فهرس الكتاب

الصفحة 2196 من 2431

إذا كان الله تعالى أقسم بذات النجوم صراحة فإنه أقسم كذلك ببعض أحوال النجوم وأوصافها، ومن هذه الأوصاف ما يلي:

وهذه من أوصاف النجوم التي أقسم الله تعالى بها.

قال تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) [النجم:1] .

فها هنا يقسم الباري جل جلاله بالنجم عند هويه، أي: «سقوطه في الأفق في آخر الليل عند إدبار الليل وإقبال النهار» 99 ولهذا القسم دلالات عدة، منها:

الأول: التأكيد على تسخير الله: يقول الطاهر ابن عاشور عن سر تقييد القسم بحالة هوي النجم: «تقييد القسم بالنجم بوقت غروبه لإشعار غروب ذلك المخلوق العظيم بعد أوجه في شرف الارتفاع في الأفق على أنه تسخير لقدرة الله تعالى» 100. فالنجم بعدما كان في قمة الارتفاع وذروته يأفل ويغيب، وفي هذا ما يدل على أن خلف هذه الموجودات إله قوي قادر لا يغيب مسخر وقاهر لها تظهر متى شاء؛ وكذلك تأفل متى أراد.

وهكذا يظهر لنا أن القسم بالنجوم حال هويها من مقاصده الدلالة على عظيم قدرة الله تعالى في خلقه، وعلى عظيم قدرته في تسخير خلقه.

الثاني: التأكيد على صحة ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم:

ويظهر ذلك من معرفة المقسم عليه، وهو قوله تعالى: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) [النجم:2] .

فكأن الله أقسم بالنجم حال هويه؛ للتأكيد على «صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الوحي الإلهي» 101 وذلك لأن الله تعالى «لما جعل النجوم زينة للسماء كذلك جعل الوحي وآثاره زينة للأرض، فلولا العلم الموروث عن الأنبياء، لكان الناس في ظلمة أشد من الليل البهيم» 102.

ولا غرو فإن «ظهور النبي صلى الله عليه وسلم -في مكة- كان في ظلمة ليل بهيم، أطبق على العالم بأسره، فكان ظهور دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أشبه بالنجم الذي يرى منه المدلجون في الليل هاديًا، إذا هم رفعوا رؤوسهم إلى السماء، ومدوا أبصارهم إليه» 103.

وهكذا يظهر لنا أن من دلالات القسم بالنجم حال هويه التأكيد على صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.

ومما يؤكد هذا أيضًا قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ?75?وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ?76?إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ?77?) [الواقعة:75 - 77] .

فها هنا يقسم تعالى بمواقع النجوم، أي: «مساقطها في مغاربها» 104.

والمقسم عليه «هو إثبات القرآن، وأنه حق لا ريب فيه، ولا شك يعتريه، وأنه كريم أي: كثير الخير، غزير العلم» 105.

قال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} [التكوير:15 - 16] .

وفي القسم بخنس النجوم وكنسها دلالات عدة منها:

الأول: التأكيد على قدرة الله تعالى وربوبيته.

أقسم الله جل جلاله بخنس النجوم وكنسها «لينوه بشأنها من جهة ما في حركاتها من الدلائل على قدرة مصرفها ومقدرها، وإرشاد تلك الحركات إلى ما في كونها من بديع الصنع، وإحكام النظام» 106.

فالنجوم «تزيد على عدة بلايين نجم، منها ما يمكن رؤيته بالعين المجردة، وما لا يرى إلا بالمجاهر والأجهزة، وما يمكن أن تحس به الأجهزة دون أن تراه، هذه كلها تسبح في الفلك الغامض، ولا يوجد أي احتمال أن يقترب مجال مغناطيسي لنجم من مجال نجم آخر، أو يصطدم بكوكب آخر، إلا كما يحتمل تصادم مركب في البحر الأبيض المتوسط بآخر في المحيط الهادي، يسيران في اتجاه واحد وبسرعة واحدة، وهو احتمال بعيد، وبعيد جدًا، إن لم يكن مستحيلًا» 107. فأن تكون النجوم بهذا الضبط وذاك النظام فهذا لا شك من أعظم دلائل قدرة الباري جل جلاله.

الثاني: من دلائل البعث والنشور.

ذكرت السورة في بدايتها انهدام الكون وخرابه، وعودة جميع الخلق إلى الرب تعالى للحساب والثواب والعقاب، وهذا يشير للبعث والنشور، فجاء القسم بخنس النجوم وكنسها؛ ليدل «على قدرة الله تعالى على بعث الموتى من القبور، وعلى إعادة هذه العظام البالية، وإلباسها لباس الحياة من جديد» 108؛ إذ تنقل النجوم الهائلة ذات الأحجام الكبيرة من حال إلى حال، ومن وجود وظهور إلى عدم وخفاء من أعظم براهين القدرة، فالذي يفعل هذا بالنجوم فيخفيها بعد ظهور ويظهرها بعد خفاء لا يعجزه فعل هذا بالإنسان الضعيف.

رابعًا: النجوم وقيام الساعة:

أخبر الله تعالى عن النجوم -كما سبق معنا- أنها زينة، وجعل زينتها آية من آيات قدرته، ودلائل عظمته، ثم أخبرنا تعالى أيضًا- أن هذه النجوم يأتي عليها وقت فينمحي ضوؤها، ويذهب نورها، وينقلب حالها، فتتبدد وتتفرق وتضطرب، فتصير مدعاة للخوف والرعب بعدما كانت في الدنيا مدعاة للفرح والسرور والابتهاج.

وهذا الانقلاب في أحوال النجوم جعله الله علامة من علامات يوم القيامة التي تكشف عن مشاهد الرعب والفزع في هذا اليوم العظيم، والتي تبين اختلال النظام الكوني كله آنئذٍ.

وقد جاء هذا المعنى في ثلاث آيات من كتاب الله:

الأولى: قوله تعالى: {فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ} [المرسلات:8] .

وقد جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ} [المرسلات:7] .

لينبه أن طمس النجوم من علامات هذا اليوم الذي يلاقون فيه ما يوعدون.

«وطمست أي: ذهب ضوؤها ومحي نورها كطمس الكتاب، يقال: طمس الشيء إذا درس» 109. فيكون أول أحوال النجوم المؤذنة بقيام الساعة أن يطمس نورها وينمحي.

الثانية: قوله تعالى: {وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ} [التكوير:2] .

وفي معنى الانكدار قولان للعلماء:

أحدهما: السقوط والتناثر.

وثانيهما: التغير.

يقول الطبري رحمه الله: «قوله: {وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ} [التكوير:2] .

يقول: وإذا النجوم تناثرت من السماء فتساقطت، وأصل الانكدار: الانصباب، وقال آخرون: انكدرت: تغيرت» 110.

«وهذان القولان ليس بينهما تضاد، بل الثاني من لوازم الأول، والمعنى أنها إذا تساقطت كما قال تعالى: {وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ} [الانفطار:2] .

فإنها تتغير ويذهب ضوؤها» 111.

الثالثة: قوله تعالى: {وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ} [الانفطار:2] .

والانتثار أيضًا من الأحوال التي تحدث للنجوم يوم القيامة، ومعناه: سقوطها من مواضعها متفرقة 112. وأصل النثر: «رميك الشيء متفرقًا» 113. يقال: «انتثر: تفرق» 114.

وليس بينهما تعارض فالتناثر توضيح لهيئة أو صفة تساقطها أو من لوازمه؛ إذ يلزم من تساقطها تناثرها وتفرقها.

وبعد هذا العرض لمعاني الطمس والانكدار والانتثار نقول:

قد تكون هذه مراحل مختلفة متلاحقة تمر بها النجوم يوم القيامة، تبدأ بطمس نورها، ثم تناثرها متفرقة، وسقوطها على الأرض، يقول الزمخشري: «ويجوز أن يمحق نورها، ثم تنتثر ممحوقة النور» 115.

ويكون الانكدار بيانًا للحال العامة للنجوم يومئذٍ، وهي تغير أحوالها من طمس نورها، وذهاب ضوئها، وتساقطها من جو السماء متناثرة.

وهكذا يظهر لنا كيف أن القرآن ذكر من أحوال النجوم ما هو علامات ودلائل على قيام الساعة، ونسأل الله النجاة من أهوال هذا اليوم.

موضوعات ذات صلة:

الآيات الكونية، الأرض، الجبال، السماء، الشمس، القمر

1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 396، مجمل اللغة، ابن فارس 1/ 857، الكليات، الكفوي 1/ 887، العين، الفراهيدي 6/ 154.

2 انظر: الصحاح، الجوهري 5/ 2039.

3 انظر: المفردات، الراغب الأصفهانى 1/ 791، المصباح المنير، الفيومي 2/ 594.

4 انظر: تاج العروس، الزبيدي 33/ 480، لسان العرب، ابن منظور 12/ 568.

5 انظر: معجم لغة الفقهاء، محمد قلعجي، وحامد قنيبي 1/ 475، القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب 1/ 348.

6 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص 688 - 689.

7 انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص 580 - 581، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص 444 - 445.

8 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 124، مجمل اللغة، ابن فارس 1/ 766.

9 انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده 6/ 670، شمس العلوم، نشوان الحميري 9/ 5873، لسان العرب، ابن منظور 1/ 721، مختار الصحاح، الرازي ص 271.

10 التعريفات، الجرجاني ص 188.

11 المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/ 793.

12 الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري 1/ 459.

13 انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 5/ 20.

14 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 212، مجمل اللغة، ابن فارس 1/ 511.

15 التعريفات، الجرجاني ص 129.

16 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 25.

17 -انظر: المعجم الوسيط 2/ 758.

18 في ظلال القرآن، سيد قطب 3/ 1295 بتصرف.

19 التحرير والتنوير، ابن عاشور 8/ 168 - 169 بتصرف.

20 موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة لمحمد راتب النابلسي 2/ 39.

21 في ظلال القرآن، سيد قطب 6/ 3447 - 3448.

22 الله يتجلى في عصر العلم، نخبة من العلماء الأمريكيين ص 147.

23 التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/ 116.

24 المصدر السابق 14/ 116.

25 التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب 7/ 275 بتصرف يسير.

26 المصدر السابق.

27 التفسير المنير، الزحيلي 17/ 176 بتصرف يسير.

28 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/ 403.

29 انظر: زاد المسير، ابن الجوزي 2/ 563 - 564.

30 المصدر السابق 4/ 206.

31 انظر: جامع البيان، الطبري 22/ 12، المحرر الوجيز، ابن عطية 5/ 224، أنوار التنزيل، البيضاوي 5/ 170، إرشاد العقل السليم، أبو السعود 8/ 177.

32 تفسير المنار 7/ 530.

33 أيسر التفاسير، الجزائري 2/ 96.

34 جامع البيان، الطبري 17/ 185.

35 قال القاسمي: مراده اعتقاد مناف للعقد الصحيح، لا اعتقاد حكم وأسرار غير الثلاث فيها، إذ فوائد المكونات غير محصور. وذكر حكمة في مكون لا ينفي ما عداها. محاسن التأويل 4/ 442.

36 التفسير القرآني للقرآن 4/ 247.

37 جامع البيان، الطبري 11/ 561.

38 التحرير والتنوير 14/ 122.

39 في ظلال القرآن، سيد قطب 2/ 1159.

40 في ظلال القرآن، سيد قطب 6/ 3633.

41 التفسير الميسر ص 263.

42 محاسن التأويل، القاسمي 6/ 332.

43 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 430.

44 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 10/ 9 بتصرف.

45 التحرير والتنوير، ابن عاشور 23/ 87.

46 في ظلال القرآن، سيد قطب 6/ 3634 باختصار.

47 في ظلال القرآن، سيد قطب 4/ 2133.

48 التفسير الوسيط، طنطاوي 8/ 27 - 28.

49 التحرير والتنوير، ابن عاشور 23/ 87.

50 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، 4/ 111، رقم 3210.

51 التفسير الميسر ص 562.

52 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 430 بتصرف.

53 المصدر السابق.

54 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله: (إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين) ، 6/ 80، رقم 4701.

55 تفسير الشعراوي 12/ 7667.

56 في ظلال القرآن، سيد قطب 6/ 3630 - 3631.

57 مفاتيح الغيب، الرازي 30/ 583.

58 التفسير الموضوعي للقرآن، مجموعة مؤلفين 8/ 272.

59 التحرير والتنوير، ابن عاشور 29/ 21.

60 المصدر السابق.

61 انظر: التفسير الميسر ص 562.

62 التحرير والتنوير، ابن عاشور 29/ 21.

63 التفسير الميسر ص 478.

64 في ظلال القرآن، سيد قطب 5/ 2980.

65 المصدر السابق 5/ 2983 بتصرف.

66 التفسير الميسر ص 446.

67 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/ 6.

68 المصدر السابق.

69 التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب 12/ 966.

70 التحرير والتنوير، ابن عاشور 23/ 93.

71 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 701.

72 التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب 12/ 966.

73 في ظلال القرآن، سيد قطب 5/ 2984.

74 التفسير الوسيط، طنطاوي 15/ 135.

75 التفسير الميسر ص 572.

76 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 891.

77 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/ 240.

78 مفاتيح الغيب، الرازي 30/ 670 بتصرف.

79 انظر: تفسير القشيري 3/ 491، تفسير المراغي 27/ 67 بتصرف.

80 جامع البيان، الطبري 22/ 550.

81 مفاتيح الغيب، الرازي 29/ 283.

82 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 17/ 119.

83 في ظلال القرآن، سيد قطب 6/ 3418.

84 التحرير والتنوير، ابن عاشور 27/ 152.

85 في ظلال القرآن، سيد قطب 6/ 3418.

86 المصدر السابق.

87 المحرر الوجيز، ابن عطية 4/ 467.

88 مفاتيح الغيب، الرازي 31/ 117 بتصرف.

89 زاد المسير، ابن الجوزي 4/ 408.

90 التحرير والتنوير، ابن عاشور 30/ 152.

91 معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 5/ 291.

92 معالم التنزيل، البغوي 8/ 349.

93 في ظلال القرآن، سيد قطب 6/ 3841.

94 انظر: الكشاف، الزمخشري 4/ 734، مفاتيح الغيب، الرازي 31/ 117.

95 إرشاد العقل السليم، أبو السعود 9/ 140.

96 التفسير الوسيط، طنطاوي 15/ 352.

97 مفتاح دار السعادة، ابن القيم 1/ 197.

98 التحرير والتنوير، ابن عاشور 27/ 90 بتصرف.

99 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 818.

100 المصدر السابق.

101 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 818 بتصرف.

102 المصدر السابق.

103 التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب 14/ 586.

104 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 836.

105 المصدر السابق.

106 المصدر السابق.

107 الله والعلم الحديث، عبد الرزاق نوفل ص 33.

108 التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب 14/ 734.

109 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 19/ 157.

110 انظر: جامع البيان، الطبري 24/ 239.

111 تفسير جزء عم، مساعد الطيار ص 64.

112 انظر: جامع البيان، الطبري 24/ 174، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 5/ 295، المحرر الوجيز، ابن عطية 5/ 446، معالم التنزيل، البغوي 5/ 219.

113 المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده 10/ 137.

114 المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/ 900.

115 الكشاف، الزمخشري 4/ 678.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت