قال بعض المفسرين: « (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ?) مستعملان في طلب الاستمرار على ما هو ملازم له من تقوى الله، فأشعر ذلك أن تشريعا عظيما سيلقى إليه لا يخلو من حرج عليه فيه وعلى بعض أمته، وأنه سيلقى مطاعن الكافرين والمنافقين، وفائدة هذا الأمر والنهي التشهير لهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل أقوالهم لييأسوا من ذلك لأنهم كانوا يدبرون مع المشركين المكايد ويظهرون أنهم ينصحون النبيء صلى الله عليه وسلم ويلحون عليه بالطلبات نصحا تظاهرا بالإسلام.
والمراد بالكافرين المجاهرون بالكفر لأنه قوبل بالمنافقين، فيجوز أن يكونوا المشركين كما هو غالب إطلاق هذا الوصف في القرآن» 165.
وفي موضع آخر يقول المولى عز وجل: (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) [الفرقان: 52] .
وهي صريحة في النهي عن طاعة الكفار ووجوب مجاهدتهم.
2.إعلان المسلم الكفر إكراهًا واضطرارًا.
لم يختلف أحد من الفقهاء أنه يجوز إعلان الكفر أو الجهر به إذا ألجئ المرء إلى ذلك كما في قصة عمار بن ياسر وما نزل بشأنها في سورة النحل، ولا يترتب على الكفر إكراها أي أثر شرعي من نحو فراق الزوج، ومنع الإرث ونحو ذلك من الأحكام، لأن الإكراه لا أثر له في ذلك ما دام القلب مطمئنا بالإيمان 166.
قال تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَ?كِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النحل: 106] .
قال الإمام الشافعي: «فلو أن رجلا أسره العدو، فأكره على الكفر لم تبن منه امرأته، ولم يحكم عليه بشيء من حكم المرتد قد أكره بعض من أسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم على الكفر، فقاله؛ ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر له ما عذب به فنزلت هذه الآية، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم باجتناب زوجته، ولا بشيء مما على المرتد» 167.
وقال ابن العربي: «هذه الآية نزلت في المرتدين، وقد تقدم ذكر بعض من أحكام الردة في سورة المائدة، وبينا أن الكفر بالله كبيرة محبطة للعمل، سواء تقدمها إيمان أو لم يتقدم، والكافر أو المرتد هو الذي جرى بالكفر لسانه، مخبرا عما انشرح به من الكفر صدره، فعليه من الله الغضب، وله العذاب الأليم، إلا من أكره، وهي: المسألة الثانية: فذكر استثناء من تكلم بالكفر بلسانه عن إكراه، ولم يعقد على ذلك قلبه، فإنه خارج عن هذا الحكم، معذور في الدنيا، مغفور في الأخرى» 168.
هذا ولم يقل أحد بوجوب التلفظ بكلمة الكفر أو إظهاره عند الإكراه عليه، بل الأمر لا يعدو كونه رخصة من شاء أخذ بها ومن شاء ثبت على موقفه حتى لو قتل.
قال الرازي: «أجمعوا على أنه لا يجب عليه التكلم بكلمة الكفر» 169.
وقال الجصاص نقلًا عن أصحابه الحنفية: «من أكره على الكفر فلم يفعل حتى قتل أنه أفضل ممن أظهر الكفر، وقد أخذ المشركون خبيب بن عدي فلم يعط التقية حتى قتل فكان عند المسلمين أفضل من عمار بن ياسر حين أعطى التقية وأظهر الكفر، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: (كيف وجدت قلبك؟) قال: مطمئنًا بالإيمان فقال صلى الله عليه وسلم: (وإن عادوا فعد) ، وكان ذلك على وجه الترخيص» 170.
والأدلة على ذلك ما يلي:
الدليل الأول: ما تواتر ذكره في السيرة النبوية والسنة المطهرة من أن سيدنا بلال بن رباح صبر على ذلك العذاب، وكان يقول: «أحد أحد» ، ولم يقل له رسول الله صلى الله عليه وسلم بئس ما صنعت بل عظمه عليه، فدل ذلك على أنه لا يجب التكلم بكلمة الكفر.
الدليل الثاني: ما روى عبد الرزاق عن معمرٍ، قال: سمعت أن مسيلمة أخذ رجلين من أهل الإسلام، فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟، قال: نعم، وكان مسيلمة لا ينكر أن محمدًا رسول الله، ويقول: هو نبيٌ، وأنا نبيٌ، قال: فقال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟، قال: نعم، قال: أتشهد أن مسيلمة رسول الله؟، قال: نعم، فتركه، ثم جيء بالآخر، فقال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟، قال: نعم، قال: أتشهد أن مسيلمة رسول الله؟، فقال: إني أصم، فقال: أسمعوه، فقال: مثل مقالته الأولى، فقال: إذا ذكروا لك محمدًا سمعت، وإذا ذكروا لك مسيلمة، قلت: إني أصم! اضربوا عنقه، قال: فضربوا عنقه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (أما هذا فقد مضى على يقينٍ، وأما الآخر فأخذ بالرخصة) 171.
وجه الاستدلال بهذا الخبر من وجهين كما ذكرهما الرازي:
الأول: أنه سمى التلفظ بكلمة الكفر رخصة.
والثاني: أنه عظم حال من أمسك عنه حتى قتل 172.
الدليل الثالث من المعقول: أن بذل النفس في تقرير الحق أشق، فوجب أن يكون أكثر ثوابًا.
الدليل الرابع من المعقول أيضًا: أن الذي أمسك عن كلمة الكفر طهر قلبه ولسانه عن الكفر، أما الذي تلفظ بها فهب أن قلبه طاهر عنه إلا أن لسانه في الظاهر قد تلطخ بتلك الكلمة الخبيثة، فوجب أن يكون حال الأول أفضل 173.
3.إعلان الكفار شعائر دينهم ومظاهر كفرهم.
اتفق الفقهاء على إقرار أهل الكتاب وغيرهم بديار الإسلام مقابل الجزية، وانقيادهم لحكم الإسلام في غير العبادات من حقوق الآدميين في المعاملات وغرامة المتلفات، وكذا ما يعتقدون تحريمه، كالزنا والسرقة دون ما لا يعتقدون تحريمه، كشرب الخمر ونكاح المجوس ونحو ذلك 174.
ونقل عن غير واحد من فقهاء السلف وغيرهم أنه لا ينبغي للكفار أو أهل الكتاب من اليهود والنصارى أن يظهروا شعائرهم بديار المسلمين، كمثل ضرب الناقوس، أو إظهار عبادة المسيح أو العزير، والآثار والنصوص الواردة في ذلك كثيرة، أورد منها:
ما روي عن عكرمة قال: قيل لابن عباسٍ رضي الله عنه: أللعجم أن يحدثوا في أمصار المسلمين بناءً أو بيعةً؟ فقال: «أما مصرٍ مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بناءً، أو قال: بيعةً، ولا يضربوا فيه ناقوسًا، ولا يشربوا فيه خمرًا، ولا يتخذوا فيه خنزيرًا، أو يدخلوا فيه، وأما مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ العجم يفتحه الله على العرب ونزلوا، يعني على حكمهم فللعجم ما في عهدهم، وللعجم على العرب أن يوفوا بعهدهم، ولا يكلفوهم فوق طاقتهم» 175.
وقد استدل به ابن القيم في في غير موضع من كتابه أحكام أهل الذمة، وذكر أنه المروي عن الإمام أحمد بن حنبل حين استفتاه الخليفة المتوكل لما ألزم أهل الكتاب بالشروط التي وضعها سيدنا عمر بن الخطاب 176.
ما روي عن ميمون بن مهران قال: كتب عمر بن عبد العزيز: أن يمنع النصارى في الشام أن يضربوا ناقوسًا، ولا يرفعوا صليبهم فوق كنائسهم 177.
ومن نصوص الفقهاء ما قاله الشافعي: «واشترط عليهم ألا يسمعوا المسلمين شركهم، ولا يسمعوهم ضرب ناقوس، فإن فعلوا ذلك عزروا» 178.
وقال ابن القيم: «وقد أبطل الله تعالى الأذان ناقوس النصارى، وبوق اليهود، فإنه -أي: الأذان- دعوةٌ إلى الله تعالى وتوحيده، وعبوديته، ورفع الصوت به إعلاءٌ لكلمة الإسلام، وإظهار لدعوة الحق، وإخماد لدعوة الكفر» 179.
وقال المواق: «ويمنع من إظهار معتقده في المسيح أو غيره، مما لا ضررفيه على المسلمين، لا ما فيه ضرر عليهم، كتغيير معتقدهم، فينتقض عهده بإظهاره» 180.
وقال في فتح العلي المالك: «يجب على من بسط الله تعالى يده بالحكم وولاه أمر المسلمين وأهل الذمة أن يمنعهم من كل ذكر، إذ فيه تعظيم لأعداء الله تعالى ورسوله والمسلمين، وإظهار لشوكتهم وتقوية لهم على المسلمين، وأن يلزمهم بإظهار كل ما فيه مذلةٌ لهم وإخفاء أفراحهم وأعيادهم وجنائزهم وعقائدهم وسائر أمور دينهم، وأجره في ذلك على الله والمسلم الذي يقصد تعظيم غير المسلمين، إن كان لغرضٍ دنيويٍ فهو آثم فاسق تجب عليه التوبة فورا، وإن كان لرفع دينهم فهو مرتد يستتاب ثلاثا، فإن تاب وإلا قتل» 181.
وفي مغني المحتاج: «ويمنع الكافر من إسماع المسلمين قولا شركا، كقولهم: الله ثالث ثلاثة، واعتقادهم في عزير والمسيح، ومن إظهار خمر وخنزير وناقوس وعيد، ومن إظهار قراءتهم التوراة والإنجيل، ولو في كنائسهم، لما في ذلك من المفاسد وإظهار شعائر الكفر، فإن أظهروا شيئا من ذلك عزروا» 182.
وقال البهوتي: «ويمنعون من إظهار منكر كنكاح المحارم، ومن إظهار ضرب ناقوس، ورفع صوتهم بكتابهم أو صوتهم على ميت، وإظهار عيد وصليب» 183.
وبناء على ما سبق، فإنه لا ينبغي أن يمكن الكفار من إظهار شعائر كفرهم أمام المسلمين وفي ديار المسلمين التي تسري عليهم فيها أحكام الإسلام، وينبغي أن يسعى ولاة الأمر في بلاد المسلمين إلى منع ذلك.
نهى الله سبحانه وتعالى في غير موضع من القرآن عن موالاة الكافرين أو اتخاذهم أولياء من دون المؤمنين، نظرًا لعلو مكانة المسلم على غير المسلم، واستثنى من ذلك حالات معينة.
ففي موطن النهي عن اتخاذ الكفار أولياء إلا في حالة التقية.
قال الله تعالى: (لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ? وَمَن يَفْعَلْ ذَ?لِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ? وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ? وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ(28 ) ) [آل عمران: 28] .
والتقاة فسرت بتفسيرين كما ذكرهما ابن العربي: أحدهما: إلا أن تخافوا منهم، فإن خفتم منهم فساعدوهم ووالوهم وقولوا ما يصرف عنكم من شرهم وأذاهم بظاهر منكم لا باعتقاد؛ يبين ذلك قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) على ما يأتي بيانه إن شاء الله، والثاني: أن المراد به إلا أن يكون بينكم وبينه قرابة فصلوها بالعطية 184.
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: (لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ، قال: «نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا الكفار أو يتخذوهم وليجةً من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين، فيظهرون لهم اللطف، ويخالفونهم في الدين، وذلك قوله: (إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) 185.
وروي عن مجاهد في قوله: (لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) إلا مصانعةً في الدنيا ومخالقة 186187.
وعليه فلا يجوز اتخاذ الكفار أولياء أو إظهار موالاتاهم إلا في حالة التقية، كما قال الجصاص: «قوله تعالى: (إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) إلا أن تكون بينه وبينه قرابة فيصله لذلك فجعل التقية صلة لقرابة الكافر وقد اقتضت الآية جواز إظهار الكفر عند التقية، وهو نظير قوله تعالى: (مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) [النحل: 10] .
وإعطاء التقية في مثل ذلك إنما هو رخصة من الله تعالى وليس بواجب بل ترك التقية أفضل» 188.
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول الآية أقوالا فروي عن ابن عباس رضي الله عنه: كان الحجاج بن عمرو بن أبي الحقيق وقيس بن زيد يظنون بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود لا يفتنونكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم فنزلت.
وقال مقاتل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره وكانوا يظهرون المودة لكفار مكة.
وفي موطن آخر بين سبحانه وتعالى أن اتخاذ الكفار أولياء من دون المؤمنين لا يحقق للمسلم عزة ولا ارتفاعًا، فإن العزة تبتغى فيما عند الله تعالى فقال جل شأنه: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ? أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) [النساء: 139] .
وجاء النهي عن اتخاذ الكفار أولياء في موضع آخر صريحًا فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ? أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا) [النساء: 144] .
ثالثًا: إعلان المعاصي:
أمر الله تعالى عباده بطاعته، ونهاهم عن معصيته، ورتب على فعل المعاصي إثما تختلف درجته بحسب درجة المعصية، والمعصية آثارها على المرء وخيمة في الدنيا والآخرة، بحسب درجتها، ومما حذر منه الشرع في المعصية الجهر بالمعصية، فهذا إثم آخر يكتسبه المرء بالإضافة إلى فعل المعصية نفسها.
وقد حذرت السنة النبوية من المجاهرة بالمعصية لما في ذلك من تجرؤ على شرع الله تعالى، وإفساح لمجال انتشار المعاصي وذيوعها بين الناس، فقد روى البخاري بسنده عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل أمتى معافًى إلا المجاهرين، وإن من المجانة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه) 189.
ورواه مسلم بلفظ منصوص فيه على «الإجهار» فقد أخرج بسنده عن زهير بن حرب وغيره بلفظ: (كل أمتى معافاةٌ إلا المجاهرين وإن من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عملًا ثم يصبح قد ستره ربه فيقول: يا فلان قد عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه فيبيت يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه) . قال زهيرٌ: (وإن من الهجار) 190، والمراد بالمعافاة في الحديث في لفظ: «معافى» «معافاة» : دفاع الله تعالى عن العبد يوم القيامة، أو العفو عن ذنبه والمؤاخذة به، ولفظ: الجهار من أجهر «وجهر» ، ولفظ: الهجار هي لغة من الإهجار وهو الفحش والكلام الذي لا ينبغي 191.
ويستحق المجاهر بالمعاصي أن يعامل بالأمور الآتية:
أمرنا الله تعالى باجتناب كثير من الظن، وبين لنا تعالى في سورة الحجرات أن بعض الظن إثم فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ? وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ? أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ ? إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ?12?) [الحجرات: 12] .
فهل المجاهر بالمعصية يجوز أن يساء الظن به أم لا؟ ذكر بعض المفسرين أن أهل السوء والفسق المجاهرون بذلك لنا أن نظن فيهم مثل الذي يظهر منهم 192.
وقال بعض العلماء: «سوء ظن بالمسلمين، وهو ليس بجائز ودفع أن ذلك عند الخصوص وأما على وجه العموم فجائز، أقول: سوء الظن المحرم إما بمجرد الوهم أو الشك، وأما المجاهرون وكذا الذين دل على سوء حالهم الدليل، ولو ظنا غالبا فليس بمحرم بل من قبيل البغض في الله المأمور به» 193.
ذكر بعض العلماء أنه يجب على الإمام إذا رأى قومًا يجاهرون بالعصيان بحيث اشتهروا بذلك، أن يشهر أمرهم بين الناس تنكيلا بهم، وحتى يحذرهم الناس، قال المهلب فيما نقله عنه ابن بطال: «إخراج أهل الريب والمعاصي من دورهم بعد المعرفة بهم واجب على الإمام من أجل تأذي من جاورهم، ومن أجل مجاهرتهم بالعصيان، وإذا لم يعرفوا بأعيانهم فلا يلزم البحث عن أمرهم؛ لأنه من التجسس الذى نهى الله عنه، وليس للسلطان أن يرفع ستر اختفائهم حتى يعلنوا إعلانًا يعرفون به لقوله صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى: (كل عبادى معافون إلا المجاهرين) 194 فحينئذ يجب على السلطان تعييره والنكال به، كما صنع عمر بأخت أبى بكر حين ناحت» 195.
إذا فعل امرؤ معصية في حق آخر وستره الله تعالى، ولكن جهر بها بعد ذلك، فحينئذ ينبغي أن يؤاخذ به، ولا يعفى عنه، كما لو ضربه أو قذفه أو سرق ماله ونحو ذلك، فإن العاصي إذا أقر بذلك أو أعلنه أمام الناس فينبغي أن يعاقبه الحاكم بما يناسب جرمه في حق غيره، كما قال الشيخ إسماعيل حقي: «المجاهرون بالمعاصي لا يعافون بل يؤخذون في الدنيا إن كانت مما يتعلق بالحدود وأما في الآخرة فمطلقًا» 196.
المعروف في الشرع أنه لا يجوز للإنسان أن يخطب على خطبة أخيه حتى يذر الخاطب الأول مخطوبته، فقد ورد في السنة عن ابن عمر -رضى الله عنهما- كان يقول: (نهى النبى صلى الله عليه وسلم أن يبيع بعضكم على بيع بعضٍ، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب) 197.
ولكن ذكر بعض العلماء أنه إذا كان الخاطب الأول فاسقًا أو عاصيًا، أو مجاهرا بمعصيته فإنه لا حرمة في أن يخطب على خطبته من هو أفضل منه وأصلح 198، فالمعصية الظاهرة أو المجاهرة بها أسقطت حق صاحبها في هذا الأمر.
رابعًا: الفواحش القولية والفعلية:
حرم الله تعالى الفواحش بكل أنواعها، خفية كانت أو ظاهرة، قولية أو فعلية، فقال تعالى في معرض ذكر بعض المعاصي المحرم اتيانها: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: 151] .
وقال جل شأنه مبينًا تحريم الفواحش الظاهرة والباطنة: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] .
فتضمنت الآية الأولى نهيا صريحا عن إتيان تلك المحرمات، وفيما يخص الفواحش جاء النهي صريحا عن الاقتراب منها، وتضمنت الآية الثانية خبرًا في صورة النهي عن إتيان الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
وذكر المفسرون تأويلات عدة في المقصود بما ظهر منها وما بطن في الموضعين، فذكر الماوردي على سبيل المثال خمسة وجوه في آية الأنعام، ووجهان في آية الأعراف 199، وذكر ابن الجوزي ستة وجوه في آية الأعراف 200.
ونظرا لاشتراك بعض هذه الأقوال فقد تحصل لدي ثمانية أقوال من كلا الموضعين على النحو التالي:
القول الأول: أن المراد بما ظهر منها الزنا علنا، وما بطن الزنا سرًّا. وهو مروي عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير.
قال الطبري: « {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ} يعني: الزنا {مَا ظَهَرَ} يعني: العلانية، {وَمَا بَطَنَ} في السر وكانوا يتكرمون عن الزنا في العلانية، ويفعلونه في السر 201.
القول الثاني: أن {مَا ظَهَرَ} نكاح الأمهات، {وَمَا بَطَنَ} الزنا. وهذا رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما وبه قال علي بن الحسين.
القول الثالث: أن {مَا ظَهَرَ} نكاح الأبناء نساء الآباء والجمع بين الأختين وأن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، {وَمَا بَطَنَ} الزنا، وهو مروي عن ابن عباس أيضا.
القول الرابع: أن {مَا ظَهَرَ} الزنا، {وَمَا بَطَنَ} العزل. قاله القاضي شريح.
القول الخامس: أن {مَا ظَهَرَ} طواف الجاهلية عراة، {وَمَا بَطَنَ} الزنا. قاله مجاهد.
القول السادس: أن {مَا ظَهَرَ} منها شرب الخمر، {وَمَا بَطَنَ} الزنا. وهو قول الضحاك.
القول السابع: أن {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} : نكاح ذوات الحوانيت، {وَمَا بَطَنَ} : ذوات الاستسرار، قاله ابن عباس، والحسن البصري، والسدي.
القول الثامن: أنه عام في جميع المعاصي وهذا قول قتادة، ثم في {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} قولان:
أحدهما: أن الظاهر العلانية والباطن السر قاله أبو سليمان الدمشقي.
والثاني: أن {مَا ظَهَرَ} أفعال الجوارح والباطن اعتقاد القلوب قاله الماوردي 202.
وعلى جهة الإجمال فإن الفواحش يحرم إتيانها سرا أو جهرًا، ويحرم الجهر بها أمام الناس إذا ابتلي المرء بإتيانها، وما أجمل ما ذكره ابن العربي على جهة العموم في تفسيرها بقوله: «إن كل فاحشة ظاهرة للأعين، أو ظاهرة بالأدلة، كما ورد النص فيه أو وقع الإجماع عليه، أو قام الدليل الجلي به، فينطلق عليها اسم الظاهرة، والباطنة كل ما خفي عن الأعين، ويقصد به الاستتار عن الخلق؛ أو خفي بالدليل؛ كتحريم نكاح المتعة والنبيذ على أحد القولين ونحو ذلك في الصنفين؛ فإن النبيذ وإن كان مختلفا فيه فإن تحريمه جلي في الدليل، قوي في التأويل» 203.
وفي الحديث الصحيح عن عمرو بن مرة عن أبي وائلٍ عن عبد الله رضى الله عنه قال: قلت أنت سمعت هذا من عبد الله قال: نعم، ورفعه قال: (لا أحد أغير من الله، فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدحة من الله، فلذلك مدح نفسه) 204.
وفي موطن ثالث في قصة الإفك تجد الوعيد الشديد في انتظار من يحب إشاعة الفواحش والجهر بها بين المؤمنين نظرًا لما يترتب على إشاعتها من فساد في المجتمع، فقال جل وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19] .
والآية نزلت في واقعة الإفك المعروفة التي نال فيها المنافقون من السيدة عائشة رضي الله عنها، وكان غرضهم الخبيث التشهير بها فأنزل الله تعالى براءتها من فوق سبع سماوات في آيات تتلى إلى يوم القيامة.
والمقصود بحب إشاعة الفاحشة: حب ظهور الزنا وإذاعته كما ذكره غير واحد من المفسرين 205.