فهرس الكتاب

الصفحة 1309 من 2431

قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] .

حيث تبدأ الآية بلام موطئة للقسم، وبـ (قد) التي تفيد التحقيق، وكل هذا لخطاب المؤمنين، بأنه جاءكم رسول من العرب، تعرفون نسبه وحسبه، فليس في قبيلة من قبائل العرب إلا وللرسول فيها نسب، والله تعالى شديد عليه إذا شقّ عليكم، ولكن حاشاه أن يكون كذلك، فهو حريص على هدايتكم من الضلال، وهو بالمؤمنين كلهم رءوف رحيم 34، ونلاحظ أن هذه الآية الكريمة بينت بشكل واضح جوانب عديدة من السماحة التي ملأت قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها أنه لا يملك إلا أن يكون شفوقًا عليكم، ومنها أن الله تعالى منحه اسمين، مليئين بالسماحة الدالة على كل خير.

بينت آيات عديدة أن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم يحترق قلبه خوفًا على الناس جميعًا من غضب الله تعالى، ومنها قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6] .

حيث تبين هذه الآية الكريمة مدى استعداد النبي محمد صلى الله عليه وسلم للتضحية لأجل الدعوة إلى الله تعالى، لدرجة أنه قارب على هلاك نفسه، وقتلها على أثر عدم إيمان هؤلاء الكفار بهذا القرآن؛ حزنًا وغضبًا على كفرهم، وهذا الحزن أتى بعد وصول الكفار إلى أبشع أنواع التبجح بالكفر، والتكذيب للرسالة، وقد جاء في القرآن الكريم مثل هذا المدلول، كقوله تعالى: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} [النحل: 127] .

وقوله تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3] .

وقوله تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [فاطر: 8] 35، وهذا يبين عظيم سماحته صلى الله عليه وسلم، فهو لا يبحث عن نفسه، إنما يبحث عن إنقاذ كل كافر من إنس وجان، والأخذ بأيديهم إلى رحمة الله تعالى.

أمر الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يحبس نفسه، ويقضي جل أوقاته الدعوية مع الداعين إلى الله تعالى بغض النظر عن أوضاعهم الاجتماعية، وذلك مثل قوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] .

وقد جاء في سبب نزول هذه الآية والتي قبلها، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: جاء المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وأهاليهم، فقالوا: يا رسول الله، إنك لو جلست في صدر المجلس، ونحّيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم -يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جباب الصوف لم يكن عليهم غيرها- جلسنا إليك وحادثناك وأخذنا عنك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، والتي قبلها، والتي بعدها 36، وعلى هذا فإن الآية تأمر رسولنا محمدًا صلى الله عليه وسلم، بأن يحبس نفسه مع هؤلاء الفقراء الداعين إلى الله تعالى حبس ملازمة لهم، فهم الذين لا ينفكون عن الدعاء إلى الله تعالى ليلًا ونهارًا، يبتغون وجه الله تعالى، ولا تعد عيناك عنهم، أي: لا تعرض عنهم، ولو بأن تنتبه إلى غيرهم تريد زينة زائفة من هؤلاء المستكبرين الكفار 37،

يقول ابن عاشور: «وهذا الكلام تعريض بحماقة سادة المشركين الذين جعلوا همهم وعنايتهم بالأمور الظاهرة، وأهملوا الاعتبار بالحقائق والمكارم النفسية؛ فاستكبروا عن مجالسة أهل الفضل والعقول الراجحة والقلوب النيرة، وجعلوا همهم الصور الظاهرة» 38.

ثم يذكر القرآن الكريم في آية قرآنية أخرى ما يحصّن هؤلاء المستضعفين، وبقائهم في الرعاية الشرعية، وذلك بأسلوب النهي عن طردهم، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 52] .

حيث تنهى هذه الآية الكريمة نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم، أن يطرد الفقراء المسلمين الداعين إلى الله تعالى صباح مساء مبتغين وجه الله تعالى عن مجالسته، فكلٌّ له حسابه عند الله تعالى، ولست من يحاسبهم، أو يحاسب عنهم، فإن طردتهم؛ فإنك ساعتها تكون من الظالمين 39.

ولا شكّ أن هذه الألفاظ قاسية على النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم لمجرد أن نفسه حدّثته بمجاملة سادة قريش طمعًا في الإسلام، فإن السماحة يجب أن تقتضي الرحمة بأولئك الضعفاء المساكين، الذين لا يدّخرون جهدًا في نصرة هذا الدين، وبالتالي فإن ضابط الرحمة في الدعوة كونه ليس مرتبطًا بردة فعل، وإنما تكون السماحة والرحمة سجية عند الداعية المسلم، سيما وأنها علامة على رحمة الإسلام، وبالتالي فإن الدعاة ليسوا محاسبين على النتيجة، شرط ألّا يدّخروا أي جهد قلبيًّا كان أو قوليًّا أو عمليًّا في ميدان الدعوة.

وعلى هذا فإن الالتزام بما يأمر الله تعالى من رحمة، ولين في القول أولى بكثير من الاجتهاد فيما لا يجوز الاجتهاد فيه، وصدق الله تعالى حيث يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1] .

حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يكون كل الناس على اختلاف أجناسهم وألوانهم مؤمنين، وهذا يوضحه قوله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103] .

حيث تذكر هذه الآية في معرض الرحمة بالرسول صلى الله عليه وسلم الرحيم، الذي يحرص على هداية كل مخلوق من إنس وجان، فإنه صلى الله عليه وسلم لو حرص وتهالكت نفسه لهداية الخلق؛ فإنه لا يكون مؤمنًا إلا القليل 40.

وهذا الجانب دالٌّ على معنىً عظيم من السماحة والرحمة في الدعوة إلى الله تعالى، فإن السواد الأعظم من الناس كفار، بل إن من المؤمنين خلقًا لا يفعلون ما يرضي الله تعالى، ومع ذلك فإن الله سبحانه وتعالى لا يؤاخذهم بما كسبوا، بل يؤخرهم إلى أجلٍ معلوم، قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} [فاطر: 45] .

حيث إن هذه الآية تبين للناس -عمومًا- شيئًا من عظيم رحمة الله تعالى وفضله، فهي دعوة إلى أولئك الذين اغتروا بتأخير حساب الله تعالى، حتى حسبوه عجزًا، أو رضًا من الله تعالى بما هم فيه، وفحوى مقتضى الدعوة أن يرجعوا إلى الله تعالى، فإن الله تعالى يمنحكم أيها الطغاة كل فرصة في هذه الدنيا 41 - حتى العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر-؛ لعل الطغاة يرجعون، كما قال تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة: 21] .

من رحمة الله تعالى أنه أنزل أمانين لهذه الأمة، وهما ما جاء في القرآن الكريم، حينما قال الكفار: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32] .

عندها نزل قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33] .

وقد أخرج الشيخان «عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال أبو جهل: اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارةً من السّماء أو ائتنا بعذابٍ أليمٍ. فنزلت: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأنفال: 33 - 34] » 42.

وعلى هذا فإن الله تعالى أنزل أمانين لهذه الأمة، فالأمان الأول: هو وجود الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم حيًّا، والأمان الآخر: هو الاستغفار.

من صفات الداعية الحق سيما الرسول صلى الله عليه وسلم أنه سمحٌ في رحمته ولين في قوله، سيما مع من أساء الأسلوب.

وفي ذلك يقول تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] .

أي: فبرحمة من الله تعالى وفضله، كان اللين في القول منك لهم، رغم عدم الطاعة منهم، فلو كان الرسول صلى الله عليه وسلم فظًّا في القول غليظًا في القلب؛ لتركوه وحده، وما جاء إليه الناس، وبالتالي فإن الله تعالى يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعفو عنهم، وأن يستغفر لهم الله تعالى، ثم أن يشاورهم في الأمور التي تحتاج إلى مشاورة؛ فإن ذلك أطيب لأنفس القوم، وإذا وصلت إلى قرار بعد المشاورة؛ فامض به، وتوكّل على الله تعالى، فإن الله تعالى يحب المتوكلين عليه حق التوكل 43.

ثانيًا: القول اللين من الدعاة حتى مع رءوس الكفر.

فقد حفل القرآن الكريم بذكر هذا الجانب، عبر الحديث عن الأنبياء وخطابهم لقومهم، وتوضيح ذلك فيما يأتي:

ورد أمر رباني لسيدنا موسى وهارون عليهما السلام بالقول اللين مع فرعون لعله يتذكر أو يخشى، كما في قوله تعالى: {اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 42 - 44] .

حيث إنه بعد أن بينت الآية السابقة أن الله تعالى اصطنع سيدنا موسى عليه السلام لرسالته، تبين هذه الآيات المذكورة، أن الله تعالى أمر سيدنا موسى وأخاه هارون عليهما السلام بألّا يفترا أو يضعفا في حمل الرسالة، أن يذهبا إلى فرعون، فقد تجاوز كلّ الحدود، فقولا له قولًا لطيفًا رقيقًا؛ لعله يرجع إلى الصواب والحق، أو يخشى من عقاب الله تعالى 44.

ورد في آيات كثيرة قول بعض الأنبياء لأقوامهم يا قوم إني أخاف عليكم، كما في قوله تعالى في حديثه عن قصة سيدنا نوح عليه السلام: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 59] .

ثم الرد من قبل سيدنا نوح عليه السلام على اتهاماتهم اللاذعة بمزيد من الحكمة، ولين الجانب، كما في قوله تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ} [الأعراف: 60 - 64] .

حيث إن سيدنا نوحًا عليه السلام يرد على تلك الاتهامات الموجهة بأنه ليس به ضلالة (والضلالة أخص من الضلال) ، ويبين بأساليب التوكيد أنه رسول من رب العالمين، يبلغ شريعة الله تعالى السمحة، وهو لقومه ناصح لا يدخر جهدًا، ولا وسيلة في هدايتهم، ويركز على ما يدور في خلجات صدورهم بقوله: هل تعجبتم أن تأتي رسالة الله تعالى على يد رجل منكم؛ ليحذركم ويخوفكم من عقاب الله تعالى، حتى تكون المحصلة رحمةً كبيرةً من الله تعالى 45.

وإن قصة سيدنا نوح عليه السلام وحالة السماحة والرحمة الدعوية في الخطاب، ومن ثم لين الجانب، هي نموذج قرآني من مخزون نماذجه -سيما في الحديث عن الأنبياء-، سيما سيدنا صالح عليه السلام، وسيدنا هود عليه السلام، وكل أنبياء الله عليهم جميعًا أفضل الصلاة وأتم التسليم.

كما أن منبر السماحة الدعوية في الرحمة ولين الجانب مما ذكر في القرآن الكريم لم يقتصر فقط على الأنبياء، وإنما تعدّى إلى ذكر الدعاة الغيورين، ومثل ذلك قصة الرجل الصالح، الذي خلّد القرآن الكريم ذكر مسيرته الدعوية الغيورة على الدين في سورة يس، حيث جاء من أقصى المدينة يسعى في الخير شفقة منه على هؤلاء المكذبين بالرسل، فاستخدم أجمل الألفاظ وأطيبها، حرصًا منه على أن يعافوا من العقاب الرباني جزاء تكذيبهم.

وفي ذلك يقول تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} [يس: 20 - 27] .

وهذه الآيات الكريمة تبين لنا نموذجًا عظيمًا لداعية إلى الله تعالى، هو حبيب النجار الذي آمن برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وبينهما ستمائة سنة - ومثله في الإيمان تبّع الأكبر، وورقة بن نوفل-.

فلقد سمع هذا الداعية الغيور نبأ تكذيب القوم لرسلهم، فما كان منه إلا أن جهر بدعوته، بعد قطع مسافة من أقصى المدينة إلى حيث يسكن القوم، فقال محاكيًا لطريقة الرسل في تبليغهم: يا أهلي، ويا ربعي، إني أرشدكم إلى ما ينفعكم في دنياكم وآخرتكم، فالأمر سهل ومليء بالسعادة التي لا تنتهي، وهو لا يعدو عن كونكم تلتزمون قلبًا وقولًا وعملًا باتباع كل ما جاء به المرسلون، فهؤلاء لا يطلبون منكم أيّ مالٍ، أو شهرةٍ، أو جاهٍ، ومع ذلك فهم مهتدون إلى الحق.

ثم يتساءل هذا الداعية الغيور سؤالًا تحريضيًّا على حسن الاتباع، بقوله: ولم لا أعبد الذي خلقني منذ الولادة على فطرة التوحيد، والمرجع والمصير كله إلى الله تعالى، فماذا سأردّ على سؤاله تعالى لي؟!

وهو أسلوب بالغ في الحكمة الدعوية؛ إذ إنه يتكلم عن نفسه، ثم يوجّه الإشارة إليه في العاقبة التي يمكن أن تحل عليهم، دونما فقد لسيطرته عليهم، عبر استفزاز كرامتهم، بالسباب والشتم وما إلى ذلك، فهو مجتهد بعد خلوص نيته، في أنجع الطرق التي تردّهم إلى دين الله تعالى.

وتلك هي السماحة والرحمة ولين القول في الدعوة إلى الله تعالى، ثم يستطرد هذا الداعية دعوته إليهم بسؤالٍ آخر افتراضيٍّ، وذلك بقوله: أأتخذ من دون الله تعالى آلهةً لا تضر ولا تنفع أعبدها، فإني أعلمكم أن الله جل جلاله إذا أراد بي ضرًّا؛ فلا تنفعني شفاعة هذه الآلهة شيئًا، ولا يستطيعون أن ينصروني، ولا حتى إنقاذي، وعندها فإني أكون من الضالين عن طريق الخير، وما ينفعني في الدنيا والآخرة.

ثم يجهر بالتمسك بالدين، وذلك بإعلان إيمانه بالله تعالى، حيث قال تلطفًا بهم (بربكم) ، وقال بعد ذلك فاسمعوا مقالتي الإيمانية هذه واستجيبوا لنداء الحق، وفي هذا تحدٍّ ضمنيٌّ بأنه متصلّب في دعوته، فماذا سيفعلون إلا ما كتب الله تعالى له، فما كان من القوم إلا أن قتلوه، فقيل له من قبل الله تعالى إكرامًا له: ادخل الجنة، فإذا بهذا الداعية الشفوق الرحيم الحنون يقول حال كونه خائفًا على قومه من العذاب: (يا ليت قومي يعلمون، بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) 46.

وهناك موقف آخر لرحمة داعية ولينه في القول، وهي تلك القصة الرائعة لمؤمن آل فرعون، حيث جاء في سورة غافر- وتسمّى أيضًا سورة المؤمن نسبةً له-، حيث إنه غار على رسول الله موسى عليه السلام، عندما رأى ذلك التآمر الكبير من فرعون وقومه على قتل سيدنا موسى عليه السلام.

ففي تلك اللحظات الحرجة كان لا بدّ لهذا الداعية أن يتحرّك، فما عاد كتم الإيمان ينفع، وتوجّب عليه رحمه الله تعالى أن يصدع بالحق، فسلك أسلوبًا دعويًّا رائعًا مليئًا باللين والرحمة بهم، مع عدم المجاملة والخديعة لهم، وذلك كما يلي:

رغم أنه من آل فرعون، إلا أن مواجهته لأهله وقومه كانت في بداية الأمر بإعطائهم السبب الذي من أجله آمن هذا الداعية، وهو أن سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم كان يقول ربي الله، وأنه صلى الله عليه وسلم قد جاء بكل الدلائل والبينات المادية والمعنوية الدالة على إثبات أحقية ما يقول، ومن عظيم إخلاص هذا الرجل أن الله تعالى علّمه فقه المناظرة.

وذلك أنه يخبر أن سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم إن كان كاذبًا فلستم مؤاخذين على كذبه، وإن كان صادقًا فمن المؤكّد أنه سيصيبكم ببعض ما وعدكم، ثم ردّهم إلى الله تعالى، بقوله إن الله عز وجل لا يهدي ولا يوفّق المسرف الكذاب، وها نحن نرى أمره سديدًا، ومنهجه مستقيمًا، وبالتالي هي إشارة -بعد الحجة والبيان- إلى تصديقه 47.

وفي ذلك يقول تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 28] .

ثم يستطرد بذكر النصائح تلو النصائح، ومنها: استخدام لفظة (يا قوم) ، وبيان قوتهم الحالية، وأنهم يوم أن يأذن الله تعالى لا حول لهم ولا قوة، ورغم إجرام فرعون وتجبّره إلا أنه يستمر في تذكيرهم بمن كان قبلهم من الأقوام الغابرة، وما حلّ بهم؛ لعلهم يرجعون عن الباطل، ثم تذكيرهم بيوم القيامة، واستخدام الألفاظ التي تجعل القلوب القاسية رحيمة 48.

وفي ذلك يقول تعالى: {يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31) وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [غافر: 29 - 33] .

ثم التذكير بما جاء به سيدنا يوسف عليه السلام من البينات، وبمجرد أن مات عليه السلام إذ أنتم تقولون لن يبعث الله من بعده رسولًا، ثم يبين العاقبة تلو العاقبة في الدنيا والآخرة على من لم يتبع الحق والهدى، ورغم أن فرعون ماضٍ في علوّه وتكبره الذي بلغ كل وصف، واستعلاؤه الذي لا يماثله استعلاء؛ إلا أن مؤمن آل فرعون يحثهم على اتباع الحق والإيمان، شفقة منه ورحمة عليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت