فهرس الكتاب

الصفحة 2300 من 2431

الفطرة بكسر الفاء: الخلقة 59، وقيل: معناها: الدين، والدليل على ذلك قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30] .

وقوله صلى الله عليه وسلم: (فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة) 60.

وقيل: إن معنى الفطرة: الجبلة المتهيئة لقبول الدين 61، وقيل معناها: الخلقة التي يخلق عليها المولود في بطن أمه.

قال إبراهيم عليه السلام: {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 27] .

أي: خلقني.

ويؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة) 62.

يعني: الخلقة التي فطر عليها في الرحم من سعادة أو شقاوة 63، وقيل: هي الصفة التي يتصف بها كل موجود في أول زمان خلقته 64.

وبالنظر في التعريفات السابقة يتبين أن التعريف الأخير للفطرة هو الراجح؛ لأنه شامل لجميع المخلوقات، وأما المعاني الأخرى التي وردت في معنى الآيتين والحديثين؛ فإنها تنطبق على الإنسان فقط، والصحيح أن الفطرة تشمل كل موجود، ومن ذلك: الإلهام الفطري للحيوان.

قال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} [النحل: 68] .

أي: إن النحل بفطرته يتخذ من الجبال والشجر بيوتًا، وليس ذلك فحسب بل إنها تقوم بعمل خلية تتناسب مع الرحيق الذي تجمعه من الأزهار، كل ذلك بفطرتها، والنملة بفطرتها نصحت أخواتها لئلا يكون النمل عرضة للهلاك، والتحطيم عند مرور سليمان عليه السلام وجنوده، قال سبحانه تعالى: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل: 18] .

وقال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38] .

أي: إن الله تعالى لم يهمل أمر كل دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه بل، جعلها أممًا وهداها إلى غاياتها ومصالحها، فكيف لا يهدي البشر إلى كمالهم ومصالحهم؟ فهذه هي الهداية العامة 65.

يلاحظ مما سبق أن الهداية الفطرية العامة جبلة خلق الله سبحانه وتعالى المخلوقات عليها، وهداها إلى ما يصلحها، قال عز وجل: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] .

وهذه الآية كقوله تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة: 7] .

أي: كل مخلوق خلقه الله، وأحسن خلقه، وخلقه خلقًا يليق به، ويوافقه، فهذا عام 66. أي: ربنا الذي خلق جميع المخلوقات، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، الدال على حسن صنعه من خلقه، من كبر الجسم وصغره وتوسطه، وجميع صفاته، وهدى كل مخلوق إلى ما خلقه له، وهذه الهداية العامة المشاهدة في جميع المخلوقات، فكل مخلوق يسعى لما خلق له من المنافع، وفي دفع المضار عنه، حتى إن الله تعالى أعطى الحيوان البهيم من العقل ما يتمكن به على ذلك 67.

وقد ذكر ابن عطية معنى الهداية الفطرية في تفسيره، وأنها عامة في جميع الهدايات، فقال: «قال مقاتل والكلبي: هدى الحيوان إلى وطء الذكور الإناث، وقيل: هدى المولود عند وضعه إلى مص الثدي، وقال مجاهد: هدى الناس للخير والشر، والبهائم للمراتع» ، ثم قال ابن عطية: «وهذه الأقوال مثالات، والعموم في الآية أصوب في كل تقدير، وفي كل هداية» 68.

قال ابن القيم: «الهداية العامة، وهي هداية كل مخلوق من الحيوان والآدمي لمصالحه التي بها قام أمره، قال الله سبحانه وتعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى: 1 - 3] .

فذكر الله عز وجل أمورًا أربعة: الخلق، والتسوية، والتقدير، والهداية؛ فسوى خلقه، وأتقنه، وأحكمه ثم قدر له أسباب مصالحه في معاشه، وتقلباته، وتصرفاته، وهداه إليها، والهداية تعليم، فذكر أنه الذي خلق وعلم» 69.

وهذا يعني: أن الله تعالى قدر تقديرًا تتبعه جميع المقدرات فهدى إلى ذلك جميع المخلوقات، وهذه الهداية العامة، التي مضمونها أنه هدى كل مخلوق لمصلحته، وتذكر فيها نعمه الدنيوية 70.

وخلاصة القول أن الله سبحانه وتعالى قدر أجناس الأشياء، وأنواعها، وصفاتها، وأفعالها، وأقوالها، وآجالها، فهدى كل واحد منها إلى ما يصدر عنه، وينبغي له، ويسره لما خلق له، وألهمه إلى أمور دينه ودنياه، فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها، وهدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والسعادة والشقاوة، وهدى للرشد والضلالة، وهدى الأنعام لمراعيها.

وقيل: قدر أرزاقهم، وأقواتهم، وهداهم لمعايشهم إن كانوا إنسًا، ولمراعيهم أن كانوا وحشًا، وجعل لكل دابة ما يصلحها، وهداها له.

وقيل: خلق المنافع في الأشياء وهدى الإنسان إلى وجه استخراجها منها.

وقيل: قدر مدة الجنين في الرحم تسعة أشهر وأقل وأكثر، ثم هداه للخروج من الرحم.

فهذه أقوال ذكرها المفسرون في تفسير الآية، والأولى عدم تعيين أي هداية من هذه الهدايات التي ذكرت؛ لأنها تدخل في الهداية الفطرية العامة 71.

إن للهداية أنواعًا متعددة، جاء بيانها في كتاب الله تعالى، منها هداية البيان والدلالة، ومنها هداية التوفيق والإلهام، وسنتعرف على هذه الأنواع فيما يأتي:

أولًا: هداية البيان والدلالة:

ومعناها: الدلالة، والإرشاد على الخير والحق، مع بيان ما يعقب ذلك من السعادة، والفوز، والفلاح، فهي مما تفضل الله بها على خلقه، ومن ثم أثبتها للنبي صلى الله عليه وسلم الذي قام بدعوة الناس، وإرشادهم، ودلالتهم إلى الطريق المستقيم.

قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] 72.

يتبين في هذا النوع من أنواع الهداية الدلالة على الخير والشر، وطريقة النجاة والهلاك.

قال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10] .

وهذه الهداية لا تستلزم الهدى التام فإنها سبب وشرط لا موجب، ولهذا ينبغي الهدى معها كقوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [فصلت: 17] .

أي: بينا لهم وأرشدناهم ودللناهم فلم يهتدوا، واختاروا العمى، وتركوا الهدى 73.

وهذه هي هداية الأديان، والشرائع، وهي هداية لابد منها لمن استرقت الأهواء عقله، وسخر نفسه للذاته وشهواته، وسلك مسالك الشرور والآثام، وعدا على بني جنسه، وحدث بينه وبينهم التجاذب والتدافع، فبها يحصل الرشاد إذا غلبت الأهواء العقول، وتتبين للناس الحدود والشرائع، ليقفوا عندها، ويكفوا أيديهم عما وراءها 74،

والمعنى أن هداية الدين: هي الهداية التي لا تخطئ، والمصدر الذي لا يضل، فقد يخطئ العقل، وتنجرف النفس مع اللذات والشهوات، حتى توردها موارد الهلاك، فيحتاج الإنسان إلى مقوم مرشد هادً لا يتأثر بالأهواء، فتسعفه هداية الدين لإرشاده إلى الطريق الأقوم، إما بعد الوقوع في الخطأ، أو قبله، وتظل هذه الهداية هي الحارس الأمين الذي يفيء إليها الإنسان للتزود بمفاتيح الخير، والتسلح بمغلاق الشر، فيأمن العثور، ويضمن النجاة، وتعرفه بحدود ما يجب 75.

من خلال ما تقدم يتضح أن هداية البيان والدلالة هي هداية الدين والشرائع، وتحتاج إلى العلم والإرشاد والبيان والدعوة، فالإنسان يحتاج إلى هداية الدين التي تفضل الله بها عليه، ووهبه إياها حتى يسلك طريق الخير، ويبتعد عن طريق الشر.

ثانيًا: هداية التوفيق والإلهام:

التوفيق: الفوز والفلاح في كل عمل صالح، وسعي حسن، وحصول ذلك يتوقف على كسب العامل، وطلبه من الطريق الموصل إليه، وتيسير الأسباب التي يسهل معها الحصول عليه، وذلك إنما يكون من الله وحده 76.

إن هداية التوفيق هي التي أمرنا الله عز وجل بطلبها في قوله سبحانه: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 17] .

وهي هداية تصحبها معونة للقدرة على طاعة الله، وامتثال أمره، والسير في طريق الخير، وترك الشر.

والمراد بطلب الهداية في الآية السابقة أن يدل الله سبحانه وتعالى عبده دلالة تصحبها من لدنه معونة غيبية تحفظه من الوقوع في الخطأ والضلال، وهذه الهداية خاصة بالله سبحانه وتعالى لم يمنحها أحدًا من خلقه 77.

فالهداية نوعان: هداية البيان، وهداية التوفيق، فالمتقون حصلت لهم الهدايتان، وغيرهم لم تحصل لهم هداية التوفيق، وهداية البيان بدون توفيق للعمل بها ليست هداية حقيقية تامة 78.

وهداية التوفيق والإلهام لا تكون إلا بعد هداية البيان والدلالة، ولا سبيل إلى البيان والدلالة إلا من جهة الرسل، فإذا حصل البيان والدلالة والتعريف ترتب عليه هداية التوفيق، وجعل الإيمان في القلب وتحبيبه إليه، وتزيينه في قلبه، وجعله مؤثرًا له، راضيًا به، راغبًا فيه 79.

وهي الهداية المستلزمة للاهتداء فلا يتخلف عنها، وهي المذكورة في قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [فاطر: 17] .

وفي قوله تعالى: {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} [النحل: 37] .

وفي قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56] .

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له) 80.

والمتأمل في قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56] .

يجد أن الله تعالى نفى عن النبي هداية التوفيق، وقال: إنك يا محمد لا تقدر على هداية من أحببت هدايته هداية توفيق، فليس ذلك إليك، إنما عليك البلاغ، والله هو الذي يستطيع هداية من يشاء هداية توفيق وشرح صدر، بأن يقذف نورًا في قلبه، أي: فيحيى به، كما قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [الأنعام: 122] 81.

والله سبحانه وتعالى أثبت للنبي هداية الدعوة والبيان في قوله عز وجل: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] .82.

ولا تناقض بين الآيتين؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقدر على أن يهدي أحدًا هداية توفيق، ولكنه يقدر على هداية الدعوة والبيان، والله سبحانه يهدي من يشاء بقدرته.

وقد منح الله سبحانه وتعالى للإنسان خمس هدايات يتوصل بها إلى سعادته، وهي 83:

1.هداية الإلهام الفطري: وتكون للطفل منذ ولادته، فهو يحس بالحاجة إلى الطعام والشراب، فيصرخ طالبًا له إن غفل عنه والداه.

2.هداية الحواس: وهي متممة للهداية الأولى، وهاتان الهدايتان يشترك فيهما الإنسان والحيوان، بل هما في البداية أكمل في الحيوان من الإنسان، إذ إلهام الحيوان يكمل بعد ولادته بقليل، ويكتمل في الإنسان تدريجيًّا.

3.هداية العقل: وهي أسمى من الهدايتين السابقتين، فالإنسان خلق مدنيًّا بالطبع ليعيش مع غيره، ولا يكفي الحس الظاهر للحياة الاجتماعية، فلا بد له من العقل الذي يوجهه إلى مسالك الحياة، ويعصمه من الخطأ والانحراف، ويصحح له أغلاط الحواس، والانزلاق في تيارات الهوى.

4.هداية الأديان والشرائع.

5.هداية المعونة والتوفيق للسير في طريق الخير والنجاة: وهي أخَصُّ من هداية الدين، وهذه الهداية خاصة به سبحانه وتعالى.

والملاحظ أن أنوع الهداية التي ذكرت لا تعدو نوعين فقط، فهداية الإلهام، والحواس، والعقل، والدين كلها هدايات تندرج تحت الهداية العامة، والهداية الخاصة هي هداية المعونة والتوفيق.

وقد جعل ابن القيم أنواع الهداية أربعة 84:

النوع الأول: أحدها الهداية العامة، وهذه هي الهداية الفطرية المشتركة بين الخلق.

النوع الثاني: هداية البيان والدلالة.

النوع الثالث: هداية التوفيق والإلهام.

النوع الرابع: غاية هذه الهداية، وهي الهداية إلى الجنة والنار إذا سيق أهلهما إليهما.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [يونس: 9] .

وقال الله تعالى على لسان أهل الجنة فيها: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف: 43] .

وقال تعالى عن أهل النار: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) } [الصافات: 23 - 22] .

وبالنظر إلى أنواع الهداية التي ذكرها ابن القيم يتبين أن النوع الأول منها هداية عامة فطرية، وأما النوع الثالث فإنه هداية خاصَّة، وتحتاج إلى التوفيق من الله عز وجل، ولا يكون ذلك إلا بالنوع الثاني، وهو هداية البيان والدلالة، وغاية الهدايات النوع الرابع؛ لأن المتقين هم الذين يوفقهم الله تعالى إلى دخول الجنة بعد دلالتهم وإرشادهم، والآيات السابقة تدل على هداية التوفيق لدخول الجنة.

ويدل على ذلك أيضًا ما جاء في صحيح مسلم: (أن أعرابيًا عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في سفر فأخذ بخطام ناقته، أو بزمامها، ثم قال: يا رسول الله، أو: يا محمد أخبرني بما يقربني من الجنة، وما يباعدني من النار، قال: فكف النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نظر في أصحابه، ثم قال: لقد وفق، أو لقد هدب، قال: كيف قلت؟ قال: فأعاد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم، دع الناقة) 85.

والشاهد من الرواية السابقة قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لقد وفق، أو لقد هدي) ، وفي ذلك دليل على هداية التوفيق من الله عز وجل؛ لدخول الجنة، والله أعلم.

والخلاصة: الهداية نوعان: هداية عامة: وهي الدلالة إلى مصالح العبد في معاده، وهذه تشمل هداية الإلهام، والحواس، والعقل، والدين، وهداية خاصة: وهي الإعانة والتوفيق للسير في طريق الخير والنجاة، وهذه تحتاج إلى البيان والدلالة 86.

إن القرآن الكريم كتاب هداية وإرشاد يوجه المؤمنين إلى الأسباب التي توصلهم إلى الطريق المستقيم الذي غايته التوفيق.

ومن تلك الأسباب:

أولًا: الاعتصام بالله تعالى:

لقد حثَّ القرآن الكريم المسلمين على الاعتصام بالله تعالى، ورغب في ذلك، وأن ذلك سبب في تحصيل الهداية، وجاء ذلك في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء: 175] .

أي: إن المؤمنين جمعوا بين مقامي العبادة والتوكل على الله في جميع أمورهم، وقيل: إن المعنى: أن الذين آمنوا بالله، واعتصموا بالقرآن سيرحمهم الله عز وجل، ويدخلهم الجنة، ويزيدهم ثوابًا ومضاعفةً ورفعًا في درجاتهم من فضله عليهم، وإحسانه إليهم، ويهديهم طريقًا واضحًا قصدًا قوامًا لا اعوجاج فيه، ولا انحراف، وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة، وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات 87.

والله سبحانه وتعالى جعل الهداية للذي يعتصم به جل وعلا، فقال: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101] .

والمعنى: أن من اعتصم بالله، وتوكل عليه، وتمسك بدينه، وبالقرآن الكريم فقد هدي، ووفق إلى الطريق القويم الذي يوصله إلى المراد.

قال ابن كثير: «أي: ومع هذا فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العمدة في الهداية، والعدة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد، وحصول المراد» 88.

وقد أمر الله بالاعتصام بالقرآن، والتمسك بالدين، وعدم الفرقة في قوله سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] .

والمتأمل في هذه الآية يجد أنها ختمت بقوله عز وجل: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} ، وهذا يعني أن الله تعالى يوضح آياته، ويفسرها، ويبينها، ويعطي الهداية لمن تمسك بتوحيد الله، واهتدى بهدي القرآن الكريم.

قال الشيخ السعدي: «إن الله تعالى يبين لكم الحق من الباطل، والهدى من الضلال لعلكم تهتدون بمعرفة الحق، والعمل به، وفي هذه الآية ما يدل على أن الله يحب من عباده أن يذكروا نعمته بقلوبهم وألسنتهم ليزدادوا شكرًا له ومحبة، وليزيدهم من فضله وإحسانه، وإن من أعظم ما يذكر من نعمه نعمة الهداية إلى الإسلام، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم واجتماع كلمة المسلمين وعدم تفرقها» 89.

وجاء هذا المعنى في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به) فحث على كتاب الله ورغب فيه 90.

يتبين مما سبق أن الاعتصام بالله والتمسك بالقرآن الكريم، وبهدي النبي صلى الله عليه وسلم طريق إلى الهداية، والله الموفق.

ثانيًا: تدبر القرآن، واتباعه:

إن التمسك بكتاب الله يكون بتلاوته، وتدبره، والعمل بما جاء فيه، والمتدبر لسورة البقرة يجد في أولها قول الله سبحانه وتعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] .

وبعد ذلك ذكر صفات المتقين الذين يتدبرون القرآن، ويعملون بما جاء فيه أنهم على هدى من ربهم، ومما يدل على أن القرآن الكريم سبب من أسباب الهداية قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9] .

قال الشنقيطي: «ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن هذا القرآن العظيم الذي هو أعظم الكتب السماوية، وأجمعها لجميع العلوم، وآخرها عهدًا برب العالمين جل وعلا يهدي للتي هي أقوم، أي: الطريقة التي هي أسدُّ، وأعدلُ، وأصوبُ، وقال الزجاج، والكلبي، والفراء: يهدي للحال التي هي أقوم الحالات، وهي توحيد الله، والإيمان برسله، وهذه الآية الكريمة أجمل الله جل وعلا فيها جميع ما في القرآن من الهدى إلى خير الطرق، وأعدلها، وأصوبها، فلو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم؛ لشمولها لجميع ما فيه من الهدى إلى خيري الدنيا والآخرة» 91.

ولا تكون الهداية إلى خيري الدنيا والآخرة بدون تدبر آيات الله سبحانه وتعالى، والعمل بما جاء فيها، وفي ذلك طرق الاستقامة، والسلامة، والنجاة؛ لأن القرآن الكريم كتاب الهدى والنور، ويهدي إلى الطريق القويم الذي لا اعوجاج فيه، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] .

وقد ورد ما يدل على تدبر آيات الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك قوله عز وجل: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت