قال ابن كثير: «قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ} يعنى: أهل مصر، قد بعث الله فيهم رسولًا من قبل موسى، وهو يوسف عليه السلام كان عزيز أهل مصر، وكان رسولا يدعو إلى الله أمته القسط، فما أطاعوه تلك الساعة إلا لمجرد الوزارة، والجاه الدنيوي، ولهذا قال: {فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا} أي: يئستم فقلتم طامعين: لن يبعث الله من بعده رسولًا، وذلك لكفرهم وتكذيبهم» 46.
فالكلام في هذه الآية جاء على لسان مؤمن آل فرعون، يحذر قومه من الشك في دعوة موسى عليه السلام، كما فعل أجدادهم من قبل مع يوسف عليه السلام، {فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ} أي: فما زال آباؤكم في شك مما جاءهم به من البينات والهدى، كشأنكم أنتم مع نبيكم موسى عليه السلام 47.
رابعًا: الشك في اليوم الآخر:
قال تعالى: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} [النمل: 66] .
قال البغوي رحمه الله تعالى: «يعني: هم اليوم في شك من الساعة» 48.
وقال الشنقيطي رحمه الله تعالى: «فهذا الذي كانوا يشكون فيه في دار الدنيا، ويعمون عنه مما جاءتهم به الرسل، يعلمونه في الآخرة علمًا كاملًا لا يخالجه شك عند معاينتهم لما كانوا ينكرونه من البعث والجزاء» 49.
وقال تعالى: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ} [سبأ: 54] .
قال الطبري رحمه الله تعالى: «إنهم كانوا قبل في الدنيا في شك من نزول العذاب الذي نزل بهم وعاينوه» 50.
والمعنى: لقد فعلنا بهم كما فعلنا في أمثالهم ونظرائهم من كفار الأمم الماضية، إنهم كانوا جميعا في الدنيا في شك مغرق في الريبة في أمر إثبات البعث والجزاء في الآخرة 51.
وقال تعالى: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} [الإسراء: 49] .
قال طنطاوي في هذه الآية: «وقال الكافرون المنكرون للبعث والحساب، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الإنكار والاستبعاد: أإذا كنا يا محمد، عظامًا بالية، ورفاتًا يشبه التراب في تفتته ودقته، أإنا لمعادون إلى الحياة مرة أخرى، بحيث تعود إلينا أرواحنا، وتدب الحياة فينا ثانية، ونبعث على هيئة خلق جديد، غير الذي كنا عليه في الدنيا؟» 52.
وبنفس هذا المعنى في آيات عديدة منها، قوله تعالى: {قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} [المؤمنون: 82] .
وقوله تعالى: {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [الرعد: 5] .
وقوله تعالى: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} [ق: 3] .
وقد أكد الحق سبحانه في غير موضع من القرآن الكريم نفي الشك في وقوع البعث والجزاء:
قال تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 25] .
أي: فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم لجزاء يوم لا ريب في مجيئه وحصوله 53.
وقال تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ} [النساء: 87] أي: الله الواحد الأحد الفرد الصمد والذي لا معبود بحق سواه، كتب على نفسه أنه ليبعثنكم من قبوركم وليحشرنكم إلى الحساب في يوم القيامة الذي لا شك في حصوله ووقوعه، فقررت الآية أن يوم الحساب آت لا شك فيه مهما أنكره الملحدون 54.
وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا} [الكهف: 21] .
أي: أن القيامة آتية لا ريب فيها، ولا شك في حصولها 55.
وبنفس المعنى في قوله تعالى: {إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا} [غافر: 59] .
وقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ} [الجاثية: 26] .
الشك في الوعد والوعيد:
قال تعالى: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الأعراف: 70] .
في هذه الآية يأتي رد قوم هود على نبيهم عليه السلام بعدما دعاهم لعبادة الله وحده، بالاستهزاء والإنكار: أجئتنا يا هود لأجل أن نعبد الله وحده، ونترك ما كان يعبد آباؤنا من الأوثان والأصنام؟! إن هذا لن يكون منا أبدًا، فأتنا بما تعدنا به من العذاب إن كنت من الصادقين فيما تخبر به، فهم استعجلوا العذاب؛ لأنهم كانوا يشكوا في وقوعه 56.
وبنفس المعنى في قوله تعالى: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الأحقاف: 22] .
وفي قوله تعالى أيضًا: {قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [هود: 32] .
أي: لقد سئمنا مجادلتك لنا ومللناها، فأتنا بالعذاب الذي تتوعدنا به، إن كنت من الصادقين في دعواك النبوة، وفي وعيدك لنا بعقاب الله، فإننا مصرون على عبادة آلهتنا، وكارهون لما تدعونا إليه 57.
الأسباب التي توقع الإنسان في الشك كثيرة ومتنوعة، ومن أهمها:
أولًا: الكفر:
الشك في الله عز وجل وفي اليوم الآخر وغيرها من صور الشك من أبرز أسبابها الكفر.
قال تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [إبراهيم: 9] .
في هذه الآية يتضح أن السبب وراء شك أولئك الأقوام بما جاءت به رسلهم هو الكفر، فبعد أن جاء كل رسول إلى قومه بالحجج الواضحات، وبالمعجزات الظاهرات، الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه، كان الجواب منهم: {وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} .
قال الجمل: «فإن قيل: إنهم أكدوا كفرهم بما أرسل به الرسل، ثم ذكروا بعد ذلك أنهم شاكون مرتابون في صحة قولهم فكيف ذلك؟ فالجواب: كأنهم قالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم به أيها الرسل، فإن لم نكن كذلك، فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم، أو يقال: المراد بقولهم {إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ} أي: بالمعجزات والبينات، وبقولهم: {وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} وهو الإيمان والتوحيد، أو يقال: إنهم كانوا فرقتين: إحداهما جزمت بالكفر، والأخرى شكت» 58.
والشك الذي وقع من قوم صالح عليه السلام إنما كان سببه الكفر، قال تعالى: {قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [هود: 62] .
بعد أن دعا صالح عليه السلام قومه لعبادة الله وحده، وذكرهم بقدرة الله عز وجل ونعمه عليهم، فيأتي الرد منهم بالعناد والكفر، فقالوا: يا صالح لقد كنت فينا رجلًا فاضلًا نرجوك لمهمات الأمور فينا لعلمك وعقلك وصدقك، قبل أن تقول ما قلته، أما الآن وبعد أن جئتنا بهذا الدين الجديد فقد خاب رجاؤنا فيك، وصرت في رأينا رجلا مختل التفكير، ثم ختموا ردهم عليه بقولهم: {وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} أي: لن نترك عبادة الأصنام التي كان يعبدها آباؤنا، وإننا لفي شك كبير وريب عظيم من صحة ما تدعونا إليه 59.
ثانيًا: النفاق:
النفاق من أبرز الأسباب المؤدية للشك.
قال تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة: 45] .
أي: إنما يستأذنك- يا محمد- في القعود عن الجهاد أولئك الذين من صفاتهم أنهم لا يؤمنون بالله إيمانا ًكاملًا، ولا يؤمنون باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب إيمانا يقينيا، وبجانب عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، رسخ الريب في قلوبهم فصاروا يشكون في صحة ما جئت به - أيها الرسول الكريم-، ويقفون من تعاليمك وتوجيهاتك، موقف المكذب المرتاب لا موقف المصدق المذعن، وأضاف الشك والارتياب إلى القلوب، لأنها محل المعرفة والإيمان 60.
قال طنطاوي: «وأوثرت صيغة الماضي (ارتابت) للدلالة على تحقق الريب وتوبيخهم، وأصل معنى التردد: الذهاب والمجيء. والمراد به هنا التحير على سبيل المجاز؛ لأن المتحير لا يستقر في مكان، ولا يثبت على حال، فهم في شكهم الذي حل بهم يتحيرون» 61.
وقال تعالى: {لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 110] .
تكشف هذه الآية عن حال المنافقين بعد أن فضح الله نواياهم بما أرادوه من بناء المسجد الذي سماه الله عز وجل بمسجد الضرار، والمعنى: لا يزال ما بناه هؤلاء المنافقون موضع ريبة وقلق في نفوسهم في كل وقت وحال إلا في وقت واحد، وهو وقت أن تتمزق قلوبهم بالموت، فهم لا يزالون في قلق وحيرة، والسبب في أن هذا البناء كان مثار ريبتهم وقلقهم حتى بعد هدمه، أنهم بنوه بنية سيئة، ولتلك المقاصد الأربعة الخبيثة التي بينتها الآية الأولى، فكانوا يخشون أن يطلع الله نبيهم على مقاصدهم الذميمة، فهذه الخشية أورثتهم القلق والريبة، فلما أطلع الله تعالى نبيه على أغراضهم، وتم هدم مسجد الضرار، وانهار الجرف المتداعي المتساقط، استمر قلقهم وريبهم؛ لأنهم لا يدرون بعد ذلك ماذا سيفعل المؤمنون بهم 62.
ثالثًا: الجهل:
قال تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} [النساء: 157] .
الجهل هو أحد أسباب الوقوع في الشك، وهذا ما حدث لبني إسرائيل بعدما وقعت حادثة رفع عيسى عليه السلام إلى السماء، فالذين اختلفوا في شأن عيسى من أهل الكتاب لفي شك دائم من حقيقة أمره، فهم في حيرة وتردد، ليس عندهم علم ثابت قطعي في شأنه، أو في شأن قتله، ولكنهم لا يتبعون فيما يقولونه عنه إلا الظن الذي لا تثبت به حجة. ولا يقوم عليه برهان، وهذا الشك أساسه الجهل الذي وقع منهم، حين قالوا: إنه ابن الله، وادعوا أن في عيسى عنصرًا إلهيا مع العنصر الإنساني، وأن الذي ولدته مريم هو العنصر الإنساني، ثم أفاض عليه بعد ذلك العنصر الإلهي، فالشك هنا أساسه وسببه جهل بني إسرائيل بما حدث لعيسى عليه السلام 63.
وقال تعالى: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} [الدخان: 9] .
صدر هذا الكلام من الكافرين نتيجة جهلهم بقدرة الله عز وجل وعظمته، فهؤلاء الكفار لم يكونوا موقنين بأن رب السموات والأرض وما بينهما هو الله، بل قالوا ما قالوا في ذلك على سبيل الشك واللعب 64.
رابعًا: الكبر:
يصرح المشركون أن السبب الحقيقي الذي حال بينهم وبين الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو الحقد والحسد والكبر، وإنكار أن يختص الله تعالى رسوله من بينهم بالرسالة، فقالوا كما حكى القرآن عنهم: {أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: 8] .
والاستفهام للإنكار والنفي، أي: كيف يدعي محمد صلى الله عليه وسلم أنه قد أنزل عليه القرآن من بيننا، ونحن السادة الأغنياء العظماء، وهو دوننا في ذلك؟ إننا ننكر وننفي دعواه النبوة من بيننا 65.
قال الزمخشري: «أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم ورؤسائهم وينزل عليه الكتاب من بينهم، كما قالوا: {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} وهذا الإنكار ترجمة عما كانت تغلي به صدورهم من الحسد على ما أوتي من شرف النبوة من بينهم» 66.
وقال تعالى: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) } [الكهف: 35 - 37] .
انتقل صاحب الجنتين من غرور إلى غرور أشد، فهذا الكافر لم يكتف بتطاوله على صاحبه المؤمن، بل سار به نحو جنته حتى دخلها، وهو ظالم لنفسه بسبب كفره وجحوده وكبره، ثم ختم هذا الكافر محاورته لصاحبه بقوله: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} أي: كائنة ومتحققة، فهو قد أنكر البعث وما يترتب عليه من حساب بعد إنكاره لفناء جنته، ثم أكد كلامه بجملة قسمية، فقال: {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي} أي: والله لئن رددت إلى ربي على سبيل الفرض والتقدير، كما أخبرتنى يا صاحبي بأن هناك بعثا وحسابا {لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} أي: من هذه الجنة منقلبًا أي: مرجعا وعاقبة، وكل هذا الكلام الذي صدر من صاحب الجنة الكافر ما صدر إلا نتيجة الكبر والغرور 67.
خامسًا: وسوسة الشيطان:
يبين الحق عز وجل أن إغواء الشيطان ووسوسته من الأسباب التي أدت الشك.
قال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ} [سبأ:20 - 21] .
قال طنطاوي: «لفظ {صَدَّقَ} قرأه بعض القراء السبعة بتشديد الدال المفتوحة، وقرأه البعض الآخر بفتح الدال بدون تشديد، والمعنى على القراءة بالتشديد: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه في قدرته على إغوائهم، وحقق ما كان يريده منهم من الانصراف عن طاعة الله تعالى وشكره، فاتبعوا خطوات الشيطان، بسبب انغماسهم في الفسوق والعصيان، إلا فريقًا من المؤمنين، لم يستطع إبليس إغواءهم، لأنهم أخلصوا عبادتهم لخالقهم عز وجل، واستمسكوا بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والمعنى على القراءة بالتخفيف: ولقد صدق إبليس في ظنه أنه إذا أغواهم اتبعوه، لأنه بمجرد أن زين لهم المعاصي أطاعوه، إلا فريقا من المؤمنين لم يطيعوه» 68.
ثم بين سبحانه أن إغواء الشيطان لأهل سبأ ولأشباههم من بنى آدم، لم يكن عن قسر وإكراه، وإنما كان عن اختيار منهم ليتميز الخبيث من الطيب، فقال تعالى: {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ} أي: وما كان لإبليس عليهم من سلطان قاهر يجعلهم لا يملكون دفعه، وإنما كان له عليهم الوسوسة التي يملكون صرفها ودفعها متى حسنت صلتهم بنا، ونحن ما أبحنا لإبليس الوسوسة لبنى آدم، إلا لنظهر في عالم الواقع حال من يؤمن بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب وحساب، ولنميزه عمن هو منها في شك وريب وإنكار 69.
قال الشوكانى رحمه الله: «والاستثناء في قوله {إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ} منقطع أي: لا سلطان له عليهم، ولكن ابتليناهم بوسوسته لنعلم، وقيل: هو متصل مفرغ من أعم العلل، أي: ما كان له عليهم من تسلط بحال من الأحوال، ولا لعلة من العلل، إلا ليتميز من يؤمن ومن لا يؤمن، لأنه سبحانه قد علم ذلك علما أزليًا، وقال الفراء: إلا لنعلم ذلك عندكم. والأولى حمل العلم هنا على التمييز والإظهار» 70.
الشك هو داء خطير خصوصًا إذا ما أصاب المسلم، ولكن لكل داء دواء، وفيما يأتي أهم أدوية الشك:
أولًا: الثبات على الإيمان.
وسنتعرف على أهم الوسائل التي تعين المسلم على الثبات على الإيمان، وبالتالي تبعده عن الشك، وفيما يلي بعض هذه الوسائل:
1.الإقبال على القرآن الكريم.
قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 32 - 33] .
أي: أنزلناه كذلك منجمًا ومفرقًا لحكمة عالية وهي تقوية قلبك وتثبيته؛ لأنه كالغيث كلما أنزل أحيا موات الأرض وازدهرت به ونزوله مرة بعد مرة أنفع من نزول الغيث دفعة واحدة 71.
فإذا كان القرآن الكريم مثبتًا للنبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بنا نحن الضعاف؟ كيف بنا نحن المقصرين؟ إذًا القرآن الكريم، الإقبال عليه؛ تلاوةً، وحفظًا، وفهمًا، وتدبرًا، وتطبيقًا، هو أحد الوسائل الفعالة لثباتك على الإيمان وبالتالي البعد كل البعد عن الشك.
2.التزام شرع الله عز وجل والعمل الصالح.
قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} [النساء: 66] .
في هذه الآية بيان للنتائج الطيبة التي تترتب على امتثال شرع الله عز وجل، أي: ولو ثبت أن هؤلاء الذين أمرناهم بطاعتنا {فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ} أي: ما أمرناهم به من اتباع لرسولنا صلى الله عليه وسلم وانقياد لحكمه؛ لأنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، فلو ثبت أنهم فعلوا ذلك لكان ما فعلوه خيرًا لهم في دنياهم وآخرتهم. ولكان أشد تثبيتًا لهم على الحق والصواب، وأمنع لهم من الشك والضلال 72.
وقال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27] .
والمعنى: يثبت الله تعالى الذين آمنوا بالقول الثابت، أي: الصادق الذي لا شك فيه، في الحياة الدنيا، بأن يجعلهم متمسكين بالحق، ثابتين عليه دون أن يصرفهم عن ذلك ترغيب أو ترهيب، ويثبتهم أيضا بعد مماتهم، بأن يوفقهم إلى الجواب السديد عند سؤالهم في القبر وعند سؤالهم في مواقف يوم القيامة 73
3.تدبر قصص الأنبياء.
ذكرنا سابقًا كيف قابلت الأقوام أنبياءهم بالكفر والجحود والشك فيهم وفي رسالتهم، فتدبر هذه القصص من الوسائل الفعالة على الثبات على الإيمان، فيبين سبحانه أهم الفوائد التي تعود على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلينا من وراء إخباره بأحوال الأنبياء السابقين مع أقوامهم.
قال تعالى: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: 120]
أي: وكل نبأ من أنباء الرسل الكرام السابقين نقصه عليك -أيها الرسول الكريم- وعلى أمتك، فالمقصود به تثبيت قلبك، وتقوية يقينك، وتسلية نفسك ونفوس أصحابك عما لحقكم من أذى في سبيل تبليغ دعوة الحق إلى الناس 74.
ثانيًا: سؤال أهل العلم:
قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] .