فهرس الكتاب

الصفحة 930 من 2431

الحسد

أولًا: المعنى اللغوي:

إن الباحث في معاجم اللغة العربية يجد أن معنى الحسد يحمل مفهوم: كراهية الحاسد وجود النعمة عند غيره وتمني زوالها من المحسود، وأصل الحسد مستفاد من: الحسدل وهو: القراد، ومن القشر لأن الحسد يقشر القلب كما تقشر القراد الجلد فتمص دمه؛ ولذلك يقال: حسد الشجر إذا قشر لحاها، ومعلوم أن الشجرة إذا قشر عنها لحاؤها يبست، قال أبو تمام 1:

يعيش المرء ما استحيا بخيرٍ ويبقى العود ما بقي اللّحاءُ

والحسد مصدر فعله الماضي: حسد بفتح السين، ومضارعه: يحسد - يحسد، بكسر السين وضمها، ويأتي المصدر على حسود، وحسّده: إذا تمنى أن تتحول إليه نعمته وفضيلته أوتسلب منه، ويقال: تحاسد القوم، وقومٌ حسّدٌ وحسدةٌ، ورجل حاسد من قوم حسّد، وهو من طبعه الحسد ذكرًا كان أو أنثى.

وقد يأتي الحسد بمعنى العقوبة كما هو عند العرب من قولهم: «حسدني الله إذا كنت أحسدك» أي: عاقبني الله على حسدي إياك، وأما الحسد على الشجاعة ونحو ذلك فهو: الغبطة وفيه معنى التعجب، وليس فيه تمني زوال ذلك عن المحسود، فإن تمناه فهو الحسد، وهو المنهي عنه شرعًا 2.

مما سبق نستخلص أن تعريف الحسد في اللغة: تمني زوال نعمة مّا من يد صاحبها، على أن تتحول إلى الحاسد وتنتقل إليه.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

إن معنى الحسد في الاصطلاح لايبعد عن معناه في اللغة، فقد قال الفيروزآبادي: «تمني زوال نعمة المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها، أو تمني عدم حصول النعمة للغير» 3.

وقال الكفوي: «اختلاف القلب على الناس؛ لكثرة الأموال والأملاك» 4.

وقال صاحب التحرير والتنوير: «إحساس نفساني مركب من استحسان نعمة في الغير، مع تمني زوالها عنه؛ لأجل غيرة على اختصاص الغير بتلك الحالة، أو على مشاركته الحاسد» 5.

وقال النووي: «الحسد: تمني زوال النعمة عن صاحبها، سواء كانت نعمة دين أو دنيا» 6.

وقال الشوكاني: «الحسد: تمني زوال النعمة التي أنعم الله بها على المحسود، (إذا حسد) إذا أظهر ما في نفسه من الحسد، وعمل بمقتضاه، وحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود» 7.

وقال ابن تيمية رحمه الله: «والتحقيق أن الحسد هو: البغض والكراهة؛ لما يراه من حسن حال المحسود» 8.

وبذلك لا يخرج المعنى اللغوي عن المعنى الاصطلاحي، فمن رأى شيئًا ربما استحسنه، ومن استحسن ربما تمنى لنفسه، ومن تمنى ربما حسد، لكن المعنى الاصطلاحي زاد في بعض المحترزات والتقييدات منها: أن مبعث الحسد هو شدة الأسى على الخير لدى المرء، ودافعه الكراهية المؤدي إلى تمني زوال النعمة عن المنعم عليه، وأن تكون هذه النعمة له دون المنعم عليه 9.

والحاسد تشتد محبته لإزالة نعمة الغير إليه، ولا يكاد يكون كذلك إلا ولو تمكن من ذلك بالحيل لفعل؛ فلذلك أمر الله بالتعوذ منه 10.

وردت مادة (حسد) في القرآن (5) مرات 11.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 1 ... {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) } [الفلق:5]

الفعل المضارع ... 2 ... {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء:54]

المصدر ... 1 ... {لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة:109]

اسم الفاعل ... 1 ... {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) } [الفلق:5]

وجاء الحسد في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: تمنّي زوال نعمة المحسود 12.

المنافسة:

المنافسة لغة:

مأخوذة من الفعل «نافس» يقال: نافس في الشّيء منافسةً، إذا رغب فيه على وجه المباراة في الكرم، وتنافسوا فيه، أي: رغبوا 13، أو مشتقة من النّفاسة، يقال: شيءٌ نفيسٌ، أي: ذو نفاسةٍ وخطر يتنافس به، والتّنافس: أن يبرز كلّ واحدٍ من المتبارزين قوّة نفسه 14.

المنافسة اصطلاحًا:

تعني: «مجاهدة النفس للتشبه بالأفاضل واللحوق بهم، من غير إدخال ضرر على غيره» {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26] 15.

الصلة بين المنافسة والحسد:

«قد تسمى المنافسة حسدًا والحسد منافسة، ويوضع أحد اللفظين موضع الآخر، ولا حجر في الأسامي بعد فهم المعاني، وهذا يدل على أن المنافسة قد تجر إلى الحسد إن لم ينتبه المنافس ويتق الله؛ إذ إن المنافسة في المباحات تنقص من الفضائل، وتناقض الزهد، والرضا، والتوكل» 16.

الإيثار:

الإيثار لغة:

تقديم الشيء.

قال ابن فارس رحمة الله تعالى: «الهمزة والثاء والراء، له ثلاثة أصول: تقديم الشيء، وذكر الشيء، ورسم الشيء الباقي» 17، والمعنى الأول هو الذي يعنينا هنا.

الإيثار اصطلاحًا:

تفضيل المرء غيره على نفسه.

قال القرطبي رحمه الله تعالى: «الإيثار: تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية؛ رغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة» 18.

وأضاف الجرجاني رحمه الله تعالى معنىً لطيفًا فقال: «الإيثار: أن يقدم غيره على نفسه في النفع له والدفع عنه، وهو النهاية في الأخوة» 19.

الصلة بين الإيثار والحسد:

المؤثر متصف بخلق أهل الجود والكرم، والحاسد متصف بخلق أهل البخل؛ لتمنيه منع النعمة عن الغير.

الغبطة:

الغبطة لغة:

أن يتمنى المرء مثل ما للمغبوط من النعمة من غير أن يتمنى زوالها عنه 20.

الغبطة اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي.

الصلة بين الحسد والغبطة:

قال ابن منظور: «الغبط: أن يرى المغبوط في حال حسنة، فيتمنى لنفسه مثل تلك الحال الحسنة، من غير أن يتمنى زوالها عنه، وإذا سأل الله مثلها فقد انتهى إلى ما أمره به ورضيه له، وأما الحسد فهو أن يشتهي أن يكون له ما للمحسود، وأن يزول عنه ما هو فيه» 21.

وقال الرازي: «إذا أنعم الله على أخيك بنعمة، فإن أردت زوالها؛ فهذا هو الحسد، وإن اشتهيت لنفسك مثلها؛ فهذا هو الغبطة» 22.

وقد تسمى الغبطة حسدًا، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها) 23. وقد فسّر النووي الحسد في الحديث فقال: «هو أن يتمنى مثل النعمة التي على غيره من غير زوالها عن صاحبها» 24.

تعددت مجالات الحسد التي تحدث عنها القرآن، وهي كما يأتي:

أولًا: الحسد في الدين:

كما أن الحسد يكون في متاع الحياة الدنيا، فإنه قد يكون في الدين من النبوة، والرسالة، والصلاح، والتوفيق، وهذا ظاهر في حسد المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم، على مقام الرسالة {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 31 - 32] .

وقال أيضًا: {أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: 8] .

فقد نظر المشركون إلى النبي صلى الله عليه وسلم نظر حسد على هذه المنزلة التي حباه الله تعالى بها من اختياره رسولًا ونبيًّا قائلين: لماذا أنزل الله هذا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم؟ ولم ينزله على رجل عظيم من القريتين، مكة أو الطائف؟ 25.

فهل هم الذين يقسمون رحمة ربك بين خلقه، فيجعلون كرامته لمن شاءوا وفضله لمن أرادوا، أم الله هو الذي يقسم ذلك فيعطيه لمن يحب؟ وهذا تبكيت من الله تعالى لهؤلاء القوم الذين اعترضوا على قسمة الله وفضله حسدًا وبغيًا من عند أنفسهم. كما أن في ذلك نفيًا للشبهة المتعلقة بالنبوات، وهي قولهم: إن محمدًا لما كان مساويًا لغيره في الذات، والصفات والخلقة الظاهرة، والأخلاق الباطنة، فكيف يعقل أن يختص بهذه الدرجة العالية، والمنزلة الشريفة؛ إذ أنهم ظنوا أن الشرف لا يحصل إلا بالمال والأعوان، وذلك باطل 26.

ومراد قولهم: {أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا} إنكار كونه ذكرًا منزلًا من عند الله تعالى، وهذا دليل على أن مناط تكذيبهم ليس إلا الحسد، وقصر النظر على الحطام الدنيوي 27.

ثانيًا: الحسد في نعم الدنيا:

يقع الحسد في أمور الحياة الدنيا سواء أكانت مالًا، أم جاهًا، أم منصبًا، أم جمالًا، أم غير ذلك من الجوانب، ويكثر هذا بين الأقران في العلم وغيره من الصناعات والتجارات، ولا يختص به العامة، بل يتعداهم إلى أهل العلم الشرعي، الذين يبتغون به عرض الدنيا، ثم إن بعض أهل الدين والتقوى قد يقع فيه، ذلك أنه من جملة الذنوب التي لا يسلم منها إلا المعصومون، وهم الأنبياء.

قال تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء: 32] .

«ينهى تعالى المؤمنين عن أن يتمنى بعضهم ما فضّل الله به غيره من الأمور الممكنة وغير الممكنة. فلا تتمنى النساء خصائص الرجال التي بها فضّلهم على النساء، ولا صاحب الفقر والنقص حالة الغنى والكمال تمنيًا مجردًا؛ لأن هذا هو الحسد بعينه، تمني نعمة الله على غيرك أن تكون لك ويسلب إياها. ولأنه يقتضي السخط على قدر الله، والإخلاد إلى الكسل، والأماني الباطلة التي لا يقترن بها عمل ولا كسب. وإنما المحمود أمران: أن يسعى العبد على حسب قدرته بما ينفعه من مصالحه الدينية والدنيوية، ويسأل الله تعالى من فضله، فلا يتكل على نفسه ولا على غير ربه» 28.

«والنص عام في النهي عن تمني ما فضّل الله بعض المؤمنين على بعض .. من أي أنواع التفضيل، في الوظيفة والمكانة، وفي الاستعدادات والمواهب، وفي المال والمتاع .. وفي كل ما تتفاوت فيه الأنصبة في هذه الحياة ..

والتوجه بالطلب إلى الله، وسؤاله من فضله مباشرة بدلًا من إضاعة النفس حسرات في التطلع إلى التفاوت وبدلًا من المشاعر المصاحبة لهذا التطلع من حسد وحقد ومن حنق كذلك ونقمة، أو من شعور بالضياع والحرمان، والتهاوي والتهافت أمام هذا الشعور .. وما قد ينشأ عن هذا كله من سوء ظن بالله وسوء ظن بعدالة التوزيع .. حيث تكون القاصمة، التي تذهب بطمأنينة النفس، وتورث القلق والنكد، وتستهلك الطاقة في وجدانات خبيثة، وفي اتجاهات كذلك خبيثة. بينما التوجه مباشرة إلى فضل الله، هو ابتداء التوجه إلى مصدر الإنعام والعطاء، الذي لا ينقص ما عنده بما أعطى، ولا يضيق بالسائلين المتزاحمين على الأبواب! وهو بعد ذلك موئل الطمأنينة والرجاء ومبعث الإيجابية في تلمس الأسباب، بدل بذل الجهد في التحرق والغيظ أو التهاوي والانحلال! النص عام في هذا التوجيه العام» 29.

يقول الإمام الغزالي: «يكثر الحسد بين المتحاسدين من الناس الذين يجمعهم زخرف الدنيا والغرور بها، وتجمعهم روابط يجتمعون بسببها في مجالس المخاطبات ويتواردون على الأغراض، فإذا خالف واحد منهم صاحبه في غرض من الأغراض، نفر طبعه عنه، وأبغضه، وثبت الحقد في قلبه، فعند ذلك يريد أن يستحقره، ويتكبر عليه، ويكافئه على مخالفته لغرضه، ويكره تمكنه من النعمة التي توصله إلى أغراضه.

وتترادف جملة من الأسباب؛ إذ لا رابطة في بلدتين متنائيتين، فلا يكون محاسدة بينهما، أما إذا تجاورا في مسكن أو سوق، أو مدرسة، أو مسجد وتواردا على مقاصد تتناقض فيها أغراضهما، فيثور من التناقض والتنافر والتباغض ما يؤدي إلى الحسد؛ لذلك ترى العالم يحسد العالم دون العابد، والعابد يحسد العابد دون العالم، والتاجر يحسد التاجر، والشجاع يحسد الشجاع ولا يحسد العالم، وحسد الواعظ للواعظ أكثر من حسده للفقيه والطبيب؛ لأن التزاحم بينهما على مقصود واحد أخص، فأصل هذه المحاسدات العداوة، وأصل العداوة التزاحم بينهما على غرض، والغرض الواحد لا يجمع متباعدين بل متناسبين؛ لذلك يكثر الحسد بينهما، نعم فمن اشتد حرصه على الجاه، وأحب الصيت في جميع أطراف العالم بما هو فيه، فإنه يحسد كل من هو في العالم ومنشأ ذلك كله حب الدنيا؛ فإن الدنيا تضيق على المتزاحمين» 30.

والحسد قد يقع بين المتحاسدين، ولو كانا متباعدين إذا علم أحدهما حال الآخر وذكر أمامه، أو وصف حاله أمامه، وقد يقع الحسد على غرض بين متباعدين أو متقاربين، ولو لم يكن الغرض من اختصاص الاثنين، بل من اختصاص أحدهما، لكن في الغالب لا يقع إلا بين متقاربين أو متنافسين أو متماثلين.

للحسد أسباب متعددة يتعلق بعضها بالحاسد، وبعضها يتعلق بالمحسود، وفيما يأتي بيان بعضها:

أولًا: الأسباب المتعلقة بالحاسد:

1.العدواة والبغضاء.

وهو أشد أسباب الحسد، فإن من آذاه شخص بسبب من الأسباب وخالفه في غرض بوجه من الوجوه، أبغضه قلبه، ورسخ في نفسه الحقد، والحقد يقتضي التشفي والانتقام، فإن عجز المبغض عن أن يتشفى بنفسه، أحب أن يتشفى منه الزمان ... فالحسد يلزم البغض والعداوة ولا يفارقهما، وإنما غاية التقى أن لا يبغي، وأن يكره ذلك من نفسه 31.

فهي مفضية للحسد، ومنها تكون الأحقاد، وذلك مذكور في القرآن الكريم، فهؤلاء أهل مكة يحكي القرآن عنهم {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 199] .

فمسيس الحسنة يسؤهم، ونزول البلاء بالمسلمين يسعدهم {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120] .

2.التعزز والتكبر.

وهو أن يثقل عليه أن يترفّع عليه غيره، وهكذا كان حسد أكثر الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قالوا: كيف يتقدم علينا غلام يتيم، وكيف نطأطئ رؤوسنا؟ فقالوا: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] .

أي: كان لا يثقل علينا أن نتواضع له ونتبعه إذا كان عظيمًا، وقال يصف قول قريش: {أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} [الأنعام: 53] .

إن الله تعالى بيّن في هذه الآية أن كل واحد مبتلى بصاحبه، فأولئك الكفار الرؤساء الأغنياء كانوا يحسدون فقراء الصحابة على كونهم سابقين في الإسلام، مسارعين إلى قبوله، فقالوا: لو دخلنا في الإسلام لوجب علينا أن ننقاد لهؤلاء الفقراء المساكين، وأن نعترف لهم بالتبعية فكان ذلك يشق عليهم 32.

وهذا الحسد هو الذي دعاهم إلى الطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرد فقراء الصحابة ليجلسوا معه فكان الرد الإلهي: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 52 - 53] .

3.خبث النفس وشحّها بالخير لعباد الله تعالى.

«فإنك تجد من لا يتشغل برياسة ولا تكبر ولا طلب مال، إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله تعالى فيما أنعم الله به عليه يشق ذلك عليه، وإذا وصف له اضطراب أمور الناس وإدبارهم، وفوات مقاصدهم، وتنغص عيشهم فرح به، فهو أبدًا يحب الإدبار لغيره، ويبخل بنعمة الله على عباده، كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وخزائنه، وهذا ليس له سبب ظاهر إلا خبث في النفس، ورذالة في الطبع» 33.

ويدل على ذلك قوله تعالى: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} [آل عمران: 120] .

4.عدم رضى الحاسد، وكذا النظر إلى النعم عند غيره.

وهذا مخالف لقول المصطفى وأمره بألا ينظر أحدنا إلى من زاد عليه في نعمة من مال أو غيره، ولكن لينظر إلى من هو أقل منه ليعلم نعمة الله عليه، وإذا اشتاقت أو امتدت عينه إلى ما عند غيره من نعم فلربما جرّه ذلك إلى الاعتراض على قضاء الله عز وجل الذي فضّل بعض الناس على بعض في الرزق.

يقول سبحانه: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [النحل: 71] .

فلا حرج على فضل الله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ثم إن ذلك يمثّل اعتراضًا على الله عز وجل فلابد لنا من رضا بما قسم الله لنا، ولا تزال نار الحقد تؤججها هذه الرغبة الجامحة في إزالة النعمة من عند الله حتى تصل بصاحبها إلى أن يحسد المنعم عليه، فيقتل نفسه وربما غيره بحسده، وهل يعلم الحاسد المعترض على قضاء الله أن الحسد لا يجتمع مع الإيمان في قلب مؤمن، فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجتمعان في قلب عبد: الإيمان، والحسد) 34.

5.بسط الدنيا وتنافسها.

إذا فتحت الدنيا وبسطت على الناس، جعلتهم يتصارعون تصارع الثيران على ما فيها، مستخدمين في ذلك كل ما أوتوا من قوة ومن وسائل، وصدق ربنا إذ يقول: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى: 27] .

ثانيًا: الأسباب المتعلقة بالمحسود:

إن من أسباب الحسد أمورًا تتعلق بالمحسود سواء أكانت جمالًا، أم مالًا، أم جاهًا، أم سلطة أم غيرها، وفيما يأتي بيان بعض هذه الأسباب:

1.الحسن والجمال.

وفي القرآن نماذج لذلك، منها:

-خبر يوسف عليه الصلاة والسلام مع النسوة.

يعد الحسن والجمال من الأمور التي يحسد عليها صاحبها، وهذا ظاهر في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام الذي أوتي شطر الحسن كما بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج: (ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف صلى الله عليه وسلم، إذا هو قد أعطي شطر الحسن) 35.

وقد قص الله سبحانه علينا خبر النسوة مع يوسف عليه السلام فقال: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ?) [يوسف: 30 - 31] .

إن خبر حب يوسف عليه الصلاة والسلام وتغلغله في قلب امرأة العزيز حتى وصل شغاف قلبها وأحاط به إحاطة السوار بالمعصم، قد انتشر في المدينة 36.

فما كان من النسوة إلا أن دبّرن مكيدة ليفزن برؤية هذا الغلام الذي أخذ بلبّ امرأة العزيز وقلبها.

فهؤلاء النسوة فعلن ما فعلن من كيد ومكر وكشف الأسرار غيرة وحسدًا منهن لامرأة العزيز؛ لاستئثارها به دونهن لما سمعن من حسنه وجماله، وكل واحدة منهن تتمنى أن تفوز به ظنًّا منهن أنه صيد سهل كباقي البشر.

-خبر يعقوب عليه الصلاة والسلام مع بنيه في دخولهم مصر.

«اعلم أن أبناء يعقوب لما عزموا على الخروج إلى مصر، وكانوا موصوفين بالكمال، والجمال، وأبناء رجل واحد قال لهم: {وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ} [يوسف: 67] .

وفيه إثبات أن العين حق» 37.

وهكذا يتبين أن الحسن والجمال، والبنية القوية قد تكون من الأسباب التي هي مطية للحاسد والعائن؛ كي يبث سمومه، ويقضي حاجته ومآربه من الحسد والإصابة بالعين.

2.الحسد على المال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت