فهرس الكتاب

الصفحة 2337 من 2431

العبادات في الإسلام تمثل جزءًا عظيمًا من الدين؛ بل هي أساس الدين وجوهره، وهي ظاهر الدين وباطنه، وهي الصلة بين العبد وربه، وإن الأصل في العبادات أنها تؤدى امتثالًا لأمر الله عز وجل، وأداءً لحقه سبحانه على عباده، وشكرًا على نعمائه، وليس من اللازم أن يكون لهذه العبادات ثمرات ومنافع في حياة الإنسان المادية، وليس من الضروري أن يكون لها حكمة يدركها عقله المحدود؛ إذ الأصل فيها أنها ابتلاء لعبودية الإنسان لربه، فلا معنى لأن يدرك السر في كل تفصيلاتها؛ فالعبد عبد والرب رب 70.

ومن تأمل في العبادات التي شرعها الإسلام يجد أن كثيرًا من الحكم تظهر في أدائها، وكثيرًا من الثمرات تبرز حينما يقيمها المسلمون على مراد ربهم عز وجل، ومن عظيم هذه الثمرات المترتبة على العبادات توحيد أمة الإسلام، وبناء مجتمع مسلم مترابط متماسك؛ فإن العبادات إذا فهمت فهمًا صحيحًا، وطبقت تطبيقًا دقيقًا، أعطت مجتمعًا قويًا متينًا كالبنيان المرصوص، يسعى بذمته أدناه، ويكون يدًا على من سواه، يسوده العدل والمساواة والإحسان والبر والرحمة والتعاون والإيثار.

وهذه الثمرات نلمسها في جميع العبادات التي شرعها الإسلام، فأصل العبادات توحيد الله عز وجل، والأمة الموحدة لربها لا بد أن تكون أمة واحدة؛ فهي تعبد ربًا واحدًا، ولها شرعة واحدة، وأركان دينها واحدة.

ثم إن جميع العبادات تثمر وحدة المسلمين، من صلاة وزكاة وصيام وحج ودعاء، فليس من الإسلام أن يترهب المسلم وينقطع عن مجتمعه وأمته بحجة العبادة؛ ومن فهم أن العبادة في الإسلام تعني عزلة وانقطاعًا ففهمه خاطئ، صحيح أن في الإسلام بعض العبادات تحتاج إلى اعتزال؛ ولكن ليس كل العبادات كذلك، فغالب العبادات في الإسلام يؤديها المسلم مع إخوانه المسلمين، ويظهر من خلالها وحدة الأمة واجتماعها، وسنعرض في هذا المبحث - بإذن الله - لبعض هذه العبادات وأثرها على وحدة المسلمين.

أولًا: الصلاة وأثرها على وحدة المسلمين:

الصلاة هي الفريضة الأولى بعد الإيمان بالله ورسوله، وهي عماد الدين، وهي ثاني أركان الإسلام، ولقد ورد الأمر من الله عز وجل لعباده المؤمنين بإقامة الصلاة، وذلك في آيات كثيرة من الكتاب العزيز، من ذلك قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 110] .

وقوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 56،] .

وقوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الروم: 31] .

وأثنى سبحانه على الذين يقيمون الصلاة في غير موضع: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 162] .

{وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} [الأعراف: 170] .

{وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 22] .

ولقد أمر الله المؤمنين بالمحافظة على الصلوات فقال: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] .

وغير ذلك كثير من الآيات التي تأمر بالصلاة، وتحث عليها، وفي ذلك بيان لعظيم منزلة الصلاة في الإسلام.

والصلاة لا يقتصر دورها على أجر يثاب عليه المؤمن، وعذاب ينجو منه، وإنما هي أيضًا تجميع رباني جميل للمسلمين جميعًا، على درجة واحدة من المساواة؛ فالحاكم والمحكوم، والرئيس والمرؤوس، وأصحاب الثروة والقوة، والنفوذ والسلطان، والذين ليس لهم من ذلك شيء، كل هؤلاء متساوون في الوقوف بين يدي الله والإقبال عليه، لا فضل لأحد منهم على أحد، إلا بمقدار ما في قلبه من تقوى، وما تثمره هذه التقوى من خيرات، وما تحجز عنه من موبقات 71.

إن الإسلام لم يكتف من المسلم أن يؤدي الصلاة وحده في عزلة عن المجتمع الذي يحيا فيه؛ ولكنه دعاه دعوة قوية إلى أدائها في جماعة وبخاصة في المسجد، {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] .

والمسجد مكان مشاع عام يتساوى فيه الناس جميعًا؛ الحر منهم والعبد، والحاكم والمحكوم، والغني والفقير، في صورة عظيمة من صور وحدة المسلمين وتآلفهم.

وإذا حضر المؤمن الجماعة، عرف إخوانه وعرفوه، فلو غاب عنهم سألوا عنه؛ فإن كان غائبًا دعوا له، وإن كان مريضًا عادوه؛ فأثيبوا وأجروا، وجبروا خاطره، وأدخلوا السرور عليه، وإن كان حاضرًا زاروه، فتوطدت أواصر الأخوة، وتأكدت أسباب التضامن والمحبة 72.

يتوجه المسلمون في صلاة الجماعة إلى قبلة واحدة، يقصدون ربًا واحدًا، يقتدون بإمام واحد، يكبرون معًا، ويتلون كتابًا واحدًا، ويدعون بدعاء واحد بصيغة الجمع قائلين: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6 - 7] .

ويركعون ويسجدون معًا، ويسلمون منتهين من صلاتهم معًا، ولقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم أمته على المحافظة على الجماعة في الصلوات، وجعل الإسلام أجر الصلاة في الجماعة أضعاف صلاة المنفرد؛ بل إن الخطوات إلى الجماعات مأجورة مباركة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعًا وعشرين درجة؛ وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه) 73.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الاهتمام - في صلاة الجماعة - بتسوية الصفوف، كثير الترغيب في إقامتها ووصلها، وسد خللها، شديد الإنكار على الإخلال بها والتفريط فيها، ذلك لأن فوائد الجماعة لا تتحقق ولا تكتمل إلا بالمحافظة عليها، وقيام المسلمين فيها كالبنيان المرصوص، وفي ذلك تهيئة لهم لفريضة الجهاد وبيان لأهمية رص الصف المسلم وعدم تشرذمه {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4] 74.

لقد كانت هذه الجماعة عاملًا كبيرًا من عوامل وحدة المسلمين في العبادات، كما كانت سببًا عظيمًا في تضامنهم، وجمع كلمتهم، وبلغ من اهتمام الإسلام بالجماعة أنه رغب في إقامتها، والحرص عليها حتى في أوقات المحن والشدائد، حين يلقى المسلمون عدوهم، ويواجهون خصومهم، لأن الصلاة في ذاتها سبب المعونة الإلهية، ولأن في إقامتها مع الجماعة مزيدا من العون والعطاء، تتضاعف بركاتها، وتكثر خيراتها 75.

قال سبحانه: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102] .

وهذه الصلاة هي التي تسمى صلاة الخوف.

لقد شرع الله عز وجل صلاة الجمعة، واختصها بشروط وآداب تزيد في جلالها، وترفع من شأنها، وتورث مزيدًا من الاهتمام بها.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9] .

فصلاة الجمعة هي الصلاة الجامعة، التي لا تصح إلا جماعة، وهي صلاة أسبوعية، يتحتم أن يتجمع فيها المسلمون، يلتقي المسلم فيها مع إخوانه، بستمع إلى أخبارهم، ويتفقد أحوالهم، ويستمع معهم إلى خطبة - من إمامهم -تذكرهم بالله عز وجل، وهي عبادة تنظيمية على طريقة الإسلام 76.

ثم هناك أيضًا صلاة فيها اجتماع أكبر للمسلمين يتكرر في العام مرتين، إنها صلاة العيد، تلك الصلاة العظيمة التي يخرج إليها أهل البلد جميعًا في أبهى مظاهر الوحدة، وفي أجمل صور الأخوة، جاء في الحديث عن أم عطية قالت: (أمرنا أن نخرج الحيض يوم العيدين، وذوات الخدور؛ فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم، ويعتزل الحيض عن مصلاهن، قالت امرأة: يا رسول الله، إحدانا ليس لها جلباب، قال:(لتلبسها صاحبتها من جلبابها) 77.

من خلال ذلك نعم أهمية إقامة الصلوات في توحيد المسلمين، وتنمية الألفة والمحبة في قلوبهم، فالمصلي يلتقي بإخوانه كل يوم خمس مرات، يدخل معهم المسجد، ويضع كتفه بجنب كتف أخيه، ويلصق قدمه بقدمه، بين يدي ربهم عز وجل، في أروع صور اللحمة والمحبة.

ثانيًا: الزكاة وأثرها على وحدة المسلمين:

الزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام، وقد أمر الله عز وجل بها في كتابه في مواضع كثيرة، وقرن سبحانه الأمر بإيتائها مع الأمر بإقامة الصلاة في آيات كثيرة من الذكر الحكيم، من ذلك قوله عز وجل: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 110] .

وقوله: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5] .

وقوله: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11] .

ولقد مدح الله سبحانه مؤدي الزكاة: {هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [النمل:2 - 3] .

وذم مانعيها: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [فصلت: 6 - 7] .

وليس المجال هنا للحديث عن تفاصيل تلك العبادة المالية العظيمة؛ ولكن الذي يعنينا هنا بيان ما للزكاة من أثر عظيم على وحدة المسلمين وتكافلهم ونشر المودة والمحبة بينهم.

إن للزكاة أثرها العظيم في تحقيق وحدة المسلمين وتكافلهم، إذ إن الزكاة مالٌ يخرجه المسلم الغني من ماله، ويعود به على إخوانه الفقراء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه عندما أرسله إلى اليمن: (فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة؛ تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم) 78.

ويظهر أثر الزكاة في تحقيق وحدة المسلمين وتآلفهم وتكافلهم - سواء كان ذلك من الناحية المعنوية أم من الناحية المادية - من عدة وجوه:

1.إن دفع الزكاة لمستحقيها، سبب لتأليف القلوب، وتأنيس النفوس، وإشاعة جوٍ من التراحم والتواصل بين المؤمنين، وتأكيد الأخوة والمحبة بينهم.

وليس شيء أجلب لمحبة الناس، وكسب مودتهم من الإحسان إليهم، ومد يد العون لهم، والسعي في مصالحهم، والتخفيف من آلامهم.

2.إن الزكاة سبب لتنمية الروح الاجتماعية بين أفراد المجتمع. حيث يشعر دافع الزكاة بعضويته الكاملة في الجماعة، وتفاعله معها، ومشاركته في تحقيق مصالحها، وحل مشاكلها، والنهوض بها.

فتنمو شخصيته، وتزكو نفسه، وينشرح صدره، ويرتفع كيانه المعنوي، ويشعر بسعادة غامرة وهو يواسي إخوانه، ويقوم بواجبه تجاه مجتمعه.

كما يشعر آخذ الزكاة، بقيمته وقدره، وأنه ليس شيئًا ضائعًا، ولا كمًا مهملًا، وإنما هو في مجتمع كريم يعنى به ويرعاه، ويأخذ بيده، ويعينه على نوائب الدهر؛ فيحمله ذلك على محبة مجتمعه، والتفاعل معه، ويبقى قلبه سليمًا، خاليًا من الحقد والحسد، مقدرًا لإخوانه الأغنياء، معترفًا بفضلهم وبذلهم، داعيًا لهم بالبركة والتوفيق وسعة الرزق.

فالزكاة تستل سخائم الفقراء، وتزكي نفوسهم من الضغينة والبغضاء، والحسد لأهل المال والثراء؛ بل تجعل الفقير يدعو لهم بالبركة والزيادة والنماء، وبهذا يتحول المجتمع إلى أسرة واحدة، تجللها المحبة والوفاء، ويسودها التعاون والإخاء.

3.إن الزكاة سبب لإشاعة الأمن والطمأنينة؛ فهي أمان للآخذ، والمعطي، والمجتمع بعامة.

أما الآخذ، فإن له في أموال الزكاة مايغنيه، ويجعله آمنًا مطمئنًا، شجاعًا عزيزًا، يواجه المستقبل بنفس راضية، وعزيمة ثابتة، وأما المعطي فإنه مطمئن إلى مستقبله، واثق من عون الله له، وحفظه لماله، ووقايته من الآفات، وأنه إن قدر الله غير ذلك، وتغيرت عليه الأحوال، وأصبح فقيرًا بعد الغنى، فإن له في مال إخوانه ما هو كفيل بجبر كسره، وسد حاجته، فيشعر أن قوة إخوانه قوة له إذا ضعف، وغناهم مددٌ له إذا أعسر.

وأما المجتمع، فإن الزكاة سبب لتماسكه وتآلفه، وتضامنه وتكافله، ووقايته من رياح التفكك والتشرذم، وأعاصير الجريمة والظلم.

4.وأما تحقيق الزكاة للتكافل المادي، فهو أظهر من أن يذكر، وهو المقصود الأصلي من شرعيتها، فإن الله عز وجل إنما شرع الزكاة مواساةً للفقراء والمحتاجين، وقيامًا بمصالح المسلمين 79.

وبهذا تكون الزكاة أول تشريع منظم لتحقيق التكافل المادي، أو ما يسمى بالضمان الاجتماعي، الذي لا يعتمد على التبرعات الفردية الوقتية؛ بل يقوم على مساعدات حكومية دورية منتظمة، غايتها تحقيق الكفاية لكل محتاج: الكفاية في المطعم والملبس والمسكن، وسائر الحاجات، بما يكفل له ولعائلته مستوى معيشيًا ملائمًا من غير إسراف ولا تقتير 80.

ولو أن أهل الأموال جميعهم أخرجوا زكاة أموالهم، وصرفوها لمستحقيها، لما بقي في المسلمين فقير. وما حاجة الفقراء إلا بسبب منع الأغنياء، فما احتاج فقير إلا بما منع غني، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «إن الله عز وجل فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا وعروا وجهدوا، فبمنع الأغنياء، وحقٌ على الله عز وجل أن يحاسبهم يوم القيامة، ويعذبهم عليه» 81.

ويقول محمد رشيد رضا: «ولو أقام المسلمون هذا الركن من دينهم لما وجد فيهم - بعد أن كثرهم الله عز وجل، ووسع عليهم في الرزق - فقير مدقع، ولا ذو غرم مفجع؛ ولكن أكثرهم تركوا هذه الفريضة، فجنوا على دينهم وأمتهم، فصاروا أسوأ من جميع الأمم حالًا في مصالحهم المالية والسياسية» 82.

ثالثًا: الحج وأثره على وحدة المسلمين:

الحج فريضة فرضها الله عز وجل على عباده {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] .

وهو خامس أركان الإسلام، والحج فيه توحيد الله عز وجل {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 26 - 27] .

وفيه أيضًا توحيد لأمة الإسلام.

إن وحدة المسلمين تتجلى في أبهى صورها ومعانيها في شعيرة الحج، هذا الركن العظيم الذي يتكرر كل عام، ويجتمع له كثير من المسلمين من شتى بقاع المعمورة، ويمثلون فيه أمة الإسلام على اختلاف أجناسها، وبلدانها، وألوانها، ولغاتها؛ يجتمعون في مكان واحد، وفي زمان واحد، وفي لباس واحد، ويؤدون نسكًا واحدًا، ويقفون في المشاعر موقفًا واحدًا، يعلنون فيه توحيدهم لرب العالمين، وخضوعهم لشريعته، وتوحدهم تحت لوائه ورايته.

لقد بين الله عز وجل لعباده المؤمنين أن في الحج منافع لهم، فقال سبحانه: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 27 - 28] .

ولقد ذكر المفسرون أن هذه المنافع منها منافع دينية من مغفرة للذنوب، ورفعة للأجور، ومنافع دنيوية من تحصيل التجارة والمكاسب 83.

قال ابن عاشور: «وتنكير {مَنَافِعَ} للتعظيم المراد منه الكثرة، وهي المصالح الدينية والدنيوية؛ لأن في مجمع الحج فوائد جمة للناس: لأفرادهم ولمجتمعهم» 84.

ومن أعظم المنافع التي ينالها المسلمون من أداء فريضة الحج اجتماع أهل التوحيد في صعيد واحد؛ يتعرف بعضهم على بعض، ويحدث بعضهم بعضًا عن أخبارهم وأخبار المسلمين في بلادهم، ويتبادلون الآراء والمنافع، ويتناصحون فيما بينهم، ويتناقشون مشكلاتهم، ويتعاونون على البر والتقوى، ويظهرون قوتهم، ويعلنون وحدتهم، ويغيظون أعداءهم، وفي ذلك كله من مصلحة لأمة الإسلام ما لا يخفى 85.

إن توحيد الأمة الإسلامية من خلال العبادات لا يظهر من خلال الصلاة والزكاة والحج فقط؛ ولكنه يظهر من خلال العبادات كلها؛ ففي الصيام توحيد للأمة، حيث يصوم المسلمون في شهر واحد، يمسكون عن الطعام معًا، ويفطرون معًا، ويشعر غنيهم بفقيرهم، ويخرجون صدقة فطرهم معًا، وبعد تمام الصيام يجتمعون في مصلى العيد يهنئ بعضهم بعضًا.

ومن العبادات دعاء المسلم لإخوانه المسلمين، ومن العبادات بر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجيران وتفقد المساكين والأرامل والأيتام، ولا يخفى ما في هذه العبادات من عوامل الوحدة والألفة بين أبناء الإسلام جميعًا.

إن وحدة أمة من الأمم لا بد أن يكون لها أسباب، ولا بد أن يكون لها أسس وأصول تعتمد عليها؛ فإن الذي يوحد الناس أمر مشترك بينهم؛ يجمعهم ويوحدهم، ويجعل هدفهم واحدًا، وغايتهم واحدة، وهمهم واحدًا، وهكذا تتوحد الشعوب والأمم.

وإن أمة الإسلام عندها من أسباب الوحدة ومقوماتها ما هو أكثر وأعظم من غيرها من الأمم؛ فأمة الإسلام تجمعها عقيدة واحدة، وتربطها شريعة واحدة، لها ربٌ واحد، ولها كتاب واحد، ونبي واحد صلى الله عليه وسلم، وقبلة واحدة، وغاية واحدة، وكل ذلك من أسباب وحدتها، ومقومات قوتها.

وسنعرض في النقاط الآتية مجمل أسباب وحدة الأمة الإسلامية:

أولًا: طاعة الله وطاعة رسوله:

إن أمة الإسلام أمةٌ ربانيةٌ، تؤمن بالله عز وجل ربًا، وتؤمن بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا، وتتعبد ربها وتتقرب إليه بطاعته وبطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا الأمر هو أعظم ما يجمع هذه الأمة؛ فليس بين أفرادها من يعبد إلاهًا آخر، أو يتبع نبيًا غير محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وليس بين أفرادها من يقدم طاعة مخلوق مهما عظم على طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

إن أصل كلمة الإسلام مأخوذ من الاستسلام لله عز وجل، والانقياد له سبحانه، وهذا أصل الدين؛ بل هذا هو الدين كله، وهذا هو الذي يميز المسلم عن غيره؛ فالمسلم من استسلم لله وانقاد له، فأطاعه وأطاع رسوله صلى الله عليه وسلم {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [النمل: 91] .

وغير المسلم لم يستسلم لله، ولم يطعه سبحانه، ولم يتبع نبيه صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت