفقتها لم يكن قوامًا عليها، وإذا لم يكن قوامًا عليها كان لها فسخ العقد؛ لزوال المقصود الذي شرع لأجله النكاح» 81.

وأخذ بعض العلماء وجوب نفقة الزوجة على زوجها من قوله تعالى: {فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه: 117] .

حيث جاء الخطاب شاملًا لآدم وحواء، ثم خص آدم بالشقاء دونها في قوله: {فَتَشْقَى} فدل ذلك على أنه هو المكلف بالكد عليها، وتحصيل لوازم الحياة الضرورية لها، من مطعم ومشرب وملبس ومسكن.

قال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: «وإنما خصه بذكر الشقاء ولم يقل: فتشقيا، يعلمنا أن نفقة الزوجة على الزوج، فمن يومئذٍ جرت نفقة النساء على الأزواج، فلما كانت نفقة حواء على آدم كذلك نفقات بناتها على بني آدم بحق الزوجية» 82.

ومن النفقات الواجبة نفقة الوالد (أب أو أم) الفقير الذي لا مال له ولا كسب على ولده الغني، ذكرًا كان أو أنثى، وتقدر النفقة بالكفاية وسد الحاجة، فإذا كانا غنيين أو لهما مال خاص انتفى سبب وجوب النفقة لهم.

قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على وجوب نفقة الوالدين اللذين لا كسب لهما ولا مال، سواء أكان الوالدان مسلمين أو كافرين، وسواء كان الفرع ذكرًا أو أنثى» 83؛ لقوله تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [البقرة: 83] .

وقوله سبحانه: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15] .

فإن من إكرام الوالدين والإحسان إليهما أن يقدم لهما ما يحتاجان إليه من مال وغيره، وخاصةً حين يصبحان غير قادرين على العمل، وليس من الإحسان ولا من المصاحبة بالمعروف أن يموت الوالدان جوعًا والولد في سعة من العيش، ولا ينفق عليهما!

ولقوله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ} [البقرة: 215] .

أي: يسألونك عن النفقة، وهذا يعم السؤال عن المنفق والمنفق عليه، فأجابهم عنهما، فقال: {قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ} أي: مال قليل أو كثير، فأولى الناس به وأحقهم بالتقديم أعظمهم حقًا عليك، وهم الوالدان الواجب برهما، والمحرم عقوقهما، ومن أعظم برهما النفقة عليهما، ومن أعظم العقوق ترك الإنفاق عليهما؛ ولهذا كانت النفقة عليهما واجبة على الولد الموسر، ومن بعد الوالدين الأقربون على اختلاف طبقاتهم، الأقرب فالأقرب، على حسب القرب والحاجة، فالإنفاق عليهم صدقة وصلة، ولقوله صلى الله عليه وسلم لمن جاء يشكو أباه الذي يريد أن يجتاح ماله: (أنت ومالك لأبيك) 84.

وتجب نفقة الطفل الحر الفقير على أبيه 85 للإجماع على ذلك 86، ويؤيده قوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6] .

وهو أمر للأزواج يقضي بوجوب إعطاء المرأة أجرة الرضاع المستلزمة وجوب المؤنة عمومًا من رضاع وغيره 87.

ولقوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233] .

فلفظ المولود له يعم الوالد وسيد العبد، ويبين أن الولد لأبيه لا لأمه، والآية توجب رزق الرضيع على أبيه دون غيره 88.

وقد دلت السنة على ذلك في كثير من الأحاديث، منها: ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لهند: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) 89.

وهذا يقتضي لزوم نفقة الولد على أبيه وإلا لما كان لها الأخذ بالمعروف.

ولما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: عندي دينار؟ فقال: (أنفقه على نفسك) . قال: عندي آخر؟ فقال: (أنفقه على ولدك ... ) الحديث 90.

ففي هذا الحديث أمر صلى الله عليه وسلم بالإنفاق على الولد بما فضل عن كفاية النفس، والأمر للوجوب، مما يدل على وجوب إنفاق الأب على أولاده.

وسبب وجوب هذه النفقة هو الولادة؛ لأن به تثبت الجزئية والبعضية، والإنفاق على المحتاج إحياء له، ويجب على الإنسان إحياء كله وجزئه، ولأنها قرابة يحرم قطعها، وإذا حرم القطع حرم كل سبب مفضٍ إليه، وترك الإنفاق من ذي الرحم المحرم مع قدرته وحاجة المنفق عليه تفضي إلى قطع الرحم فيحرم الترك.

وإذا حرم الترك وجب الفعل 91، مما يدل على وجوب الإنفاق على الأولاد، ولأن للأب ولاية على ابنه، مما يدل على استحقاقه النفقة من أبيه 92، ولأن ولد الإنسان بعضه، فكما يجب على الإنسان أن ينفق على نفسه، فيجب عليه أن ينفق على ولده 93.

أما نفقة الأقارب غير الأبوين والأبناء فلا تجب النفقة على القريب لقريبه إلا من باب صلة الرحم؛ لعدم ورود دليل يخص ذلك، بل جاءت أحاديث صلة الرحم وهي عامة، والرحم المحتاج إلى نفقة أحق الأرحام بالصلة.

وقيل: بل تجب؛ لأن سبب وجوب هذه النفقة هي القرابة 94 المحرمة للقطع؛ لأنه إذا حرم قطعها حرم كل سبب مفضٍ إليه، وترك الإنفاق من ذي الرحم المحرم 95، مع قدرته وحاجته تفضي إلى قطع الرحم، فيحرم الترك، وإذا حرم الترك وجب الفعل ضرورة 96.

وهذا هو الصواب؛ لقوله تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} [الإسراء: 26] .

فقد أمر الله سبحانه بالإحسان إلى القرابة، وإيتائه حقها، ولا ريب أن من كان يتقلب في النعم وقريبه قد أضر به الجوع أو العري فهو غير محسن إليه ولا قائم بحقه، ولما جاء عند أبي داود أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: من أبر؟ قال: (أمك وأباك، وأختك وأخاك، ومولاك الذي يلي ذلك، حق واجب، ورحم موصولة) 97.

ومن النفقات الواجبة أن ينفق السيد على مملوكه ذكورًا أو إناثًا بالمعروف، سواء أكان المملوك صحيحًا أم سقيمًا، أو أعمى، أو زمنًا، أو مدبرًا، أو مستولدًا، أو مستأجرًا، أو معارًا، أو قنًا، أو مشتركًا، أو مبعضًا، أو صغيرًا أو كبيرًا، بخلاف المكاتب فنفقته لا تجب على سيده؛ لاستقلاله بالكسب 98.

وسبب وجوب هذه النفقة: الملك 99 الموجب للاختصاص بالمملوك انتفاعًا وتصرفًا؛ ليكون به صلاحه ودوامه، ومن ملك منفعة شيء لزمته مؤنته؛ إذ الخراج بالضمان؛ ولأن الرقيق لا مال له وما في يده لمولاه، فلا يجوز للرقيق أن ينفق على نفسه من مال غيره، مما يجعل الإنفاق واجبًا على سيده 100.

وقد دل الكتاب على ذلك، قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء: 36] .

ففي هذه الآية أمر بالإحسان على المماليك، ومطلق الأمر يحمل على الوجوب؛ لأن الإنفاق عليهم من الإحسان بهم، فكان واجبًا، غير أنه قد يرد أن الأمر ليس للوجوب حيث يكون للندب.

ويجاب على ذلك بأنه لو سلم بذلك لكان الأمر بالإحسان إليهم على وجه الندب؛ لغرض توسيع النفقة بعد وجوب أصلها؛ لأن المرء لا يترك أصل النفقة على مملوكه إشفاقًا، ومحافظة على بقاء ملكه، وقد أمر بالإنفاق عليه حتى لا يقتر النفقة عليه؛ لكونه مملوكًا في يده، فأمر الله عز وجل السادات بتوسيع النفقة على مماليكهم شكرًا لما أنعم عليهم من جعل من هو في جوهرهم وأمثالهم في الخلقة يقومون بخدمتهم 101.

أما من السنة فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم) 102.

ففي هذا الحديث أمر بالإنفاق على الرقيق، والأمر للوجوب، مما يدل على وجوب نفقة الرقيق على مالكه.

ثانيًا: الإنفاق المندوب:

ومن أنواع الإنفاق المذكورة في القرآن الكريم الإنفاق المندوب، فقد دعا الإسلام إلى البذل وحث عليه، في أسلوب يبعث في النفوس بواعث الخير، ويثير فيها معاني البر والإحسان، وجاء ما يدل على عظم الأجر والثواب لمن يعود نفسه الإنفاق في سبيل الله بشتى أنواعه وأحواله وزمانه ومكانه، بل لم تقتصر الصدقة في نظر الشرع على نوع معين من أعمال البر، وإنما القاعدة العامة: أن كل معروف صدقة.

ومن الأدلة على ذلك في القرآن: قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] .

فهذه الآية قد اشتملت على خمسة عشر نوعًا من أنواع البر الذي يهدي إلى الحياة السعيدة في الدنيا، وإلى رضا الله تعالى في الآخرة، وقد أرشدت إلى أن البر أنواع ثلاثة، جامعة لكل خير، بر في العقيدة، وبر في العمل، وبر في الخلق، فأما بر العقيدة فقد بينته أكمل بيان في قوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} وأما بر العمل فقد بينته في قوله: {وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} وأما بر الخلق فقد بينته في قوله تعالى: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ} ولا شك أن إنفاق المال في تلك الوجوه من شأنه أن يسعد الأفراد والجماعات والأمم، ويكون مظهرًا من أفضل مظاهر العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى.

ومعنى الآية: ليس الخير عند الله تعالى في التوجه في الصلاة إلى جهة المشرق والمغرب إن لم يكن عن أمر الله وشرعه، وإنما الخير كل الخير هو إيمان من آمن بالله وصدق به معبوده وحده لا شريك له، وآمن بيوم البعث والجزاء وبالملائكة جميعًا، وبالكتب المنزلة كافة، وبجميع النبيين من غير تفريق، وأعطى المال تطوعًا ذوي القربى واليتامى المحتاجين الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ، والمساكين الذين أرهقهم الفقر، والمسافرين المحتاجين الذين بعدوا عن أهلهم ومالهم، والسائلين الذين اضطروا إلى السؤال لشدة حاجتهم، وأنفق في تحرير الرقيق والأسرى، وأقام الصلاة، وأدى الزكاة المفروضة.

والضمير في قوله: {عَلَى حُبِّهِ} يعود إلى المال، أي: أعطى المال وبذله عن طيب خاطره حال كونه محبًا له راغبًا فيه؛ لأن الإعطاء والبذل في هذه الحالة يدل على قوة الإيمان، وصفاء الوجدان، ويسمو بصاحبه إلى أعلى الدرجات، كما قال تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] .

وكقوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8] .

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن أفضل الصدقة ما كان في حال الصحة؛ لأن الإنسان في هذه الحالة يكون مظنة الحاجة إلى المال، فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: (أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا وكذا، وقد كان لفلان) 103.

وحث سبحانه وتعالى على إطعام الأيتام والمساكين، ويزداد ذلك فضلًا بكونه في يوم ذي مجاعة؛ لأن إخراج المال في وقت القحط أثقل على النفس، وأوجب لجزيل الأجر، قال تعالى: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 14 - 16] .

ففي هذه الآيات بيان لفضيلة من الفضائل التي تؤدي إلى اقتحام العقبة، تتمثل في فك الرقاب، وإطعام المحتاجين، في يوم يشتد فيه جوعهم، والمسغبة: المجاعة، وهو مصدر ميمي، بمعنى السغب، يقال: سغب الرجل كفرح ونصر إذا أصابه الجوع، ووصف اليوم بذلك على سبيل المبالغة، كما في قولهم: نهاره صائم. وقيد سبحانه اليتيم بكونه ذا مقربة؛ لأنه في هذه الحالة يكون له حقان: حق القرابة وحق اليتم، ومن كان كذلك فهو أولى بالمساعدة من غيره.

تنوع الإنفاق في وجوه الخير:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت