فهرس الكتاب

الصفحة 1094 من 2431

الذنب

أولًا: المعنى اللغوي:

الذنب من أذنب يذنب إذنابًا، والذنب هو الاثم والجرم والمعصية، والذنب مفرد، والجمع ذنوب، وجمع الجمع ذنوبات، ويقال: قد أذنب الرجل، أي: صار ذا ذنب، ويطلق الذنب على كل أمر غير مشروع يرتكب 1.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الجرجاني: «الذنب ما يحجبك عن الله تعالى» 2.

وقال المراغي في تفسيره: «الذنب هو التقصير في المعاملة بين العبد وربه» 3.

وقال الشنقيطي: «الذنب هو الجريمة التي يستحق صاحبها النكال» 4.

وبالنظر في التعريفات السابقة نجد أنه لا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، ويمكن تعريف الذنب بأنه: كل فعل يستقبح شرعًا، ويستحق صاحبه العقوبة من الله تعالى.

وردت مادة (ذنب) الدالة على (الذنب) في القرآن الكريم (37) مرة 5.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

اسم (مفرد) ... 11 ... {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) } [الشعراء:14]

اسم (جمع) ... 26 ... {فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران:135]

وجاء الذنب في القرآن الكريم بمعناه اللغوي، وهو الإثم والجرم والمعصية 6.

قال الله سبحانه وتعالى: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11) } [الملك:11] ، أي: فأقروا بمعصيتهم وجرمهم.

الإثم:

الإثم لغة:

من أثم. الهمزة والثاء والميم أصل واحد، يدل على التأخر 7

الإثم اصطلاحًا:

عرفه الجرجاني بأنه: «ما يجب التحرز منه شرعًا وطبعًا» 8، وهو أيضًا التأخر عن فعل الطاعات 9.

الصلة بين الذنب والاثم:

الذنب عبارة عن ارتكاب المحظور، أما الإثم فهو التقصير في عمل مطلوب 10.

الجرم:

الجرم لغةً:

هو الكسب، وجمعها أجرام وجروم 11.

الجرم اصطلاحًا:

«هو الجناية والذنب العظيم» 12.

الصلة بين الذنب والجرم:

الذنب يقال في معرض بيان العقوبة المترتبة على ارتكاب المخالفة، أما الجرم فيقال في معرض الاستقباح والذم للفعل الذي يخالف أمر الله أو يهينه 13.

الخطيئة:

الخطيئة لغةً:

هي الذنب، وجمعها خطايا 14.

الخطيئة اصطلاحًا:

«هي الذنب المقصود المتعمد» 15.

الصلة بين الذنب والخطيئة:

الذنب إما أن يكون خطأ، وإما أن يكون عمدًا 16، أما الخطيئة فلا تكون إلا عمدًا 17.

السيئة:

السيئة لغةً:

من سوء بمعنى القبح 18.

السيئة اصطلاحًا:

«هي التقصير في حقوق العباد ومعاملة الناس بعضهم بعضًا» 19.

الصلة بين الذنب والسيئة:

الذنب يكون بالتقصير في حق الله تعالى 20، أما السيئة تكون بالتقصير في حق العباد 21.

من رحمة الله تعالى بعباده أنه لم يغلق باب العفو والصفح عمن ضل طريق الحق باتباع أهوائه وشيطانه، فقال تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] .

ولأهمية العفو والمغفرة في حياة المؤمن لزم التعرف على معنى كلًا من العفو والمغفرة، وعلى الفرق بينهما، وعلى مدى عفو ومغفرة الله تعالى لعباده المذنبين.

أولًا: المغفرة في حق الله تعالى:

مغفرة الذنوب قضية خاصة بالله تعالى، فلا أحد يملك غفران الذنوب سواه جل وعلا، وهذا ما أكد عليه المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم في قوله: (سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) 22.

كما وردت آيات كثيرة تنسب صفة الغفران لله تعالى، منها قوله تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [غافر:2 - 3] .

ومنه قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران:89] .

وقوله تعالى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} [ص: 66] .

ومنه قوله تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} [الأعراف: 155] .

وغيرها من الآيات.

ومن أسماء الله تعالى الحسنى:

الغافر: وهو على وزن (فاعل) ، وقد ورد في القرآن مرة واحدة في قوله تعالى: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [غافر: 3] .

ومعناه أنه سبحانه يغفر ما سلف من الذنوب 23.

الغفَار: صيغة مبالغة على وزن (فعال) ، والمعنى أنه جل وعلا هو الذي يستر ذنوب عباده ويغطيها 24.

الغفور: صيغة مبالغة على وزن (فعول) ، وهي من غفر بمعنى ستر، والفرق بين الغفور والغفار، أن الغفار مبالغة في المغفرة مع تكرارها، أما الغفور أي: مغفرة عالية الجودة شاملة لكافة الذنوب 25.

العفو: وهو المتجاوز عن سيئات العباد 26.

والفرق بين العفو والمغفرة: أن العفو هو «ترك العقاب على الذنب، والمغفرة تغطية الذنب بإيجاب المثوبة» 27.

لذا كان من أهم الدعاء في ليلة القدر، ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: (يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: قولي،(اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) 28.

يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: «العفو هو المتجاوز عن سيئات عباده» 29.

وكان من أهم ما أوصى به ربنا عباده فعل الخيرات لأنها تزيل السيئات.

قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114] .

ومعنى {يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} أي: يغفر الله بهن تلك المعاصي 30.

إن في العفو مبالغة ليست في الغفور، فإن الغفران ينبئ عن الستر، والعفو ينبئ عن المحو، وهو أبلغ من الستر، لأن الستر للشيء قد يحصل مع إبقاء أصله، بخلاف المحو فإنه يزيل الشيء جملة وتفصيلًا 31.

مما سبق يمكن القول بأن العفو هو محو أصل الذنب مع إسقاط العقوبة المترتبة عليه، أما المغفرة فهي الإبقاء على الذنب مع إسقاط العقوبة المترتبة على هذا الذنب.

ويؤيد ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن صفوان بن محرز المازني، قال: بينما أنا أمشي مع ابن عمر رضي الله عنهما آخذ بيده، إذ عرض رجل، فقال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه وستره، فيقول: نعم، أي رب، حتى إذا قر بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم) 32.

ثانيًا: علم الله بذنوب عباده:

يقول الله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126] .

ويقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال: 75] .

هاتان الآيتان الكريمتان من كتاب الله تعالى، تفيدان بأن الله تعالى:

أولًا: بكل شيءٍ محيط، والمعنى أنه تعالى أحاط بكل شيء علمًا، وقدرة، ورحمة، وتدبيرًا 33.

ثانيًا: عليم بالغيب والشهادة، والظاهر، والباطن، وغير ذلك مما دق أو عظم 34.

قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} [الرعد: 9 - 10] .

وقال تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19] .

مما سبق يمكن القول أن ذنوب العباد هي كسائر أعمالهم غير خافية على الله تعالى، سواء أكانت حقيرة أم عظيمة، وهذا ما ذكره القرآن الكريم في مواضع منها:

قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} [الإسراء: 17] .

«أي: وكفى بالله خبيرًا بذنوب خلقه مطلعًا عليها، يحصي عليهم أعمالهم ومعاصيهم، فلا يخفى عليه شيء من أفعال المشركين وغيرهم، وهو عالم بجميع أعمالهم خيرها وشرها، لا يخفى عليه منها خافية، والخبير: العليم بهم، والبصير: الذي يبصر أعمالهم، وفي هذا تنبيه على أن الذنوب هي أسباب الدمار والهلاك لا غير، وأن الله عالم بها، ومعاقب عليها» 35.

قوله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 58] .

«أي: وحسبك بالحي الذي لا يموت، خبيرًا بذنوب خلقه ما ظهر منها وما بطن، فهو لا يخفى عليه شيء منها، وهو محصيها عليهم ومجازيهم عليها» 36.

ومما تجدر الإشارة إليه أن علم الله تعالى بذنوب عباده لا يكون عقب ارتكابها، وإنما يكون قبل ذلك، أي: منذ الأزل، فعلم الله تعالى هو علم أزلي.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة) 37.

كما تجدر الإشارة إلى أن علم الله تعالى الأزلي بأن الذنوب ستقع من العباد لا يؤثر على أفعال العباد، وبالتالي فعلم الله تعالى المسبق بوقوع الذنب لا يحمل صاحب الذنب على اقتراف الذنب، وإنما يكون اقتراف الذنوب باختيار العباد، على الرغم من بيان الله تعالى ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم طريق الهداية وحثهم على سلوكه، قال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3] .

يقول سيد سابق في تفسير هذه الآية: «أي: هديناه وأرشدناه إلى طريق الحق والباطل، والخير والشر، والصدق والكذب، فهو إما سلك السبيل الأهدى، فيكون شاكرًا، أو الطريق المعوج، فيكون كفورًا» 38.

وهذا يدل على أن الإنسان مخير في أفعاله لا مسير، كما تجدر الإشارة أيضًا إلى أن وقوع الذنوب لا يخرج عن مشيئة الله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29] .

مما لا شك فيه أن هنالك تفاوتًا بين المخالفات الشرعية، وهذا الاختلاف يعود إلى تباين الأثر القبيح الذي تتركه تلك الذنوب والمخالفات، ولمزيد المعرفة لهذه المسألة، لابد من التعرف على مراتب ما يرتكبه العباد من الذنوب، وبيان ذلك كما يأتي:

أولًا: الكبائر:

الكبائر: هي الذنوب التي ورد في حقها لعنة أو غضب أو نار أو وعيد شديد 39.

يقول تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31] .

وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) 40.

ذكر في هذا الحديث سبعًا من الكبائر، وذكر في أحاديث أخرى غيرها: مثل عقوق الوالدين، قول الزور، اليمين الغموس.

فالكبائر لا تنحصر في عدد معين، فقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن الكبائر أسبع هي؟ فقال: «هي إلى السبعين أقرب» 41.

ومن أمثلة على الكبائر:

1.الشرك بالله.

الشرك بالله من أكبر وأعظم الكبائر.

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] .

وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء:48] .

عن ابن مسعود قال: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل الله ندًا وهو خلقك) 42.

والشرك بالله ينقسم إلى قسمين:

الأول: الشرك الأكبر: وهو أن يتخذ العبد مع الله شريكًا أو ندًا يعبده كما يعبد الله، ويدعوه كما يدعو الله، ويرجوه كما يرجو الله، ويخافه كما يخاف الله، وهو مخرج من ملة الإسلام، وإن مات صاحبه عليه يكون مخلدًا في نار جهنم، ولا يخفف عنه من عذابها 43.

الثاني: الشرك الأصغر: و «هو كل وسيلة وذريعة يتطرق منها إلى الشرك الأكبر من الإرادات، والأقوال، والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة» 44.

والشرك الأصغر، لا يخرج صاحبه من الملة، وإذا مات عليه ولم يتب منه، فهو تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه، ولو عذبه الله سبحانه، فإنه لا يخلد في النار، وينال الشفاعة بإذن الله تعالى 45.

2.السحر.

السحر: «أمر يمكن تعلم قواعده ومعرفته بالممارسة» 46.

قال تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة:102] .

ومما سبق يتضح أن السحر من أكبر الكبائر، ومن أعظم المصائب، وهو من الكفر.

3.قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.

وهو الاعتداء على الإنسان وإزهاق روحه عمدًا دون وجه حق 47.

وهذا الفعل حرمه الإسلام، واعتبره من أكبر الكبائر التي توقع صاحبها في الهلاك يوم القيامة.

قال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء:93] .

4.أكل الربا.

وهو أخذ زيادة على أصل المال وفائدة دون بيع صحيح مشروع 48.

قال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:275] .

فلذلك يعتبر الربا من أكبر الكبائر عند الله تعالى، وقد توعد الله صاحبه بالنار، وآذنه بالحرب إن أصر عليه ولم يتب.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة:278 - 279] .

5.أكل مال اليتيم.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء:10] .

حرم الله تعالى أكل مال اليتيم بغير حق، وذلك عن طريق إتلافه، فلا يجوز الاقتراب من مال اليتيم إلا لفائدة أو مصلحة لليتيم، وذلك عن طريق حفظه، واستثماره، وتنميته، والأكل منه حال الفقر والحاجة، حتى يصبح رشيدًا، أي: يبلغ مبلغ الرجال، فبعد ذلك يسلم له المال 49.

قال تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [النساء:6] .

6.التولي يوم الزحف.

أي: الفرار من أرض المعركة، حرم الإسلام الفرار من أرض المعركة، وجعله من المهلكات، والكبائر 50.

لذلك فلا يجوز الفرار من أرض المعركة إلا للمكيدة، والخدعة بالأعداء، فالذي يفر من أرض المعركة يستحق الغضب من الله، والعذاب في نار جهنم 51.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال:15 - 16] .

7.قذف المحصنات.

أي: يرمون المسلمات الحرائر العفيفات الطاهرات بالفاحشة، وهن بريئات من ذلك 52.

فقد جاء الإسلام ليحفظ أعراض الناس، لذلك حرم الفاحشة، وكل ما يوصل للفاحشة، كما وضع الإسلام عقوبة لمن خاض في أعراض الناس، ولم يأت بأربعة شهود فجزاؤه كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:4] .

وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:23] .

ثانيًا: الصغائر:

الصغائر: هي الذنوب اليسيرة التي لم تقترن بوعيد أو بحد مقدر، فالشخص يرتكبها بدون إصرار عليها 53.

والذنوب اليسيرة التي يرتكبها الإنسان بدون إصرار عليها أو استهانة بها أو مداومة عليها، إذا أتبعها فاعلها بالتوبة الصادقة النصوح، يذهبها الله تعالى ويغفرها 54.

قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود:114] .

فالله عز وجل جعل باب التوبة مفتوحًا لعباده.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) } [الفرقان:68 - 70] .

وقد سمى القرآن الكريم الصغائر: لممًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت