فكان أثبت الناس قدمًا، وأصدقهم عزمًا. يشيب شعره ولا تشيب عزيمته. بعكس من اشتهر بالتواني والفتور والكسل، ولم يتمرس بالعزم، تراه شابًا في بدنه، وشيخًا في عزيمته وهمته.
يتفاوت العزم قوة وضعفًا بقدر حظ صاحبه من مادة حياة القلب، وقوة الباعث والمنادي، ووجود المساعد والحادي، وبقدر أخذه من أسباب النجاح والتوفيق. فإذا اجتمع له من جملة العوامل المذكورة ما يجيز به أنجح وأفلح، وإلا خاب وخسر. وفيما يأتي نتناول أهم العوامل المؤثرة على العزم قوةً، ولا يخفى أن انتفاءها أو ضعفها يضعف العزم ويحط بالهمة، وبضدها تتميز الأشياء.
أولًا: الإيمان بالله:
تقدم أن العزم من باب الإرادات فهو من أعمال القلوب، والقلب للأعضاء كالملك المتصرف في الجنود، فتصدر كلها عن أمره، يستعملها فيما شاء، وتكتسب منه الاستقامة والزيغ، وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله 77، فمتى كان القلب حيًا متيقظًا صح العزم، وتمت الإرادة، ومتى كان ميتًا أو مريضًا لم يستقم له عزمٌ في خيرٍ. وقد ضرب الله عز وجل مثلًا للمؤمن والكافر بالحي والميت فقال: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 122] .
فهل للميت من إرادةٍ فضلًا عن أن يكون له عزمٌ؟! ولا شك أن إيمان القلب ينعكس أثره على عمل الظاهر فيتميز العازم الحازم من المرتاب الشاك الحيران، يقول شيخ الإسلام: «والقرآن يبين أن إيمان القلب يستلزم العمل الظاهر بحسبه، كقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 47 - 51] .
فنفى الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول، وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم سمعوا وأطاعوا؛ فبين أن هذا من لوازم الإيمان» 78.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير) 79.
والقوة المحمودة ها هنا هي القوة الإيمانية، وعلى قدرها تكون القوة في الطاعة، فإن وافقت قوة في البدن كان صاحبها أكثر عملًا، وأطول قيامًا، وأكثر صيامًا وجهادًا وحجًا. وقد تكون القوة إشارة إلى عزيمة النفس والحزم، فيكون أتم إقدامًا على العدو في الجهاد، وأشد عزيمة في تغيير المنكر، والصبر على إيذاء العدو، واحتمال المكروه والمشاق في ذات الله، أو تكون القوة بالمال والغنى فيكون أكثر نفقة في سبيل الخير، وأقل ميلًا إلى طلب الدنيا، والحرص على جمع شئ فيها. وكل هذه الوجوه ظاهرة في القوة 80.
وهي متلازمة؛ لأن قوة الطاعة تأتي على قدر الهمة والعزيمة، ومثل ذلك يقال في القوة المالية؛ إذ إن المال لا يكون قوة ممدوحةً إلا إذا أنفق في أبواب الخير، والجود بالمال فرعٌ عن الجود بالنفس والبدن، فآل الأمر إلى أن القوة الممدوحة هي القوة الإيمانية التي يتولد عنها قوةٌ في العزم.
والقوة الإيمانية أن يعمل المؤمن بعزائم الشرع في مواطنها، وأن لا يجبن على الأخذ برخص الشرع في مواطنها، وأن لا يترك المسلمين من يده حفاظًا لدينهم، واهتمامًا بهم، ذكرهم وأنثاهم، عالمهم وجاهلهم. وأما المؤمن الضعيف فعلى ضد ذلك يكون قانعًا بأن يسلم بنفسه 81. وهو ما ينشأ عنه نوعٌ من الحرص والإحجام عن مواطن الرفعة، ومظان السمو، وقبض اليد عن مواطن العطاء.
والمنافق إنما يؤتى انتقاض عزمه من ثلمة يقينه، إذ لا يزال شاكًا حائرًا مترددًا متذبذبًا، فلا يتصور أن ينعقد له عزمٌ، أو يصح له فعلٌ. وهؤلاء موصوفون بقوله تعالى: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء: 143] .
وبقوله تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة: 45] .
وبقوله تعالى: {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71] .
والقدر المشترك بين هذه الآيات أنها تصور حالة الكافر والمنافق من الحيرة والريبة والاضطراب، فهو أبعد ما يكون عن العزم.
ثانيًا: العلم ووضوح الغاية:
العالم أبصر الناس بالعواقب، وعلى قدر علمه تكون بصيرته، وعلى قدر بصيرته تكون عزيمته.
قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] .
ويقول تعالى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سبأ: 6] .
وبدلالة المفهوم فإن الذين لم يؤتوا العلم لا يرونه كذلك، فهم يتقلبون في شكهم وريبهم وضلالهم. ولا شك أن التفكر في ثمرات الأمر ومغباته يأطر القلوب الصافية والألباب الواعية على الجد والاجتهاد، وأن البصيرة بالعواقب تورث اليقظة والعزيمة، وكما قيل: البصيرة ما خلصك من الحيرة 82.
وإن عقل العاقل وعلمه لم يزل به من همٍ إلى همٍ، ومن عزمٍ إلى عزمٍ؛ حتى ينضي بدنه كما ينضي المسافر بعيره في تطلاب المآثر والمفاخر والمحامد، في الوقت الذي يتمتع فيه الجاهل على وثير أمن المغبات، وفاره دواب الشهوات.
إن عدم وضوح الأهداف والغايات فرعٌ عن الجهل وضعف الإيمان بالله. وقد شبه الله عز وجل الكفار بالأنعام، بل جعلهم أضل من الأنعام، ذلك أن الأنعام تأكل وتتمتع، وربما كان القصاب يشحذ سكينه أمامها، فهي لا ترى أبعد من أنفها، ولا تطمح إلى أكثر من كومة الكلإ بين يديها.
قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179] .
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} [محمد: 12] .
والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ.
يقول سيد قطب: «إن الفارق الرئيسي بين الإنسان والحيوان أن للإنسان إرادةً وهدفًا وتصورًا خاصًا للحياة يقوم على أصولها الصحيحة المتلقاة من الله خالق الحياة، فإذا فقد هذا كله فقد أهم خصائص الإنسان المميزة لجنسه، وأهم المزايا التي من أجلها كرمه الله» 83.
فلا هم لمن كان كذلك إلا تحصيل عاجل الأمر، ولو بتفويت آجله، وإيثار فانيه، ولو بتضييع باقيه.
يقول تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 19] .
فمن كانت الدنيا همه وطلبته ونيته، يعمل لها ويسعى في تحصيلها، لا يوقن بمعادٍ، ولا يرجو ثوابًا، ولا يخاف عقابًا عجل الله له فيها ما يشاء من توسيع وتقتيرٍ، لا ينال منها إلا ما قدره الله عز وجل له، ثم هو في الآخرة في عذاب جهنم مذمومٌ مدحورٌ.
وقيد الأمر تقييدين، أحدهما: تقييد المعجل بمشيئته. والثاني: تقييد المعجل له بإرادته، وهكذا الحال ترى كثيرًا من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضًا منه، وكثيرًا منهم يتمنون ذلك البعض وقد حرموه، فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة، وأما المؤمن التقي فقد اختار مراده وهو غنى الآخرة، فما يبالي أوتي حظًا من الدنيا أو لم يؤت، فإن أوتي فيها، وإلا فربما كان الفقر خيرًا له، وأعون على مراده 84.
وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة) 85.
ومن أحب الدنيا كره الموت إذ عَمَّر الفانية وخرب الباقية، فكره الانتقال من العمران إلى الخراب. وحقيقة كره الموت كره لقاء الله، ومن كره الموت وأساء الظن بالله جمع كل أسباب الجبن.
قال ابن القيم: «والجبن خلق مذمومٌ عند جميع الخلق، وأهل الجبن هم أهل سوء الظن بالله، وأهل الشجاعة والجود هم أهل حسن الظن بالله كما قال بعض الحكماء في وصيته: عليكم بأهل السخاء والشجاعة فإنهم أهل حسن الظن بالله، والشجاعة جُنةٌ للرجل من المكاره، والجبن إعانة منه لعدوه على نفسه، فهو جندٌ وسلاحٌ يعطيه عدوه ليحاربه به» 86.
والجبان حريصٌ على الحياة وإن حقرت، لا يصدق له عزمٌ على مكرمة، ولا صبرٌ عن معرة يقول تعالى في وصف اليهود: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ} [البقرة: 96] .
وموقفهم من أمر موسى عليه السلام لهم بدخول الأرض المقدسة يصور جبنهم، وترددهم، ووهنهم يقول لهم موسى: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة] .
فكان جزاؤهم من جنس عملهم؛ إذ تمادوا في ترددهم وحيرتهم، فضرب عليهم التيه أربعين سنةٍ: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 26] .
وهم وأشباههم من المنافقين مؤنثي العزم إن أجبروا على معركةٍ لا يقاتلون إلا من وراء حصونهم، أو من خلف جدرهم: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [الحشر: 14] .
فهذه الحال التي جمعتهم هم وإخوانهم من المنافقين؛ تبين ما يفعله حب الدنيا والحرص عليها في قلب المرء.
وقد حذر الله عز وجل المؤمنين من أن يركنوا إلى الدنيا، فيتثاقلوا عن الجهاد، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة: 38] .
فلما صار كثيرٌ من المسلمين إلى ما حذروا منه سلط عليهم أعداؤهم لا عن قلةٍ، ولكن لحبهم الدنيا وكراهيتهم الموت.
عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها) . قال: قلنا: يا رسول الله، أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: (أنتم يومئذ كثيرٌ، ولكن تكونون غثاءً كغثاء السيل، تنتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن) . قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: (حب الحياة وكراهية الموت) 87.
ثالثًا: الدعاء:
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24] .
ذلك خبرٌ من الله عز وجل أنه أملك لقلوب عباده منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يقدر ذو قلب أن يدرك به شيئًا من إيمان أو كفر، أو أن يعي به شيئًا، أو أن يفهم إلا بإذنه ومشيئته 88. فهو سبحانه يحول بين المرء وإرادته؛ لأن الأمر لا يكون بإرادة العبد، وإنما يكون بإرادة الله تعالى 89.
وهو سبحانه القادر أن يقلب قلب العبد فيفسخ عزائمه، ويغير نياته ومقاصده، فلما كان كذلك لم يكن للعبد حيلةٌ إلا أن يلهج بالدعاء إلى مقلب القلوب أن يثبتها.
وقد صح بذلك الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم فعن أنس رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول:(يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) . قال: فقلنا يا رسول الله، آمنا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟! قال: فقال: (نعم إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله عز وجل يقلبها) 90.
وفي تفسير قوله تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .
يقول أبو بكر الوراق: «يعني: في تحويل الحالات، وضعف القوة، وقهر المنة، وعجز الأركاب، وفسخ الصريمة، ونقض العزيمة» 91.
قال الثعلبي: «قالت الحكماء: من كان اليوم على حالة وغدًا أخرى فليعلم أن تدبيره إلى سواه» 92.
وسئل سفيان الثوري: بم عرفت ربك؟ قال: «بفسخ العزم، ونقض الهمة» 93.
وعن أحمد بن أبي الحواري قال: التقى حكيمان من الحكماء، فقال أحدهما لصاحبه: بم عرفت ربك؟ قال: بفسخ العزم، ومنع الهم، لما عزمت فأزالني القدر، وهممت فحال بيني وبين همي، فعلمت أن المستولي على قلبي غيري 94.
وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا كنز الناس الذهب والفضة، فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلبا سليمًا، وأسألك لسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب) 95.
قال ابن القيم: «الدين مداره على أصلين: العزم والثبات وهما الأصلان المذكوران في الحديث «اللهم إنى أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد» وأصل الشكر صحة العزيمة، وأصل الصبر قوة الثبات، فمتى أيد العبد بعزيمة وثباتٍ؛ فقد أيد بالمعونة والتوفيق» 96.
وقال: «وهاتان الكلمتان هما جماع الفلاح، وما أتي العبد إلا من تضييعهما أو تضييع أحدهما، فما أتي أحدٌ إلا من باب العجلة والطيش واستفزاز البداءات له، أو من باب التهاون والتماوت وتضييع الفرصة بعد مواتاتها، فإذا حصل الثبات أولًا، والعزيمة ثانيًا أفلح كل الفلاح، والله ولي التوفيق» 97.
وينفسخ العزم بتشعب الهم، واستيلاء الحزن على القلب، والعجز عن الاضطلاع بالأمر، والكسل عنه، ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من ذلك كثيرًا، عن أنس رضي الله عنه أنه كان يسمع النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال) 98.
قال ابن القيم: «والمقصود أن النبى صلى الله عليه وسلم جعل الحزن مما يستعاذ منه، وذلك لأن الحزن يضعف القلب ويوهن العزم، ويضر الإرادة، ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن، قال تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [المجادلة: 10] .
فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره» 99.
رابعًا: الاستخارة والاستشارة:
عظم النبي صلى الله عليه وسلم أمر الاستخارة، وبلغ من اهتمامه بها أنه كان يعلمها للصحابة رضي الله عنهم كما يعلمهم السورة من القرآن، وكان يأمرهم بها في الأمور كلها.
فعن جابر رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول:(إذا هم أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال عاجل أمري وآجله - فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني. قال: ويسمي حاجته) 100.
والاستخارة استفعال من الخير، ومعناها أن يسأل العبد ربه عز وجل التوفيق إلى خير الأمرين 101.
قال ابن بطال: «يجب على المؤمن رد الأمور كلها إلى الله، وصرف أزمتها والتبرؤ من الحول والقوة إليه، وينبغى له أن لا يروم شيئًا من دقيق الأمور وجليلها، حتى يستخير الله فيه ويسأله أن يحمله فيه على الخير ويصرف عنه الشر؛ إذعانًا بالافتقار إليه في كل أمر والتزامًا لذلة العبودية له، وتبركًا باتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم في الاستخارة؛ ولذلك كان النبى صلى الله عليه وسلم يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن؛ لشدة حاجتهم إلى الاستخارة في الحالات كلها، كشدة حاجتهم إلى القراءة في كل الصلوات» 102.
ونقل ابن حجر أن ترتيب الوارد على القلب على مراتب: الهمة ثم اللمة ثم الخطرة ثم النية ثم الإرادة ثم العزيمة، فالثلاثة الأولى لا يؤاخذ بها بخلاف الثلاثة الأخرى، فقوله: «إذا هم» يشير إلى أول ما يرد على القلب يستخير، فيظهر له ببركة الصلاة والدعاء ما هو الخير، بخلاف ما إذا تمكن الأمر عنده وقويت فيه عزيمته وإرادته، فإنه يصير إليه له ميلٌ وحبٌ؛ فَيُخْشَى أن يخفى عنه وجه الأرشدية لغلبة ميله إليه. ويحتمل أن يكون المراد بالهم العزيمة؛ لأن الخاطر لا يثبت فلا يستمر إلا على ما يقصد التصميم على فعله وإلا لو استخار في كل خاطر لاستخار فيما لا يعبأ به فتضيع عليه أوقاته 103.
وأما الاستشارة فهي استنباط المرء الرأي من غيره فيما يعرض له من مشكلات الأمور، ويكون ذلك في الأمور التي يتردد المرء فيها بين فعلها وتركها 104.
ومن الأخذ بأسباب الحزم والعزم استشارة ذوي العلم السديد، والفهم الرشيد، وقد أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه رضي الله عنهم فقال: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] .
وعن الضحاك بن مزاحم قال: «ما أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالمشورة إلا لما علم فيها من الفضل» 105.
وعن الحسن: «ما شاور قومٌ قط إلا هدوا لأرشد أمورهم» 106.
وفي رواية قال: «والله ما استشار قومٌ قط إلا هدوا لأفضل ما بحضرتهم. ثم تلا: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38] » 107.