فهرس الكتاب

الصفحة 1223 من 2431

وقال سبحانه: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) } [التوبة:24] .

الجواب: لمّا يذكر سبحانه الحبّ الفطري يؤخّر الأموال، لأن الأموال تترك للأبناء؛ يعمل ويكد ويعلم أنه ميت ويترك الأموال للأبناء.

أما في مواطن الإلهاء قدّم الأموال على الأولاد مع أن حبّ الأولاد أكثر! لكن الالتهاء بالمال يكون أكثر، لذا قدّم الأموال على الأولاد للتحذير.

قال أبو حيان رحمه الله: «ولما كان المال في باب المدافعة والتقرب والفتنة أبلغ من الأولاد؛ قدّم في هذه الآية {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [آل عمران:10] .

وفي قوله: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى} [سبأ:37] .

وفي قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [الأنفال:28] .

وفي قوله: {وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} [الحديد:20] .

وفي قوله: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) } [الشعراء:88] ، بخلاف قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) } [آل عمران:14] ؛ فإنه ذكر هنا حبّ الشهوات، فقدّم فيه النساء والبنين على ذكر الأموال» 36.

قال حكيم بن حزام رضي الله عنه: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال:(يا حكيم! إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى) 37.

فيجب على المسلم أن يحذر من فتنة المال وزينته وزخرفه، بل يتق الله تعالى في أخذه وفي إنفاقه؛ فهو مسؤل عن ذلك يوم القيامة.

5.زينة الحلي.

والحلي: اسم لكل ما يتزين به من مصاغ الذهب والفضة، والجمع حليٌّ بضم الحاء وكسرها، كالخلخال، والسّوار، والقرط، والقلادة، والطّوق، ونحو ذلك 38.

قال الله تعالى عن قوم موسى أنهم: {قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا} [طه:87] .

وقال سبحانه: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) } [الزخرف:18] .

« {فِي الْحِلْيَةِ} وهو الحلي الذي لا يليق إلا بالإناث دون الفحول، لتزينهن بذلك لأزواجهن ... وفي ذلك إشارة إلى أن الرجل لا يناسب له التزين كالمرأة، وأن يكون مخشوشنًا» 39.

ولا يعني هذا أن الرجل لا يتزين بأي زينة لامرأته! بل لقد ؤ قال ابن عباس رضي الله عنه: «إني أحب أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي؛ لأن الله تعالى ذكره يقول: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:228] » 40، إنما المحرم تشبه الرجل بالمرأة في زينتها، كالتحلي بالذهب ولبس الحرير ... الخ.

ثالثًا: زينة الحياة الدنيا:

كثيرة هي الآيات التي تحدثت عن هذه الحياة الدنيا وزينتها وزهرتها وزخرفها ومتاعها وغرورها وحقيقتها، كقوله تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [الأنعام:32] .

وقوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) } [التوبة:38] .

وضرب لنا فيها الأمثال فقال: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45) } [الكهف:45] .

وكان من الآيات الجامعة في هذا الباب هي قوله تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران:185] «يعني منفعة ومتعة، كالفأس والقدر والقصعة، ثم تزول ولا تبقى، وقال الحسن: كخضرة النبات ولعب البنات؛ لا حاصل له» 41.

وأجمع منها قوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) } [الحديد:20] .

قال ابن عاشور: «واللعب يكثر في أحوال الناس في الدنيا، فهو جزء عظيم من أحوالها، وحسبك أنه يعمر معظم أحوال الصبا.

واللهو: يغلب على أحوال الشباب، فطور الشباب طوره.

والزينة: تحسين الذات أو المكان بما يجعل وقعه عند ناظره مسرًّا له ... ويكثر التزين في طور الفتوة، لأن الرجل يشعر بابتداء زوال محاسن شبابه، والمرأة التي كانت غانية تحب أن تكون حالية.

والتفاخر: الكلام الذي يفخر به، والفخر: حديث المرء عن محامده والصفات المحمودة منها فيه بالحق أو الباطل ... وأغلب التفاخر في طور الكهولة واكتمال الأشد؛ لأنه زمن الإقبال على الأفعال التي يقصد منها الفخر» 42.

وأوضح لنا القرآن الكريم أن زينة الحياة الدنيا ليس شيئًا واحدًا؛ بل: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف:46] .

ومجالسة الأغنياء والأشراف زينة الحياة الدنيا 43.

قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف:28] .

«أي لا تكن إرادة الزينة سبب الإعراض عنهم، وهذا الكلام تعريض بحماقة سادة المشركين، الذين جعلوا همّهم وعنايتهم بالأمور الظاهرة، وأهملوا الاعتبار بالحقائق والمكارم النفسية؛ فاستكبروا عن مجالسة أهل الفضل والعقول الراجحة والقلوب النيرة، وجعلوا همّهم الصور الظاهرة» 44.

وعند التأمل في أمثال هذه الآيات؛ نجد أن الله تعالى يتبع الحديث عن زينة الدنيا وزخرفها ومتاعها الزائل بثواب الآخرة الدائم الثابت الجليل، فمثلًا:

بعد قوله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ} قال: {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) } [آل عمران:14 - 15]

وبعد قوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} قال: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف:46] 45.

وبعد قوله: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} [الحديد:20] قال: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) } [الحديد:21] .

وغيرها من الآيات الدالة على ذلك.

ولعل من أبرز حكم ذلك: ليعلمنا الله تعالى «أن خيرات الدنيا منقرضة منقضية، وخيرات الآخرة دائمة باقية، والدائم الباقي خير من المنقرض المنقضي، وهذا معلوم بالضرورة، لا سيما إذا ثبت أن خيرات الدنيا خسيسة حقيرة، وأن خيرات الآخرة عالية رفيعة» 46.

حذّر الله تعالى المؤمنين في كتابه الكريم من أن يغتروا بهذه الحياة الدنيا أو بشيء من زينتها، فقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33) } [لقمان:33] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) } [المنافقون:9] .

لكن: ما هي مظاهر الاغترار بالدنيا وزينتها؟ وما عواقب ذلك؟ في هذا المبحث نريد أن نتعرف على ذلك من خلال آيات القرآن الكريم.

أولًا: مظاهر الاغترار بالزينة:

من مظاهر وصور الاغترار بالزينة ما يأتي:

1.الشرك.

كما في قول الحق سبحانه: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) } [الكهف:32] .

فلما أهلك الله ملكه، وأخذ ما كان معه من زينة هذه الحياة الدنيا، وصف الله حاله فقال: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) } [الكهف:42] !

فاعترف أخيرًا بالذنب والخطيئة التي أخذ الله ملكه بسببها، وهي: الشرك، بسبب اغتراره بما أعطاه الله من نعم وزينة وصفها الله بقوله: {جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) } [الكهف:32 - 33] .

وفي هذا المثل المضروب «زجر للكفرة من قريش أو غيرهم؛ لئلا تجيء لهم حالٌ يؤمنون فيها بعد نقم تحل بهم» 47.

1.الضلال والإضلال.

قال الله تعالى عن نبيه موسى عليه السلام: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) } [يونس:88] .

«فالزينة تلهيهم عن اتباع المواعظ، وتعظّم شأنهم في أنظار قومهم، والأموال يسخّرون بها الرعية لطاعتهم، وقد كان للفراعنة من سعة الرزق ورفاهية العيش ما سار ذكره في الآفاق، وظهرت مثلٌ منه في أهرامهم ونواويسهم» 48.

3.كفر النعمة.

يبين ذلك هذا المثل الذي ضربه الله تعالى في كتابه: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) } [النحل:112] .

قال الرازي: «قوله: {آمِنَةً} إشارة إلى الأمن، وقوله: {مُطْمَئِنَّةً} إشارة إلى الصحة، لأن هواء ذلك البلد لما كان ملائمًا لأمزجتهم اطمأنوا إليه واستقروا فيه، وقوله: {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} إشارة إلى الكفاية، قال المفسرون: وقوله: {مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} السبب فيه: إجابة دعوة إبراهيم عليه السلام 49 وهو قوله: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ} [إبراهيم:37] » 50، « {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ} أي: جحدت آلاء الله عليها، وأعظم ذلك بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إليهم» 51.

4.نسيان ما ذكروا به من مواعظ.

قال الله تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) } [الأنعام:44] .

«أي: تركوا الاتعاظ بما ذكروا به من البأساء والضراء، ولم ينزجروا، {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا} أي: أعجبوا بما أوتوا من النعم، ولم يزيدوا على البطر والاشتغال بالنعم عن المنعم والقيام بحقه، {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} » 52، «قال أهل المعاني: «وإنما أخذوا في حال الرخاء والراحة، ليكون أشد لتحسرهم على ما فاتهم من حال السلامة والعافية، وقوله: {فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} أي آيسون من كل خير» 53.

5.الفرح المذموم.

قال الله سبحانه محذرًا من هذا النوع من الفرح: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) } [الحديد:23] .

«قال المبرد: «ليس نفي الأسى والفرح على الإطلاق، بل معناه: لا تحزنوا حزنًا يخرجكم إلى أن تهلكوا أنفسكم، ولا تعتدوا بثواب على فوات ما سلب منكم، ولا تفرحوا فرحًا شديدًا يطغيكم حتى تأشروا فيه وتبطروا» 54.

6.البغي والكبر.

كما في قوله تعالى عن قارون الذي اغتر بما آتاه الله من زينة الحياة الدنيا: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ} [القصص:76] .

«فتجاوز حدّه في الكبر والتجبّر عليهم» 55، والبغي هو الاعتداء 56.

وقد «بغى على قومه بأنواع من البغي، من ذلك: كفره بموسى، واستخفافه به، ومنعه حقوق الفقراء من زكاة ماله، إلى غير ذلك مما يصدر عمن فسد اعتقاده» 57.

ثانيًا: آثار الاغترار بالزينة:

لا شك أن الاغترار بالزينة، وعدم شكر الله تعالى عليها، وإيثارها على محبة الله تعالى وطاعته والقيام بحقوقه؛ أنه يجلب على صاحبه آثارًا وخيمة في الدنيا والآخرة، ومن خلال آيات القرآن الكريم سنحاول التعرف على بعض تلك الآثار على الفرد والمجتمع:

1.زوال النعم.

قال الله تعالى عن الرجل الذي دخل بستانه وهو ظالم لنفسه وهو يقول في كبر وغرور: {مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) } [الكهف:35 - 36] .

فقال الله عن خاتمته كما سبق ذكرها: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) } [الكهف:42] .

وقال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) } [القصص:58] .

2.الخسف.

قال سبحانه عن قارون بعد أن اغتر بما أعطاه الله من زينة الحياة الدنيا، وبعد أن قال له قومه: {لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) } [القصص:76 - 77] .

فقال في كبر وغرور: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص:78] !

فكانت العاقبة الإلهية: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) } [القصص:81] .

«لما ذكر تعالى اختيال قارون في زينته، وفخره على قومه وبغيه عليهم؛ عقّب ذلك بأنه خسف به وبداره الأرض» 58، «والخسف: انقلاب بعض ظاهر الأرض إلى باطنها، وعكسه، يقال: خسفت الأرض، وخسف الله الأرض فانخسفت، فهو يستعمل قاصرًا ومتعديًا، وإنما يكون الخسف بقوة الزلزال، وأما قولهم: (خسفت الشمس) فذلك على التشبيه» 59.

3.الخسران.

قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) } [المنافقون:9] .

«لا تشغلكم {أَمْوَالُكُمْ} والتصرف فيها، والسعي في تدبير أمرها، والتهالك على طلب النماء فيها بالتجارة والاغتلال، وابتغاء النتاج والتلذذ بها، والاستمتاع بمنافعها، {وَلَا أَوْلَادُكُمْ} وسروركم بهم، وشفقتكم عليهم، والقيام بمؤنهم، وتسوية ما يصلحهم من معايشهم في حياتكم وبعد مماتكم، وقد عرفتم قدر منفعة الأموال والأولاد، وأنه أهون شيء وأدونه في جنب ما عند الله {عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} وإيثاره عليها، {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} يريد الشغل بالدنيا عن الدين {فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} في تجارتهم؛ حيث باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني!» 60.

فبما أن الأموال والأولاد من زينة الحياة الدنيا؛ فحذّر الله تعالى عباده المؤمنين أن تسوقهم تلك الزينة إلى الخسار في الدنيا والآخرة؛ بعدم استغلال تلك الزينة فيما أمر الله تعالى، أو باستخدامها فيما يغضب الله تعالى، أو الالتهاء بها عن ذكر الله سبحانه.

4.النار والعذاب.

كما قال الحق سبحانه: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) } [الأعراف:50 - 51] .

« {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا} أي: مما زيّنه لهم الشيطان، واللهو: كل ما صدّ عن الحق، واللعب: كل أمر باطل، أي: ليس دينهم في الحقيقة إلا ذلك، إذ هو دأبهم وديدنهم {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} بزخارفها العاجلة، فلم يعملوا» 61.

فانظر كيف ساقتهم زينة الحياة وزخرفها إلى نسيان دين الله تعالى، فاغتروا بها؛ حتى كانت لهم تلك العاقبة المؤلمة في نار جهنم!

أولًا: حكم الزينة:

بعد تتبع آيات الزينة في القرآن الكريم؛ وجدنا أنه يقسّم حكمها إلى قسمين:

1.زينة مباحة.

والزينة هنا يدخل فيها جميع أنواع الزينة؛ كتنظيف البدن، وزينة المركوب، والطّيب، والسواك، والثياب الحسنة غير الحرير للرجال، والنعل الحسنة، وتسريح شعر اللحية، وقص الشارب، وكل ما وجد استحسانه في الشريعة ولم يقصد به مستعمله الخيلاء، ولا تعدى به إلى الإسراف 62.

قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) } [الأعراف:32] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت