وقال ابن سعدي: «يأمر تعالى بالإخلاص له في جميع الأحوال وإقامة دينه فقال: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ) أي: انصبه ووجهه إلى الدين الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان بأن تتوجه بقلبك وقصدك وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة. وشرائعه الباطنة كالمحبة والخوف والرجاء والإنابة وهذا الأمر الذي أمرناك به هو (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) ووضع في عقولهم حسنها واستقباح غيرها، فإن جميع أحكام الشرع الظاهرة والباطنة قد وضع الله في قلوب الخلق كلهم، الميل إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق وإيثار الحق وهذا حقيقة الفطرة، ومن خرج عن هذا الأصل فلعارض عرض لفطرته أفسدها» 61.
ومما يدل على دلالة الفطرة أيضًا: قوله صلى الله عليه وسلم للجارية: (أين الله؟) قالت: في السماء. قال: (من أنا؟) قالت: رسول الله. قال: (أعتقها فإنها مؤمنة) 62.
«ولقد أودع الله في الفطر التي لم تتنجس بالتعطيل والجحود أنه سبحانه الكامل في أسمائه وصفاته وأنه الموصوف بكل كمال المنزه عن كل عيب ونقص» 63.
وهذا هو الشاهد من دلالة الفطرة على إثبات صفات الله عز وجل، فإن الفطرة السليمة تثبت إلهًا كاملًا لا نقص فيه بوجه من الوجوه، ولا يكون كاملًا إلا إذا اتصف بكل صفة كمال وتنزه عن كل صفة نقص، وكل صاحب فطرة قويمة يقر من داخله أن إثبات الصفات كمال، ونفيها نقص، فالذي ليس له صفات إما معدوم وإما ناقص، والله منزه عن ذلك وهذه المعرفة لا يترتب عليها كفر ولا إيمان ولا تتفاوت في ذاتها فهي معرفة عامة ولا يترتب عليها ثواب وعقاب ولكنها نافعة فيها لو تركت بدون معارضة خارجية لأنها تقود إلى الإيمان كذا لو تبعها نظر شرعي في ملكوت الله واتباع لشرع الله تعالى فإنها بذلك تكون وسيلة للهداية.
وقد روى البيهقي عن الإمام الشافعي أنه قال: «فأما فرض الله تعالى على القلب: فالإقرار والمعرفة، والعقد والرضا والتسليم بأن الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له» 64.
وقال أبو بكر الخلال: «أخبرني عبدالملك بن عبد الحميد قال: قال ـ أي أحمد ـ: والذي نقول: كل مولود يولد على الفطرة الأولى التي فطر الله الناس عليها. قلت: فما الفطرة الأولى: هي الدين؟ قال: نعم» 65.
وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة وألقى عليهم من نوره فمن أصاب من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول: جف القلم عن علم الله تعالى) 66.
فالفطرة تبع للوحي في دلالتها على الصفات، وليست دليلًا مستقلًا عنه.
ثانيًا: الأدلة النقلية (الكتاب والسنة) :
فقد دلت الأدلة القرآنية والحديثية الكثيرة على إثبات صفات الله عز وجل، فالوحي: «هو الطريق الوحيد المأمون العاقبة، الموصل للحقيقة، المعرف بالله عز وجل فيما يتعلق بوجوده وربوبيته وبألوهيته وبأسمائه وصفاته وأفعاله، إذ هو كلام الله عن نفسه وكلام أنبيائه الذين هم أعرف الخلق به، فهو الأسلم والأحكم والأبين والأفضل. فاتباع الوحي: قرآن وسنة، هو اتباع الصراط المستقيم، وبغير طريق الوحي لا تكون معرفة الله صحيحة صافية تبعث الإيمان في القلب وتشيد أركانه لأن معرفة أسماء الله وصفاته من أعظم الغيبيات التي أمرنا بالإيمان بها ولا أحد أعلم بالله من الله ولا أحد أعلم به سبحانه من خلقه كرسوله صلى الله عليه وسلم» 67.
و قد قال الحافظ ابن كثير في رسالته في العقائد: «فإذا نطق الكتاب العزيز ووردت الأخبار الصحيحة بإثبات السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة والعظمة والمشيئة والإرادة والقول والكلام و الرضى والسخط والحب والبغض والفرح والضحك: وجب اعتقاد حقيقته، من غير تشبيه بشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، والانتهاء إلى ما قاله الله سبحانه وتعالى ورسوله من غير إضافة ولا زيادة عليه، ولا تكييف له، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، وإزالة لفظه عما تعرفه العرب وتصرفه عليه، والإمساك عما سوى ذلك» 68.
ومن الأدلة الواردة في السور القرآنية: سورة الفاتحة والإخلاص والفلق والناس إلخ، وهذا أمر متواتر يعرفه العالم والمتعلم، وقد اتخذت دلالة لقرآن الكريم في تقرير هذا المعنى في هذا الباب جميع أنواع الدلالات وهي دلالة المطابقة والتضمن والالتزام.
ثالثًا: الأدلة العقلية:
الله سبحانه قد زود العباد بنوافذ المعرفة من الحواس المختلفة، لينظروا في آياته المبثوثة في كل جزء من صنعته التي هي أدلة متنوعة عليه ومناسبة لكل مستويات الإفهام والحفظ من الفهم والتعقل والإدراك وصاحب العقل الصحيح يفكر في الكون حوله فيعرف أن كل موجود لا بد له من خالق أوجده، وهذا الخالق لا بد أن يكون عظيمًا قويًا عالمًا حكيمًا، وينظر ويفكر في النفس البشرية وما أودع الله فيها من الأسرار وما حوته من بدائع الخلق في أجهزتها المختلفة فيستدل بها على الخالق الباريء المصور وعلى بعض صفاته سبحانه وتعالى.
ويفكر ويتأمل في نعم الله المتوالية على الأكوان التي لا يستطيع أحد إحصاءها إلا ربها وخالقها، فيستدل بها على المنعم المعطي الرزاق.
ويدله كل جمال وكمال لا نقص فيه، منحه الله عز وجل لمخلوقاته، على أن موجده ومانحه سبحانه وتعالى أولى به، فيثبت له الجمال المطلق والكمال المطلق وينزهه عن كل نقص وعيب وهذا هو ما يسمى بقياس الأولى، وهو القياس العقلي الصحيح الذي يستخدم للوصول لمعرفة أسماء الله وصفاته، إذ هو قياس عقلي قرآني. ومن ذلك قوله تعالى: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ?17?ے) [الغاشية:17] .
قال ابن عادل: «لما ذكر الله تعالى أمر الدارين تعجب الكفار من ذلك، فكذبوا وأنكروا، فذكرهم الله صنعته، وقدرته، وأنه تعالى قادر على كل شيء، كما خلق الحيوانات والسماء والأرض، وذكر الإبل أولًا؛ لأنها كثيرة في بلاد العرب، ولم يروا الفيلة، فنبههم تعالى على عظيم من خلقه، قد ذلله للصغير من خلقه يقوده وينيخه وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الأحمال، وهو بارك، فينهض بثقيل حمله، وليس ذلك في شيء من الحيوان غيره، فأراهم عظيمًا من خلقه، يدلهم بذلك على توحيده، وعظيم قدرته تعالى» 69.
وقال تعالى: (قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَى? ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا(42) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى? عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ? وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَ?كِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ? إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [الإسراء:42 - 44] .
«ومن أعظم ما صرف فيه الآيات والأدلة: التوحيد الذي هو أصل الأصول، فأمر به ونهى عن ضده وأقام عليه من الحجج العقلية والنقلية شيئا كثيرًا بحيث من أصغى إلى بعضها لا تدع في قلبه شكًا ولا ريبًا.
ومن الأدلة على ذلك هذا الدليل العقلي الذي ذكره هنا فقال: (قُل) للمشركين الذين يجعلون مع الله إلها آخر: (لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ) أي: على موجب زعمهم وافترائهم (إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَى? ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا) أي: لاتخذوا سبيلًا إلى الله بعبادته والإنابة إليه والتقرب وابتغاء الوسيلة، فكيف يجعل العبد الفقير الذي يرى شدة افتقاره لعبودية ربه إلهًا مع الله؟! هل هذا إلا من أظلم الظلم وأسفه السفه؟!
ويحتمل أن المعنى في قوله: (( قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَى? ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا) أي: لطلبوا السبيل وسعوا في مغالبة الله تعالى، فإما أن يعلوا عليه فيكون من علا وقهر هو الرب الإله، أما وقد علموا أنهم يقرون أن آلهتهم التي يعبدون من دون الله مقهورة مغلوبة ليس لها من الأمر شيء فلم اتخذوها وهي بهذه الحال؟!
(سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى?) أي: تقدس وتنزه وعلت أوصافه (عَمَّا يَقُولُون) من الشرك به واتخاذ الأنداد معه (عُلُوًّا كَبِيرًا) فعلا قدره وعظم وجلت كبرياؤه التي لا تقادر أن يكون معه آلهة فقد ضل من قال ذلك ضلالًا مبينًا وظلم ظلمًا كبيرًا» 70.
فهذا هو مجال العقل في الدلالة على إثبات الصفات فهو يعمل تفكيره في المخلوقات وآثارها لكي يستدل على وجود خالقها الذي لاشك أنه متصف بكل صفات الكمال المطلق المنزه عن كل صفات النقص، وهذا هي المعرفة العامة الإجمالية.
أما الإدراك التفصيلي المتعلق بكنه حقيقة الربوبية وعظمة الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات وكيفية ذلك فإنه لايستطيعها مهما فكر وتدبر قال تعالى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) [طه:110] .
«وقوله (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) يقول تعالى ذكره: ولا يحيط خلقه به علما. ومعنى الكلام: أنه محيط بعباده علمًا، ولا يحيط عباده به علمًا» 71، «فنفى الإحاطة مع ثبوت العلم» 72.
«ومعلوم أن العقل لا مدخل له في باب صفات الله تعالى؛ لأنها فوق مستويات العقول ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ولا يحيطون به علمًا سبحانه وتعالى» 73.
أي: على جهة التفصيل المستقل عن الوحي.
وقد حذر السلف الصالح رحمهم الله ومنهم الإمام الطحاوي من عاقبة إعمال العقل فيما هو ليس من اختصاصه فقال: «من رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقتنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة وصحيح الإيمان» 74.
وهكذا فلا يمكن أن يكون العقل وحده طريقًا لمعرفة أسماء الله وصفاته بل ينبغي أن يكون خلف الوحي مسلمًا له، كما لم تكن الفطرة وحدها طريقًا لذلك، وإن كان يدلان على الواحد الأحد وعلى أن له الكمال المطلق من جهة عامة.
وقال ابن أبي العز الحنفي: «ومن المحال أن تستقل العقول بمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل، فاقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل معرفين وإليه داعين، ولمن أجابهم مبشرين ولمن خالفهم منذرين وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، إذ على هذه المعرفة تبنى مطالب الرسالة كلها من أولها إلى آخرها» 75.
وتأمل قوله: «ومن المحال أن تستقل العقول بمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل» .
ولا إشكال في معرفة ذلك على الإجمال وهذا واضح في كلام علمائنا رحمهم الله.
وقال الشاطبي: «إن الله جعل للعقول في إدراكها حدًا تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبيلًا إلى الإدراك في كل مطلوب، ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري تعالى في إدراك جميع ما كان وما يكون وما لا يكون» 76.
وهذا يبين حدود العقل في المعرفة العامة للصفات وهو متاح للعقل أن يتحرى فيه، وغير متاح له في غير ذلك على جهة التفصيل.
«والعقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال» 77.
والخلاصة: أن الأدلة العقلية السليمة والقويمة تدل دلالة واضحة على إثبات الصفات لله تبارك وتعالى على وجه الكمال وذلك بالنظر والتفكر في المخلوقات وآثارها فيدرك أن الله هو العليم الحكيم الخالق وأن من صفاته العلم والحكمة والخلق .. إلخ.
وأما على جهة التفصيل فإن ذلك مختص بالوحي فقط لأن الأسماء والصفات توقيفية، والعقل الصحيح الصريح في هذه الحالة يكون تابعًا للوحي ومؤيدًا له.
«فهذا القرآن عمدته ومقصوده الإخبار عن صفات الرب سبحانه وتعالى وأسمائه وأفعاله وأنواع حمده والثناء عليه والإنباء عن عظمته وعزته وحكمته وأنواع صنعته والتقدم إلى عباده بأمره ونهيه» 78.
ومن الأساليب البارزة عند تأمل طريقة القرآن في التعريف بالله وأسمائه وصفاته على سبيل الإجمال ما يلي:
ومما تحدث عنه القرآن من أسماء الله وصفاته: اسم الله الدال على ألوهيته سبحانه وتعالى، والدال على جميع أسمائه وصفاته فقال عز وجل: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ?ٹ) [الرعد:2] .
كما تحدث عن كمال حياته وقيامه على كل شيء فقال تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ? لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ? لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) [البقرة:255] .
وتحدث عن وحدانيته وكماله كما في قوله تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ ? لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى?) [طه:8] .
وقال ابن القيم: «هذا القرآن من أوله لآخره إنما يدعو الناس إلى النظر في صفات الله وأسمائه وأفعاله» 79.
ومراده رحمه الله بذلك دلالة المطابقة والالتزام والتضمن.
وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى? إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ? وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ?29?) [البقرة:29] .
قال ابن سعدي: «أي: لما خلق تعالى الأرض، قصد إلى خلق السماوات (فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) فخلقها وأحكمها، وأتقنها، (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) وكثيرًا ما يقرن بين خلقه للخلق وإثبات علمه كما في هذه الآية» 80.
وقال أبو جعفر في تفسير قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ?) [البقرة:105] :
والله يختص من يشاء بنبوته ورسالته فيرسله إلى من يشاء من خلقه، فيتفضل بالإيمان على من أحب فيهديه له، واختصاصه إياهم بها إفرادهم بها دون غيرهم من خلقه، وإنما جعل الله رسالته إلى من أرسل إليه من خلقه وهدايته من هدى من عباده رحمة منه له ليصيره بها إلى رضاه ومحبته وفوزه بها بالجنة واستحقاقه بها ثناءه، وكل ذلك رحمة من الله له، (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [البقرة:105] .
خبر من الله عن أن كل خير ناله عباده في دينهم فإنه من عنده ابتداءً وتفضلًا منه عليهم غير استحقاق منهم ذلك عليه» 81.
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ?21?الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ? فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ?22?) [البقرة:21 - 22] .
قال البغوي رحمه الله تعالى: «قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) قال ابن عباس رضي الله عنهما: يا أيها الناس خطاب أهل مكة، و يا أيها الذين آمنوا خطاب أهل المدينة وهو هاهنا عام إلا من حيث إنه لا يدخله الصغار والمجانينالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًاھ) أي بساطًا وقيل: منامًا، وقيل: وطاء، أي: ذللها ولم يجعلها حزنة لا يمكن القرار عليها، والجعل هاهنا بمعنى الخلق (وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) وسقفًا مرفوعًا. (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) المطر (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ) ألوان الثمرات وأنواع النبات (رِزْقًا لَكُمْ ?) طعاما لكم وعلفا لدوابكم (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا) أي أمثالا تعبدونهم كعبادة الله.
قال أبو عبيدة: الند الضد، وهو من الأضداد، والله تعالى بريء من المثل والضد. (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أنه واحد خالق هذه الأشياء» 82.
وقال تعالى: (وَإِلَ?هُكُمْ إِلَ?هٌ وَاحِدٌ ? لَّا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَ?نُ الرَّحِيمُ) [البقرة:163] .
«ففي هذه الآية إثبات وحدانية الباري وإلهيته، وتقريرها بنفيها عن غيره من المخلوقين، وبيان أصل الدليل على ذلك وهو إثبات رحمته التي من آثارها وجود جميع النعم، واندفاع جميع النقم، فهذا دليل إجمالي على وحدانيته تعالى» 83.
بل تجد حديث القرآن عن بعض الصفات حديثًا مفصلًا وعلى سبيل المثال: صفة الاستواء حيث إنه جل وعلا وصف نفسه بالاستواء على العرش، ووصف غيره بالاستواء على بعض المخلوقات، فتمدح جل وعلا في سبع آيات من كتابه باستوائه على عرشه، ولم يذكر صفة الاستواء إلا مقرونة بغيرها من صفات الكمال والجلال، القاضية بعظمته وجلاله جل وعلا، وأنه الرب وحده، المستحق لأن يعبد وحده، وبحسب ترتيب المصحف الكريم إليك هذه المواضع:
الموضع الأول: في سورة الأعراف قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى? عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف:54] .
الموضع الثاني: قوله تعالى في سورة يونس: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى? عَلَى الْعَرْشِ) [يونس:3] .
الموضع الثالث: قوله تعالى في سورة الرعد: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ? ثُمَّ اسْتَوَى? عَلَى الْعَرْشِ ?) [الرعد:2] .
الموضع الرابع: قوله تعالى في سورة طه: (الرَّحْمَ?نُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى?ڑ) [طه:5]
الموضع الخامس: قوله تعالى في سورة الفرقان: (ثُمَّ اسْتَوَى? عَلَى الْعَرْشِ) الرَّحْمَ?نُ [الفرقان:59] .
الموضع السادس: قوله تعالى في سورة السجدة: (للَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى? عَلَى الْعَرْشِ) [السجدة:4]
الموضع السابع: قوله تعالى في سورة الحديد: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى? عَلَى الْعَرْشِ) [الحديد:4] .
فمن خلالها يتعرف على أسمائه وصفاته وأفعاله.
قال ابن القيم: «وإذا تأملت ما دعا الله سبحانه وتعالى في كتابه عباده إلى التفكر فيه، أوقعك على العلم به سبحانه وتعالى وبوحدانيته وصفات كماله ونعوت جلاله، من عموم قدرته وعلمه وكمال حكمته ورحمته وإحسانه وبره ولطفه وعدله ورضاه وغضبه وثوابه وعقابه فبهذا تعرف إلى عباده وندبهم إلى التفكر في آياته» 84.
ومثال ذلك قوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا(6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) [النبأ:6 - 16] .
«لما حكى الله تعالى عنهم إنكار البعث والحشر، وأراد إقامة الدلائل على صحة الحشر قدم لذلك مقدمة في بيان كونه تعالى قادرًا على جميع الممكنات عالمًا بجميع المعلومات؛ لأنه إذا ثبت هذان الأصلان ثبت القول بصحة البعث، فأثبت هذين الأصلين بأن عدد أنواعًا من مخلوقاته المتقنة المحكمة؛ فإن هذه الأشياء من جهة حدوثها تدل على القدرة، ومن جهة إحكامها وإتقانها تدل على العلم، وإذا ثبت هذان الأصلان، وثبت أن الأجسام متساوية في قبول الصفات والأعراض ثبت لا محالة كونه قادرًا على تخريب الدنيا بسماواتها وكواكبها وأرضها، وعلى إيجاد عالم الآخرة، فهذا وجه النظم.» 85.
معرفة النعمة سبيل معرفة المنعم والهبات دالة على الوهاب والعطايا دالة على المعطي سبحانه وتعالى، لذا فقد ذكر القرآن كثيرًا بنعم الله مجملة تارة، ومفصلة تارة، ومن ذلك قوله تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ? إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ?18?) [النحل:18] .
قال القاسمي: «ثم نبه سبحانه وتعالى على كثرة نعمه عليهم وإحسانه بما لا يحصى، إشارة إلى أن حق عبادته غير مقدور، بقوله تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) [النحل:18] .
أي: لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم، فضلًا أن تطيقوا القيام بحقها من أداء الشكر.
(إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) أي: حيث يتجاوز عن التقصير في أداء شكرها، ولا يقطعها عنكم لتفريطكم. ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها. قاله الزمخشري.
ولحظ ابن جرير أن مغفرته تعالى ورحمته لهم، إذا تابوا وأنابوا. أي فيتجاوز عن تقصيرهم بشكرها الحقيقي، ولا يعذبهم بعد توبتهم وإنابتهم إلى طاعته» 86.
فالعارف يسير إلى الله بين مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس، فمشاهدة المنة توجب له المحبة الحمد والشكر لولي النعم والإحسان، ومطالعة عيب النفس توجب له الذل والانكسار والتوبة.
فمن عرف نفسه عرف ربه.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ? وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر:15] .
«يخاطب تعالى جميع الناس ويخبرهم بحالهم ووصفهم، وأنهم فقراء إلى الله من جميع الوجوه:
••فقراء في إيجادهم، فلولا إيجاده إياهم لم يوجدوا.
••فقراء في إعدادهم بالقوى والأعضاء والجوارح، التي لولا إعداده إياهم بها، لما استعدوا لأي عمل كان.
••فقراء في إمدادهم بالأقوات والأرزاق والنعم الظاهرة والباطنة، فلولا فضله وإحسانه وتيسيره الأمور، لما حصل لهم من الرزق والنعم شيء.
••فقراء في صرف النقم عنهم، ودفع المكاره، وإزالة الكروب والشدائد. فلولا دفعه عنهم، وتفريجه لكرباتهم، وإزالته لعسرهم، لاستمرت عليهم المكاره والشدائد.
••فقراء إليه في تربيتهم بأنواع التربية، وأجناس التدبير.
••فقراء إليه، في تألههم له، وحبهم له، وتعبدهم، وإخلاص العبادة له تعالى، فلو لم يوفقهم لذلك، لهلكوا، وفسدت أرواحهم، وقلوبهم وأحوالهم.
••فقراء إليه، في تعليمهم ما لا يعلمون، وعملهم بما يصلحهم، فلولا تعليمه، لم يتعلموا، ولولا توفيقه، لم يصلحوا.
فهم فقراء بالذات إليه، بكل معنى، وبكل اعتبار، سواء شعروا ببعض أنواع الفقر أم لم يشعروا، ولكن الموفق منهم، الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه، ويتضرع له، ويسأله أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، وأن يعينه على جميع أموره، ويستصحب هذا المعنى في كل وقت، فهذا أحرى بالإعانة التامة من ربه وإلهه، الذي هو أرحم به من الوالدة بولدها.
(وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) أي: الذي له الغنى التام من جميع الوجوه، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إليه خلقه، ولا يفتقر إلى شيء مما يفتقر إليه الخلق، وذلك لكمال صفاته، وكونها كلها صفات كمال ونعوت وجلال.
ومن غناه تعالى أن أغنى الخلق في الدنيا والآخرة، الحميد في ذاته، وأسمائه، لأنها حسنى، وأوصافه، لكونها عليا، وأفعاله لأنها فضل وإحسان وعدل وحكمة ورحمة، وفي أوامره ونواهيه، فهو الحميد على ما فيه، وعلى ما منه، وهو الحميد في غناه الغني في حمده.» 87.
« (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ) إلى فضل الله والفقير المحتاج، (وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) الغني عن خلقه المحمود في إحسانه إليهم» 88.
«فمن أراد الله به خيرًا فتح له باب الذل والانكسار ودوام اللجئ إلى الله سبحانه وتعالى والافتقار إليه ورؤية عيوب نفسه وجهلها وعدوانها كمشاهدة فضل ربه وإحسانه ورحمته وجوده وبره وغناه وحمده فالعارف سائر إلى الله تعالى بين هذين الجناحين لا يمكنه أن يسير إلا بهما» 89.