أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: «القاف والميم والراء أصل صحيح يدل على بياض في شيء، ثم يفرع منه، من ذلك القمر: قمر السماء، سمي قمرًا لبياضه، وحمار أقمر، أي: أبيض، وتصغير القمر قمير، ويقال: تقمرته: أتيته في القمراء 1.
وجاء في الصحاح في مادة (ق م ر) : « (القمر) بعد ثلاث إلى آخر الشهر، سمي قمرا لبياضه، والقمر أيضا تحير البصر من الثلج، وقد (قمر) الرجل من باب طرب، و (القمري) منسوب إلى طير (قمر) بوزن حمر جمع (أقمر) وهو الأبيض، أو جمع (قمري) مثل رومي وروم، والأنثى (قمرية) والذكر ساق حر والجمع (قماري) غير مصروف، وليلة (قمراء) أي: مضيئة، و (أقمرت) ليلتنا أضاءت، وأقمرنا طلع علينا القمر» 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
القمر: جرمٌ سماوىٌ صغيرٌ يدور حول كوكب أكبر منه ويكون تابعًا له، ومنه القمرالتابع للأرض، والأقمار التي تدور حول كواكب المريخ وزحل والمشتري 3.
وردت مادة (قمر) في القرآن الكريم (27) مرة 4.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الاسم ... 27 ... {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) } [يس:39]
وجاء القمر في القرآن بمعناه في اللغة وهو، قمر السماء، ومنه قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [يونس: 5] 5.
النجوم:
النجوم لغة:
قال ابن فارس: «النون والجيم والميم أصل صحيح يدل على طلوع وظهور، ونجم النجم: طلع، ونجم السن والقرن: طلعا. والنجم: الثريا، اسم لها» 6.
وفي الحديث: هذا إبان نجومه، أي: وقت ظهوره، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، يقال: نجم النبت ينجم إذا طلع، وكل ما طلع وظهر فقد نجم 7.
مما سبق يمكن تعريف النجم لغة: هو كل شيء يظهر.
النجوم اصطلاحًا:
قال الكفوي: «كل طالع فهو نجم، يقال: نجم السن، والقرن، والنبت إذا طلعت» 8 أو: «أحد الأجرام السماوية المضيئة بذاتها، ومواضعها النسبية في السماء ثابتة، وهو عبارة عن جسم كروي ضخم ولامع ومتماسك بفعل الجاذبية» 9.
الصلة بين النجم والقمر:
من خلال النظر في التعريف اللغوي والاصطلاحي للنجم نجد أن هناك فرقا واضحا بين النجم والقمر، فالقمر يدور حول كوكب أكبر منه، أما النجم فهو من تدور حوله الكواكب.
الكواكب:
الكواكب لغة:
قال ابن منظور: «الكوكب معروف، من كواكب السماء، ويشبه به النور فيسمى كوكبا، وقال ابن سيده: الكوكب والكوكبة: النجم، كما قالوا عجوز وعجوزة، وبياض وبياضة» 10.
وقال الفيروزآبادي: «الكوكب: النجم، كالكوكبة، وبياض في العين، وما طال من النبات، وسيد القوم، وفارسهم، وشدة الحر» 11.
مما سبق يمكن تعريف الكوكب لغة بأنه النجم، وهو مقدمة كل شيء.
الكواكب اصطلاحًا:
قال الكفوي: «الكواكب: أجسام بسيطة مركوزة في الأفلاك، كالفص في الخاتم، مضيئة بذواتها، إلا القمر» 12. أو: «جرم سماوي يدور حول الشمس ويستضيء بضوئها وأشهر الكواكب مرتبة على حسب قربها من الشمس عطارد الزهرة الأرض المريخ المشتري زحل يورانس نبتون بلوتون» 13.
الصلة بين الكوكب والقمر:
يعتبر الكوكب أكبر حجما من القمر، بل إن القمر هو جزء من الأقمار التي تدور حول الكوكب.
الهلال:
الهلال لغة:
قال ابن فارس في مادة (هل) : «الهاء واللام أصل صحيح يدل على رفع صوت، ثم يتوسع فيه فيسمى الشيء الذي يصوت عنده ببعض ألفاظ الهاء واللام. ثم يشبه بهذا المسمى غيره فيسمى به، والهلال الذي في السماء سمي به لإهلال الناس عند نظرهم إليه مكبرين وداعين، ويسمى هلالا أول ليلة والثانية والثالثة، ثم هو قمر بعد ذلك، يقال: أهل الهلال واستهل، ثم قيل على معنى التشبيه: تهلل السحاب ببرقه: تلألأ، كأن البرق شبه بالهلال» 14.
الهلال اصطلاحًا:
قال الكفوي: «القمر إلى ثلاث ليالٍ، وهو أيضا بقية الماء في الحوض» 15، أو: «أول القمر إلى سبع ليالٍ من الشهر وآخره من ليلة السادس والعشرين» 16.
الصلة بين الهلال والقمر:
القمر هو الاسم الشامل في جميع أطواره، بينما تطلق تسمية الهلال على القمر إلى سبع ليالٍ من الشهر وآخره من ليلة السادس والعشرين.
الشمس:
الشمس لغة:
الشين والميم والسين أصل يدل على تلون وقلة استقرار، فالشمس معروفة، وسميت بذلك؛ لأنها غير مستقرة، ويقال: شمس يومنا وأشمس، إذا اشتدت شمسه 17.
الشمس اصطلاحًا:
قال الجرجاني: «الشمس هو كوكب مضيء نهاري» 18، أو: «النجم الرئيس الذي تدور حوله الأرض وسائر كواكب المجموعة الشمسية» 19.
الصلة بين الشمس والقمر:
الشمس جسم مضئ، والقمر جسم معتم ونوره ليس نابع منه وإنما انعكاس عليه.
وردت العديد من الآيات في القرآن الكريم يقسم الله عز وجل فيها بالقمر، أذكر بعضًا منها فيما يلي:
قال تعالى: {كَلَّا وَالْقَمَرِ} [المدثر: 32] .
بعدما أبطل سبحانه ما أنكره الذين في قلوبهم مرض، وما أنكره الكافرون مما جاء به القرآن الكريم، معبرًا عن ذلك بقوله (كلا) وهو حرف زجر وردع وإبطال لكلامهم السابق، والواو في قوله (والقمر) للقسم، والمقسم به ثلاثة أشياء: القمر والليل والصبح، وجواب القسم قوله: {إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ} [المدثر: 35] .
أي: كلا، ليس الأمر كما أنكر هؤلاء الكافرون، من أن تكون عدة الملائكة الذين على سقر تسعة عشر ملكًا، أو من أن تكون سقر مصير هؤلاء الكافرين، أو من أن في قدرتهم مقاومة هؤلاء الملائكة، فقد أقسم سبحانه بهذه الأمور الثلاثة؛ لزيادة التأكيد، ولإبطال ما تفوه به الجاحدون 20.
قال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} [الانشقاق: 16 - 19] .
أقسم سبحانه ببعض مخلوقاته على أن مشيئته نافذة، وقضاءه لا يرد، وحكمه لا يتخلف، وكان مما أقسم الله عز وجل به من مخلوقاته القمر، فقال: {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} واتساق القمر: اجتماع ضيائه ونوره، وهو افتعال من الوسق، وهو الجمع والضم، وذلك يكون في الليلة الرابعة عشرة من الشهر، والمعنى: أقسم بالقمر إذا ما اجتمع نوره واكتمل ضياؤه وصار بدرًا متلألئًا 21.
قال طنطاوي: «وفي القسم بهذه الأشياء دليل واضح على قدرة الله تعالى الباهرة، لأن هذه الأشياء تتغير من حال إلى حال، ومن هيئة إلى هيئة. فالشفق حالة تأتى في أعقاب غروب الشمس، والليل يأتى بعد النهار، والقمر يكتمل بعد نقصان، وكل هذه الحالات الطارئة دلائل على قدرة الله عز وجل» 22.
قال تعالى: {وَالْقَمَرِ إِذَا} [الشمس: 2] أقسم الله تعالى في مطلع سورة الشمس بسبعة أشياء من ضمنها القمر، فقد أقسم الله عز وجل بالقمر المنير إذا تبع الشمس في الطلوع بعد غروبها، وبخاصة في الليالي البيض: وهي الليالي الثالثة عشرة إلى السادسة عشرة وقت امتلائه وصيرورته بدرًا بعد غروب الشمس إلى الفجر، وهذا قسم بالضوء وقت الليل كله 23.
إن القمر آية عظيمة من آيات الله، فهذا الكوكب العظيم بحجمه وشكله ونوره ومنازله ودورته وآثاره في الحياة وقيامه في الفضاء بلا عمد يدل دلالة بليغة على عظمة الخالق جل جلاله، وأن لهذا الكون إلهًا عظيمًا قويا قديرًا له صفات الكمال والجمال، فهذا النظام البديع للقمر، والحركة المتزنة له، والدقة الكاملة المتكاملة لبزوغه وطلوعه، والمنازل المتنوعة والمراحل المختلفة التي يمر بها في كل ليلة من لياليه يبدأ هلالًا وليدًا حتى يصير بدرًا منيرًا وقمرًا متكاملًا، وما ينشأ عنه من ظواهر الليل والنهار والشروق والغروب والخسوف والكسوف، وغيره من الدلائل الربانية والمعجزات الإلهية ما يدهش العقول ويحير الألباب ويوجب التأمل في مخلوقات الله عز وجل.
أولًا: القمر آية من آيات الله عز وجل:
قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [فصلت: 37] .
المراد بالآيات في هذه الآية العلامات الدالة دلالة واضحة على وحدانية الله تعالى وقدرته، والمعنى: ومن آياته على وحدانيته وقدرته تعالى وعلى وجوب إخلاص العبادة له وجود الليل والنهار والشمس والقمر بتلك الطريقة البديعة، حيث إن الجميع يسير بنظام محكم، ويؤدى وظيفته أداء دقيقا، كما قال تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] .
فتكرار ذكر القمر في القرآن الكريم واعتباره آية من آيات الله عز وجل فيه إشارة عظيمة على وجوب التفكر والتأمل في هذا الكوكب الدري الذي يأخذ نوره من أشعة الشمس ثم يعود فيعكس هذا النور على الأرض 24.
ثانيًا: القمر مخلوق لله عز وجل:
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33] .
في هذه الآية دليل على قدرته ووحدانيته، فهو وحده سبحانه الذي خلق بقدرته الليل والنهار بهذا النظام البديع، وخلق الشمس والقمر بهذا الإحكام العجيب (كلٌ) أي: كل واحد من الشمس والقمر يسير في فلكه وطريقه المقدر له بسرعة وانتظام، كالسابح في الماء 25.
ثالثًا: سجود القمر لله عز وجل:
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [الحج: 18] .
السجود في اللغة: التذلل والخضوع مع انخفاض بانحناء وما يشبهه، وخص في الشرع بوضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة، والمعنى هنا: دخول الأشياء جميعها تحت قبضة الله تعالى وتسخيره وانقيادها لكل ما يريده منا انقيادا تاما، وخضوعها له عز وجل بكيفية هو الذي يعلمها، فنحن نؤمن بأن هذه الكائنات تسجد لله تعالى ونفوض كيفية هذا السجود له سبحانه 26.
قال ابن تيمية: «والسجود من جنس القنوت، فإن السجود الشامل لجميع المخلوقات هو المتضمن لغاية الخضوع والذل، وكل مخلوق فقد تواضع لعظمته وذل لعزته واستسلم لقدرته، ولا يجب أن يكون سجود كل شيء مثل سجود الإنسان على سبعة أعضاء ووضع جبهة في رأس مدور على التراب، فإن هذا سجود مخصوص من الإنسان، ومن الأمم من يركع ولا يسجد وذلك سجودها، كما قال تعالى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [البقرة: 58] .
وإنما قيل: ادخلوه ركعا ومنهم من يسجد على جنب كاليهود، فالسجود اسم جنس، ولكن لما شاع سجود الآدميين المسلمين صار كثير من الناس يظن أن هذا هو سجود كل أحد كما في لفظ القنوت» 27.
وقال ابن القيم رحمه الله: «وهو سجود الذل والقهر والخضوع، فكل أحد خاضع لربوبيته ذليل لعزته مقهور تحت سلطانه تعالى» 28.
والسجود للقمر ولباقي المخلوقات في الآية هو سجود حقيقي، وهذا ما يؤكده حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أبي ذرٍ رضي الله عنه قال: (قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذرٍ رضي الله عنه حين غربت الشمس:(أتدري أين تذهب؟) ، قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [يس: 38] ) 29.
رابعًا: النهي عن عبادة القمر:
قال تعالى: {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فصلت: 37] .
لما بين الحق سبحانه أن الشمس والقمر من آياته نهى عباده عن عبادتها، وأمرهم بأن لا يسجدوا للشمس، ولا للقمر؛ لأنهما مخلوقان من مخلوقاته، فلا يصح أن يكونا شريكين له في ربوبيته وعبادته؛ ولهذا أمرهم بالسجود له وحده جل وعلا؛ لأنه الخالق المبدع لهما ولكل شيء، إن كانوا يعبدونه حقيقة، ولما كان السجود أقصى مراتب العبادة ونهاية التعظيم ولا يليق إلا بمن كان أشرف الموجودات وأعظمها كان لا بد من تخصيصه به عز وجل، والنهي عن السجود لغيره.
وقيل: وجه تخصيصه به عز وجل أنه كان ناس يسجدون للشمس والقمر، كالصابئين في عبادتهم الكواكب، ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لهما السجود لله، فنهوا عن ذلك.
ولهذا قال تعالى: {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ} ، فنهى عن السجود للشمس وللقمر، وإن كثرت منافعهما، ثم أمر سبحانه بالسجود له وحده؛ لأنه الخالق لهما ولكل موجود، فقال جل جلاله: {وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} أي: إن كنتم موحدين، غير مشركين 30.
وقال تعالى: {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) } [الأنعام: 77] .
يبين سبحانه حالة من الحالات التي برهن بها إبراهيم على وحدانية الله عز وجل، فلما رأى إبراهيم القمر مبتدئا في الطلوع منتشرا ضوؤه من وراء الأفق قال هذا ربي. فلما أفل القمر كما أفل الكوكب من قبله قال مسمعًا من حوله من قومه: لئن لم يهدني ربي إلى جناب الحق وإلى الطريق القويم الذي يرتضيه لأكونن من القوم الضالين عن الصراط المستقيم، لأن هذا القمر الذي يعتوره الأفول أيضًا لا يصلح أن يكون إلهًا 31.
قال طنطاوي: «وفي قول إبراهيم لقومه هذا القول تنبيه لهم لمعرفة الرب الحق وأنه واحد وأن الكواكب والقمر كليهما لا يستحقان الألوهية، وفي هذا تهيئة لنفوس قومه لما عزم عليه من التصريح بأن له ربا غير الكواكب، ثم عرض بقومه بأنهم ضالون، لأن قوله «لأكونن من القوم الضالين» يدخل على نفوسهم الشك في معتقدهم أنه لون من الضلال، وإنما استدل على بطلان كون القمر إلهًا بعد أفوله ولم يستدل على بطلان ذلك بمجرد ظهوره مع أن أفوله محقق لأنه أراد أن يقيم استدلاله على المشاهدة؛ لأنها أقوى وأقطع لحجة الخصم» 32.
الشمس والقمر من مخلوقات الله عز وجل، وقد اجتمعا في القرآن الكريم (19) مرة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هناك علاقة قوية جدا تربطهما ببعضهما البعض، هذا ما سنتعرف عليه من خلال النقاط الآتية.
أولًا: التسخير والجريان:
قال ابن منظور: «سخرته بمعنى قهرته وذللته، قال الله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ} [إبراهيم: 33] ؛ أي: ذللهما، والشمس والقمر مسخران يجريان مجاريهما، أي: سخرا جاريين عليهما، والنجوم مسخرات، قال الأزهري: جاريات مجاريهن، وسخره تسخيرًا: كلفه عملًا بلا أجرة، وكذلك تسخره، وكل مقهور مدبر لا يملك لنفسه ما يخلصه من القهر، فذلك مسخر، وقوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [لقمان: 20] .
قال الزجاج: تسخير ما في السماوات تسخير الشمس والقمر والنجوم للآدميين، وهو الانتفاع بها في بلوغ منابتهم والاقتداء بها في مسالكهم، وتسخير ما في الأرض تسخير بحارها وأنهارها ودوابها وجميع منافعها؛ وهو سخرة لي وسُخْرِيّ وسِخْرِيّ» 33.
الآيات التي تحدثت عن التسخير والجريان:
قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} [النحل: 12] .
قوله: (سخر) من التسخير بمعنى التذليل والتكليف، يقال، سخر فلان فلانا تسخيرًا، إذا كلفه عملا بلا أجرة، والمراد به هنا الإعداد والتهيئة لما يراد الانتفاع به، أي: ومن آياته سبحانه الدالة على وحدانيته وقدرته، أنه سبحانه سخر لكم (الشمس والقمر) يدأبان في سيرهما بدون كلل أو اضطراب، بل يسيران من أجل منفعتكم ومصلحتكم بنظام ثابت، وأنه سبحانه أوجد النجوم مسخرات بأمره وإذنه، لكي تهتدوا بها في ظلمات البر والبحر 34.
وقال تعالى: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} [الأعراف: 54] .
أي: وخلق الشمس والقمر والنجوم كونهن مذللات خاضعات لتصرفه، منقادات لمشيئته، كأنهن مميزات أمرن فانقدن، فتسمية ذلك أمرًا على سبيل التشبيه 35.
قال الألوسى: «ويصح حمل الأمر على الإرادة، أي: هذه الأجرام العظيمة والمخلوقات البديعة منقادة لإرادته. ومنهم من حمل الأمر على الأمر الكلامى وقال: إنه سبحانه أمر هذه الأجرام بالسير الدائم والحركة المستمرة على الوجه المخصوص إلى حيث شاء، ولا مانع أن يعطيها الله إدراكا وفهما لذلك» 36.
وبنفس المعنى في الآيتين السابقتين قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [إبراهيم: 33] .
قال تعالى: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} [الرعد: 2] .
أي: أن من مظاهر فضله أنه سبحانه سخر ذلك وأخضع لقدرته الشمس والقمر، بأن جعلهما طائعين لما أراده منهما من السير في منازل معينة، ولأجل معين محدد لا يتجاوزانه ولا يتعديانه، بل يقفان عند نهاية المدة التي حددها سبحانه لوقوفهما وأفولهما 37.
وبنفس المعنى في قوله تعالى: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} [فاطر: 13] .
وقال تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] .
بيان لدقة نظامه سبحانه في كونه، وأن هذا الكون الهائل يسير بترتيب في أسمى درجات الدقة وحسن التنظيم، فلا يصح ولا يتأتى للشمس أن تدرك القمر في مسيره فتجتمع معه بالليل، وكذلك لا يصح ولا يتأتى أن الليل أن يسبق النهار بأنه يزاحمه في محله أو وقته، وإنما كل واحد من الشمس والقمر والليل والنهار يسير في هذا الكون بنظام بديع قدره الله تعالى له، بحيث لا يسبق غيره أو يزاحمه في سيره 38.
ثانيًا: الإضاءة والإنارة:
ذهب كثير من أئمة اللغة إلى أن الضوء في اللغة أقوى من النور من حيث الاستعمال، وأن الضوء ما كان صادرًا من ذات الشيء، وأن النور ما كان بالعرض والاكتساب من الغير، يقول الزبيدي: «الضوء أقوى من النور، قاله الزمخشري، وتبعه الطيبي، واستدل بقوله تعالى: {جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا} [يونس: 5] .
وقيل: الضوء لما بالذات كالشمس والنار، والنور لما بالعرض والاكتساب من الغير» 39.
ويقول في موضع آخر: «وقيل: الضياء ذاتيٌ والنور عرضيٌ، وتخصيص الشمس بالضوء والقمر بالنور من حيث إن الضوء أخص من النور» 40.
ولم يختلف كلام المفسرين عن كلام أهل اللغة، فذهب كثير منهم إلى أن الضوء أقوى من النور، والضياء هو ما كان بالذات، والنور ما كان بالعرض.
وفي هذا يقول الشوكاني: «قيل: الضياء أقوى من النور، وقيل: الضياء هو ما كان بالذات، والنور ما كان بالعرض؛ ومن هنا قال الحكماء: إن نور القمر مستفاد من ضوء الشمس» 41.
وقال البيضاوي: «وقيل: ما بالذات ضوء وما بالعرض نور، وقد نبه سبحانه وتعالى بذلك على أنه خلق الشمس نيرة في ذاتها والقمر نيرًا بعرض مقابلة الشمس والاكتساب منها» 42.
ويقول ابن كثير: «يخبر تعالى عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه، أنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياءًا، وجعل شعاع القمر نورًا، هذا فن وهذا فن آخر، ففاوت بينهما لئلا يشتبها، وجعل سلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل» 43.