فهرس الكتاب

الصفحة 451 من 2431

أولًا: المعنى اللغوي:

كلمة (اختلاف) تعد مصدرًا من الفعل (اختلف) ، وهذا الفعل من الناحية الصرفية فعل يدل على التفاعل والمشاركة، أي: لا يكون إلا بين اثنين فأكثر.

قال صاحب القاموس: «والخلاف: المخالفة ... واختلف: ضد اتفق» 1، أي: «لم يتفق في الرأي، يقال: اختلف بين كذا وكذا» 2.

وذكر الزبيدي أن «الخلفة، بالكسر: الاسم من الاختلاف، أي: خلاف الاتفاق، أو مصدر الاختلاف، أي: التردد، ومنه قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} [الفرقان:62] » 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

الاختلاف في الاصطلاح لا يختلف عن المعنى اللغوي، «فالاختلاف والمخالفة -في الاصطلاح-: أن يأخذ كل واحد طريقًا غير طريق الآخر في حاله أو قوله، والخلاف أعم من الضد؛ لأن كل ضدين مختلفان، وليس كل مختلفين ضدين» 4.

وقال المناوي: «الاختلاف: افتعال من الخلاف، وهو تقابل بين رأيين فيما ينبغي انفراد الرأي فيه، ذكره الحرالي» 5.

ورد (الاختلاف) في القرآن الكريم (52) مرة 6.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 19 ... {وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [البقرة:213]

الفعل المضارع ... 16 ... {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (39) } [النحل:39]

المصدر ... 7 ... {وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (80) } [المؤمنون:80]

اسم الفاعل ... 10 ... {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل:69]

وجاء الاختلاف في القرآن بمعناه في اللغة، وهو: ضد اتفق، وهو أن يأخذ كل واحد طريقًا غير طريق الأول في فعله أو حاله 7.

التفرق:

التفرق لغةً:

خلاف التجمع، تفرق القوم وتفارقوا، والاسم الفرقة 8.

والتفريق: خلاف التجميع، يقال: فرق الشيء تفريقًا وتفرقة: بدده، وهو متعدِ، أما التفرق فلازم. والتفريق أبلغ من الفرق؛ لما فيه من معنى التكثير 9.

التفرق اصطلاحًا:

لا يخرج معناه عن المعنى اللغوي.

الصلة بين التفرق والاختلاف:

التفرق هو أشد أنواع الاختلاف، وثمرة من ثماره النكرة؛ لأن من الاختلاف ما لا يصل إلى حد الافتراق، وهو أكثر أنواع الخلاف بين الأمة.

المنازعة:

المنازعة لغةً:

المنازعة في اللغة مشتقة من المادة اللغوية (نزع) ، وتأتي بمعنى الجذب؛ يقال: نزع القوس إذا جذبها، ومنه نزع الإنسان إلى أهله، ومنه تنازع القوم اختصموا وبينهم نزاعةٌ أي: خصومةٌ في حق، ومنه قوة العزيمة في الرأي والهمة؛ يقال للرجل الجيد الرأي: إنه لجيد المنزعة، ومنه القلع؛ يقال: نزعت الشيء من مكانه نزعًا إذا اقتلعته 10.

المنازعة اصطلاحًا:

المخاصمة والمخالفة القائمة على التنازع والتجاذب لنفي ما عند الآخر ومحوه، سواء أكان حقًا أم باطلًا، والموصلة في الغالب إلى الفشل والانتكاس 11.

الصلة بين المنازعة والاختلاف:

الاختلاف لا يحمل معنى المنازعة، فقد يحصل الاختلاف ولا تحصل المنازعة، أما المنازعة فهي اختلاف مع معاداة ومخاصمة.

الاجتماع:

الاجتماع لغة:

التئام الشيء، وضم بعضه إلى بعض، وهو خلاف التفريق 12.

الاجتماع اصطلاحًا:

هو اجتماع الناس، وعدم تفرقهم، واجتماع القلوب بائتلافها، وعدم تفرقها.

الصلة بين الاجتماع والاختلاف:

الاختلاف السائغ بين المسلمين يمكن أن يحصل معه الاجتماع، ولا يكون سببًا في تفرقهم، وأما إذا كان ذلك مؤديًا إلى تفرقهم وتمزق وحدتهم وعدم اجتماعهم فإنه بذلك يكون مذمومًا.

الاعتصام:

الاعتصام لغة:

العصم: الإمساك، والاعتصام: الاستمساك.

قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} [آل عمران:103] أي: تمسكوا بعهد الله 13. والاعتصام بحبل الله: هو ترك الفرقة، واتباع القرآن 14.

الاعتصام اصطلاحًا:

لا يختلف معنى الاعتصام في الاصطلاح عن معناه في اللغة.

الصلة بين الاعتصام والاختلاف:

الاعتصام: الاستمساك بالشيء، افتعالٌ منه، والمقصود الاستمساك بحبل الله، وهو بهذا الاعتبار وسيلة للاجتماع، وطريق إليه؛ ولهذا يقال: الاستمساك بحبل الله سبب للاجتماع، وعصمة من الخلاف والتفرق.

إن الاختلاف سنةٌ إلهية بين جميع المخلوقات! ليس البشر وحدهم.

قال الله سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) } [الأنعام:141] .

وقال عز وجل: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) } [النور:45] .

وقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) } [الروم:22] .

وعن الاختلاف العلمي والفكري يقول رب العزة: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) } [هود:118 - 119] .

«ولا شك أن اختلاف الألوان والمناظر والمقادير والهيئات وغير ذلك:

فيه الدلالة القاطعة على أن الله -جل وعلا- واحد، لا شبيه له ولا نظير ولا شريك، وأنه المعبود وحده.

وفيه الدلالة القاطعة على أن كل تأثير فهو بقدرة وإرادة الفاعل المختار -سبحانه-، وأن الطبيعة لا تؤثر في شيء إلا بمشيئته -جل وعلا-، كما أوضح ذلك في قوله: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) } [الرعد:4] .

فالأرض التي تنبت فيها الثمار واحدة؛ لأن قطعها متجاورة، والماء الذي تسقى به ماء واحد، والثمار تخرج متفاضلة، مختلفة في الألوان والأشكال والطعوم، والمقادير والمنافع.

فهذا أعظم برهان قاطع على وجود فاعل مختار، يفعل ما يشاء كيف يشاء، سبحانه جل وعلا عن الشركاء والأنداد» 15.

وحكمة أخرى لهذا الاختلاف في الخلق؛ أشار لها أثرٌ لأبي بن كعب رضي الله عنه عند قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) } [الأعراف:172] قال: (ورفع عليهم آدم عليه السلام فجعل ينظر إليهم فرأى الغني والفقير، وحسن الصورة ودون؛ ذلك فقال: رب! لولا سويت بين عبادك! قال: إني أحببت أن أشكر) 16.

فالغني يرى الفقير ثم يشكر الله الذي أغناه، والصحيح يرى المريض ثم يشكر الله الذي عافاه، والمهتدي يرى الضال ثم يشكر الله الذي هداه.

«قضت مشيئة الله تعالى خلق الناس بعقول ومدارك متباينة، إلى جانب اختلاف الألسنة والألوان والتصورات والأفكار، وكل تلك الأمور تفضي إلى تعدد الآراء والأحكام، وتختلف باختلاف قائليها، وإذا كان اختلاف ألسنتنا وألواننا ومظاهر خلقنا آية من آيات الله تعالى؛ فان اختلاف مداركنا وعقولنا وما تثمره تلك المدارك والعقول آية من آيات الله تعالى كذلك، ودليل من أدلة قدرته البالغة» 17، لكن هذا الاختلاف ليس على درجة واحدة، بل منه المحمود ومنه المذموم، وهذا ما سنوضحه في هذا المبحث بعون الله تعالى.

أولًا: الاختلاف المحمود:

قال الله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253) } [البقرة:253] .

فالاختلاف في هذه الآية لا نستطيع أن نقول: إنه شرٌ كله، أو مذموم بإطلاق!

بل من خالف الكفار في كفرهم وضلالهم؛ فآمن بالله تعالى، وصدق رسله، واستسلم لشريعته؛ فخلافه هذا ممدوح محمود محبوب لله تعالى، ومن خالف المؤمنين في إيمانهم بربهم وتصديقهم برسله واستسلامهم لشريعته؛ فخلافه هذا شر ووبال عليه في الدنيا والآخرة 18.

قال الله سبحانه: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) } [البقرة:213] .

ولذا لما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: بأي شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق، فإنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» 19.

وفي هذا السياق يقول ابن القيم رحمه الله: «فمن هداه الله سبحانه إلى الأخذ بالحق حيث كان ومع من كان -ولو كان مع من يبغضه ويعاديه- ورد الباطل مع من كان -ولو كان مع من يحبه ويواليه- فهو ممن هدى لما اختلف فيه من الحق؛ فهذا أعلم الناس وأهداهم سبيلًا، وأقومهم قيلًا، وأهل هذا المسلك إذا اختلفوا -أي: فيما بينهم- فاختلافهم اختلاف رحمة وهدى، يقر بعضهم بعضًا عليه ويواليه ويناصره، وهو داخل في باب التعاون والتناظر الذي لا يستغني عنه الناس في أمور دينهم ودنياهم؛ بالتناظر والتشاور، وإعمالهم الرأي وإجالتهم الفكر في الأسباب الموصلة إلى درك الصواب» 20.

ثانيًا: الاختلاف المذموم:

النوع الثاني من الاختلاف هو الذي «يكون المختلفون كلهم مذمومين، وهم الذين اختلفوا بالتأويل، وهم الذين نهانا الله سبحانه عن التشبه بهم في قوله: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران:105] .

وهم الذين تسود وجوههم يوم القيامة وهم الذين قال الله تعالى فيهم: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176) } [البقرة:176] .

فجعل المختلفين كلهم في شقاق بعيد، وهذا النوع هو الذي وصف الله أهله بالبغي، وهو الذي يوجب الفرقة والاختلاف، وفساد ذات البين، ويوقع التحزب والتباين» 21.

وفي هذا المعنى يقول تعالى ذكره: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) } [الروم:31 - 32] .

ويقول سبحانه: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [آل عمران:19] .

ويقول سبحانه: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) } [البينة:4] .

قال الشافعي: «فإنما رأيت الله ذم الاختلاف في الموضع الذي أقام عليهم الحجة ولم يأذن لهم فيه» 22.

ومن صور الخلاف المذموم في القرآن الكريم: مخالفة المسلمين في أصل إيمانهم وعقيدتهم في الله تعالى وأنبيائه ورسله وشرائعه ونحو ذلك؛ فمن فعل ذلك فهو داخل في هذا الاختلاف المذموم، قال الله تعالى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى:13] .

أي: لا تختلفوا في التوحيد والإيمان بالله، وطاعة رسله وقبول شرائعه؛ فإن هذه الأمور قد تطابقت عليها الشرائع، وتوافقت فيها الأديان؛ فلا ينبغي الخلاف في مثلها 23.

وقال الآمدي رحمه الله: «فيجب حمل ما ورد من ذم الاختلاف والنهي عنه: على الاختلاف في التوحيد والإيمان بالله ورسوله، والقيام بنصرته، وفيما المطلوب فيه القطع دون الظن ... » 24.

وفي قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} [آل عمران:103] ما يشير لذلك.

قال الإمام الجصاص: « {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} يعني بالإسلام، وفي ذلك دليل على أن التفرق المذموم المنهي عنه في الآية هو في أصول الدين والإسلام لا في فروعه، والله أعلم» 25.

ومما يلتحق بالصورة السابقة للخلاف المذموم: خلاف الخوارج والرافضة والمعتزلة والقرآنيين وغيرهم من أهل البدع لأهل السنة والحق؛ مما قد يصل في بعض صوره إلى الكفر والعياذ بالله.

والمخالفون فيه خالفوا جمهور المسلمين في أصول المسائل التي يقوم عليها المعتقد والأحكام، فأصولهم فاسدة، ومن ذلك: تقديم العقل على النقل، أو القول بعصمة الأولياء أو أئمة أهل البيت، أو ترك الاحتجاج بالسنة.

وهذا النوع هو الذي يؤدي إلى فرقة الأمة وتشرذمها، وجاءت النصوص القرآنية والنبوية في التحذير منه، ومن ذلك: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} [هود:118 - 119] .

قال ابن عاشور: «إلا من رحم ربك: أي: فعصمهم من الاختلاف، وفهم من هذا: أن الاختلاف المذموم المحذر منه هو الاختلاف في أصول الدين الذي يترتب عليه اعتبار المخالف خارجًا عن الدين وإن كان يزعم أنه من متبعيه.

فإذا طرأ هذا الاختلاف وجب على الأمة قصمه، وبذل الوسع في إزالته من بينهم بكل وسيلة من وسائل الحق والعدل؛ بالإرشاد والمجادلة الحسنة والمناظرة.

فإن لم ينجع ذلك فبالقتال كما فعل أبو بكر في قتال العرب الذين جحدوا وجوب الزكاة، وكما فعل عليٌ في قتال الحرورية الذين كفروا المسلمين، وهذه الآية تحذير شديد من ذلك الاختلاف» 26.

والمقصود بالاختلاف هنا، والذي سنبحث عن أسبابه في القرآن: هو اختلاف الأفكار والعقائد ونحوها -لا اختلاف الألسن والألوان ونحوها- ومن أعظم أسباب هذا الاختلاف هو:

أولًا: فساد النية:

وينطوي تحتها أمور، منها:

1.البغي.

قال الله سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [الجاثية:16 - 17] .

قال الزجاج: «أي للبغي، لم يختلفوا؛ لأنهم رأوا البصيرة والبرهان» 27.

وقال الله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [الشورى:13 - 14] .

فالله تعالى «لما بين أنه أمر كل الأنبياء والأمم بالأخذ بالدين المتفق عليه؛ كان لقائل أن يقول: فلماذا نجدهم -أي الأمم- متفرقين؟ فأجاب الله تعالى عنهم بقوله: {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} يعني أنهم ما تفرقوا إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلالة، ولكنهم فعلوا ذلك للبغي وطلب الرياسة! فحملتهم الحمية النفسانية، والأنفة الطبعية على أن ذهب كل طائفة إلى مذهب، ودعا الناس إليه، وقبح ما سواه طلبًا للذكر والرياسة، فصار ذلك سببًا لوقوع الاختلاف» 28.

2.الحسد.

الحسد نوعان: محمود ومذموم، «المحمود تمنى مثل ما تراه لغيرك وهذا يسمى الغبطة، والمذموم: أن تتمنى زواله عنه وانتقاله إليك وهو الحسد بالحقيقة» 29.

لهذا جاء في حديث ابن مسعود في الصحيح: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها) 30.

قال الله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) } [البقرة:109] .

أي: حسدوا رسول الله تعالى أن كرمه الله تعالى بالرسالة دونهم! ثم حسدوا العرب الذين أن آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم دونهم! فتأمل كيف استولى عليهم الحسد حتى دعاهم إلى مخالفة رسول الله تعالى في ما يدعو إليه، ومخالفة سبيل المؤمنين الذين آمنوا بنبوته عليه الصلاة والسلام! حتى قال تعالى لهؤلاء المكذبين من أهل الكتاب: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} [البقرة:137] .

وقوله تعالى في هذه الآية: {مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} «إعلام منه لهم بأنهم لم يؤمروا بذلك في كتابهم، وأنهم يأتون ما يأتون من ذلك على علم منهم بنهي الله إياهم عنه» 31.

« {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا} وكان هذا قبل آية القتال، {حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} بعذابه؛ القتل والسبي لبني قريظة، والجلاء والنفي لبني النضير» 32.

وكما حمل الحسد هؤلاء المكذبين من أهل الكتاب حتى خالفوا رسول الله والمؤمنين؛ فقد حمل الحسد كذلك مشركي العرب؛ حتى قالوا عن من آمن برسول الله من فقراء المسلمين: {أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} [الأنعام:53] !

«والحسد يكون أعظم ما يكون: إذا كان الحاسد يرى نفسه أولى بالنعمة المحسود عليها، فكان ذلك الداعي فتنة عظيمة في نفوس المشركين؛ إذ جمعت كبرًا وعجبًا وغرورًا بما ليس فيهم، إلى احتقارٍ للأفاضل وحسدٍ لهم، وظلم لأصحاب الحق، وإذ حالت بينهم وبين الإيمان والانتفاع بالقرب من مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم» 33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت