أولًا: المعنى اللغوي:
المسجد في اللغة: مأخوذ من الفعل (سجد) على وزن (فعل) ، قال سيبويه: «وأما المسجد فإنه اسم للبيت، ولست تريد به موضع السجود وموضع جبهتك، لو أردت ذلك لقلت مسجدٌ» 1، وقال ابن الأعرابي: «مسجد» ، بفتح الجيم، محراب البيوت، ومصلى الجماعات: مسجد بكسر الجيم، والمساجد: جمعها. والمساجد أيضًا،: الآراب التي يسجد عليها. والآراب السبعة: مساجد» 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
المسجد جمعه مساجد، وقد عرفت المساجد في الاصطلاح بتعريفات عدة هي:
-أن المساجد اسم للأبنية المتخذة في الإسلام للصلاة 3.
-أنها «البيوت المبنية للصلاة فيها لله فهي خالصةٌ له سبحانه ولعبادته 4.
-أنها «كل موضعٍ يمكن أن يعبد الله فيه ويسجد له» 5.
-قال القرطبي: «أجمعت الأمة على أن البقعة إذا عينت للصلاة بالقول خرجت عن جملة الأملاك المختصة بربها وصارت عامة لجميع المسلمين، فلو بنى رجل في داره مسجدًا وحجزه على الناس، واختص به لنفسه لبقي على ملكه ولم يخرج إلى حد المسجدية، ولو أباحه للناس كلهم كان حكمه حكم سائر المساجد العامة، وخرج عن اختصاص الأملاك» 6.
ويمكن القول أن المساجد هي: بيوت الله تعالى المتخذة لعبادة المسلمين وبخاصة الصلاة والموقوفة لهذا الغرض.
وردت كلمة (مسجد) في القرآن بصيغتين، بلغت (28) مرة 7.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
اسم مفرد ... 22 ... {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة:144]
اسم جمع ... 6 ... {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [البقرة:114]
وجاء المسجد في الاستعمال القرآني على وجهين 8:
أحدهما: اسم لموضع السجود، وهو اسم للأبنية المتخذة في الإسلام للصلاة: ومنه قوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج: 40] .
الثاني: أعضاء الإنسان التي يسجد عليها: ومنه قوله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) } [الجن: 18] . أي: أعضاء السجود هي لله، فلا تسجدوا بها لغيره.
الصوامع:
الصوامع لغة:
«الصوامع جمع صومعة، وزنها فوعلة، وهي بناء مرتفعٌ لأعلى، يقال: صمع الثريدة أي: رفع رأسها وحدده، ورجل أصمع القلب أي: حاد الفطنة. والأصمع من الرجال الحديد القول، أو الصغير الأذن من الناس وغيرهم. وكانت قبل الإسلام مختصة برهبان النصارى وبعباد الصابئين- قاله قتادة- ثم استعمل في مئذنة المسلمين» 9.
وذكرت بعض المعاجم المعاصرة أن الصوامع تطلق على معان أشهرها أنها الأديرة أو بيوت العبادة عند النساك والرهبان النصارى الذين يتخذونها في الأماكن النائية 10.
الصوامع اصطلاحًا:
الصوامع: قال ابن عباس: هي المعابد الصغار للرهبان، وكذا قاله مجاهد وأبو العالية وعكرمة والضحاك 11.
الصلة بين الصوامع والمساجد:
الصوامع والمساجد كلها أماكن التعبد لله عز وجل، لكن الصوامع كما قال ابن عباس: هي المعابد الصغار للرهبان، أما المساجد التي عند المسلمين فهي أماكن التعبد للمسلمين أجمعين.
الصلوات:
الصلوات اصطلاحًا:
قيل: هذه اللفظة معربة؛ لذا لم نتطرق للمعنى اللغوي لها، واختلف في نسبتها فنسبها بعضهم لليهود، ونسبها بعضهم للنصارى، قال الزجاج والحسن: هي كنائس اليهود، وهي بالعبرانية صلوتا، وقال أبو عبيدة: «الصلوات بيوت تبنى للنصارى في البراري يصلون فيها في أسفارهم، تسمى صلوتا فعربت فقيل صلوات» 12.
الصلة بين الصلوات والمساجد:
الصلوات والمساجد كلها أماكن التعبد لله عز وجل، إلا أن المساجد أماكن التعبد لهذه الأمة، والصلوات لما قبلها من اليهود أو النصارى على الخلاف في ذلك.
البيع:
البيع اصطلاحًا:
هي أوسع من الصوامع، وهي للنصارى. قاله أبو العالية وقتادة والضحاك وغيرهم، وقيل: إنها كنائس اليهود 13.
الصلة بين البيع والمساجد:
البيع والمساجد كلها أماكن التعبد لله عز وجل، إلا أن المساجد أماكن التعبد لهذه الأمة، والبيع لما قبلها من اليهود أو النصارى على الخلاف في ذلك.
شرع الله سبحانه وتعالى إقامة المساجد لحكم سامية ومعان جليلة عالية، ولهذا كان بناؤها من فروض الكفايات أحيانا ومن فروض الأعيان أحيانًا أخرى بحسب الأحوال، كما ذكره بعض العلماء المعاصرين «يجب بناء المساجد في الأمصار والقرى والمحال ونحوها بحسب الحاجة فهو فرض كفاية» 14.
ولهذا نجد حث القرآن الكريم على بناء المساجد ورفعها ليقصدها المسلمون بالعبادة والعمارة، فتكون سببا في نيلهم الثواب العظيم.
قال الله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) } [النور: 36 - 38] .
وذكر غير واحد من المفسرين أن المراد برفع المساجد في الآية هو بناؤها، فروي هذا عن مجاهد ومقاتل 15.
وجاء في آيات القرآن الكريم ما يبين طرفا من حكم بناء المساجد وإقامتها، وأبرز هذه الحكم ما يلي:
لما كانت المساجد هي بيوت الله تعالى المتخذة للعبادة بمختلف أنواعها من صلاة وذكر وتسبيح وقراءة قرآن وغيرها، فقد بين القرآن الكريم ضرورة مراعاة ذلك، وهي أن يفرد الله تعالى بالعبادة فلا يشرك به أحدٌ.
قال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) [الجن: 18] .
والمراد بها إفراد الله تعالى بالعبادة، فلا ينبغي أن يدعى غيره جل وعلا، وليس المقصود عدم الإشراك في المسجد فقط، بل هذا خرج مخرج الغالب، وإلا فإشراك أحد في العبادة لا يجوز في المسجد ولا خارج المسجد.
وهذه الآية فيها دليل على وجوب مخالفة اليهود والنصارى فيما كانوا يفعلونه في معابدهم من دعوة غير الله تعالى، فقد روي عن قتادة في معنى الآية قوله: «كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله، فأمر الله نبيه أن يخلص له الدعوة إذا دخل المسجد» 16.
وقال الحسن: «ليس من قومٍ غير المسلمين يقومون في مساجدهم إلا وهم يشركون بالله فيها، فأخلصوا لله» 17.
ومن معالم الطاعة والعبادة: تسبيح وتلاوة القرآن.
قال الله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ(36 ) ) [النور:36] .
فقد روي عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) قال: «يتلى فيها كتابه» 18.
وروي عنه أيضا أن المراد بها توحيد الله في المساجد 19.
وقال جل شأنه: (وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ?) [الحج: 40] .
قال بعض المعاصرين «فالمساجد أحب البقاع إلى الله، وهي قلعة الإيمان ومنطلق إعلان التوحيد لله سبحانه وتعالى، فهي المدرسة التي خرجت الجيل الأول، ولا زالت بحمد الله تخرج الأجيال، وهي ميدان العلم والشورى والتعارف والتآلف، إليها يرجع المسافر أول ما يصل إلى بلده شاكرا الله سلامة العودة مستفتحًا أعماله بعد العودة بالصلاة في المسجد إشعارا بأهميته وتقديمه على المنزل تذكيرا بنعمة الله سبحانه وتوثيقا للرابطة القوية للمسجد» 20.
ومن معالم الطاعة والعبادة إفراد الله تعالى وحده بالعبادة وحسن القصد إليه جل وعلا، إذ هو وحده المتفرد بذلك والمستحق لذلك.
قال تعالى: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ? وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ? كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) [الأعراف:29] .
وفي تأويل قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) قولان مشهوران للعلماء:
أولهما: ما قاله الربيع: أنها في الإخلاص، بمعنى: أن لا تدعوا غير الله تعالى، وأن تخلصوا له الدين 21.
والثاني: ما قاله مجاهد والسدي وعبد الرحمن بن زيد: أن المراد بها التوجه للكعبة 22.
ومن معالم الطاعة أن المسجد الحرام خاصة يرتبط بعبادة الحج، فقد وضعه الله عز وجل لهذه العبادة التي تجمع بين البدن والمال، فالمسجد الحرام يقصده الناس من كل حدب وصوب.
قال تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ) [آل عمران:96] .
ولتكون مشعل هداية ومحل اجتماع المسلمين على هدف واحد، وكلمة واحدة، وشعيرة واحدة، فيتعلمون ويتدارسون، وتتربي في المسجد أجيال من المؤمنين أحسن تربية، وتنشأ أفضل نشأة، ولهذا حرص النبي عليه السلام على أن يكون المسجد أول بناء في الدولة الإسلامية.
ورد في القرآن الكريم ذكر عدة مساجد على رأسها المسجدين المسجد الحرام والمسجد الأقصى تصريحًا، ثم مساجد المدينة المنورة (مسجد قباء، والمسجد النبوي، ومسجد الضرار) ولكن ليس على سبيل التصريح، وتعلقت بهذه المساجد أحكام شرعية وردت في القرآن الكريم، وبيان ذلك على النحو الآتي:
أولًا: المسجد الحرام:
ورد ذكر المسجد الحرام منصوصًا على اسمه في خمسة عشر موضعًا في القرآن الكريم، وورد باسم البيت مفردًا ومضافا في مواضع أخرى، ولكل موضع من هذه المواضع أحكامه على هذا النحو:
1.أول بيت وضع للناس.
البيت العتيق هو أول بيت وضع للناس في الأرض كما نصت عليه الآية الكريمة (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ) [آل عمران:96] .
وللمفسرين أقوال في معنى الأولية الواردة في الآية على هذا النحو:
القول الأول: أنه أول بيت وضع للناس، يعبد الله تعالى فيه، وليس هو أول بيت وضع في الأرض، لأنه قد كانت قبله بيوت كثيرة. وهذا ما روي عن علي والحسن وسعيد بن المسيب وغيرهم 23.
القول الثاني: أنه أول بيت وضع مطلقًا بمعنى أول بناء، وهذا قول ابن عمرو ومجاهد وقتادة والسدي 24.
القول الثالث: أن موضع الكعبة هو موضع أول بيت وضعه الله تعالى في الأرض. وهو قول آخر لقتادة 25.
وفي الصحيحين عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، قال: (قلت: يا رسول الله، أي مسجدٍ وضع في الأرض أول؟ قال:(المسجد الحرام) قال: قلت: ثم أيٌ؟ قال (المسجد الأقصى) قلت: كم كان بينهما؟ قال: (أربعون سنةً، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله، فإن الفضل فيه) 26.
2.قبلة المسلمين.
وذلك في ثلاثة مواضع في سورة البقرة في قصة تغيير القبلة.
قال الله تعالى: (قَدْ نَرَى? تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ? فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ? فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ? وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ? وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ? وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ?144?) [البقرة: 144] .
وقال جل شأنه: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ? وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ? وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [البقرة: 149] .
وقال تعالى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ? وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ?150?) [البقرة: 150] .
والآيات الكريمة واردة في قصة تحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام في العام الثاني من الهجرة على نحو ما هو مشهور في السنة النبوية والسيرة.
وفي الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (بينما الناس في صلاة الصبح بقباءٍ، إذ جاءهم آتٍ فقال:(إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشأم، فاستداروا إلى القبلة) 27.
ولا خلاف بين فقهاء الأمة سلفًا وخلفًا على أن هذه الآيات دليل على فرضية استقبال القبلة في الصلاة على تفصيل معروف مبسوط في كتب الفروع حول كيفية الاستقبال لمن كان داخل المسجد الحرام أو خارجه، أو كان داخل مكة أو خارجها 28.
قال ابن رشد: «اتفق المسلمون على أن التوجه نحو البيت شرط من شروط صحة الصلاة لقوله تعالى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ?) [البقرة:150] » 29.
«واختلف المفسرون في المقصود بشطر المسجد الحرام على قولين:
القول الأول: أن شطر المسجد الحرام أي تلقاءه. قاله مجاهد وقتادة والربيع بن أنس وسعيد بن جبير وعكرمة.
القول الثاني: أن المراد بالشطر هنا وسط المسجد الحرام. وهو قول البراء 30.
3.تحريم القتال عنده.
نظرًا لمكانة البيت الحرام ومنزلته، فقد نهى القرآن الكريم عن القتال عنده نهيًا صريحًا في قول الله تعالى: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ? وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ? وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى? يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ? فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ? كَذَ?لِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ(191 ) ) [البقرة:191] .
وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بقول الله تعالى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى? لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ? فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ?193?) [البقرة:193] .
حيث روي هذا عن قتادة والربيع 31.
وروي عن مجاهد وأكثر المفسرين أن الآية محكمة غير منسوخة، وأنه لا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم 32.
وللقراء وجهان في الآية حيث قرأ حمزة والكسائي: (ولا تقتلوهم) ،: (حتى يقتلوكم) بغير الألف واللام من القتل، وقرأ الباقون بالألف من القتال، والمشهور الثاني 33.
قال الطبري: «وأولى هاتين القراءتين بالصواب، قراءة من قرأ: «ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم» لأن الله تعالى ذكره لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه في حالٍ إذا قاتلهم المشركون بالاستسلام لهم حتى يقتلوا منهم قتيلا بعد ما أذن له ولهم بقتالهم، فتكون القراءة بالإذن بقتلهم بعد أن يقتلوا منهم، أولى من القراءة بما اخترنا، وإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنه قد كان تعالى ذكره أذن لهم بقتالهم إذا كان ابتداء القتال من المشركين قبل أن يقتلوا منهم قتيلا وبعد أن يقتلوا منهم قتيلا، وقد نسخ الله تعالى ذكره هذه الآية بقوله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى? لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) [البقرة:193] 34.
4.تحريم الصد عنه.
ذم الله تعالى مشركي قريش بصدهم المسلمين عن المسجد الحرام، في مواضع من كتاب الله عز وجل، «والصد عن المسجد الحرام جريمة عظيمة يستحق فاعلها عذاب الدنيا قبيل عذاب الآخرة، لأنه يؤول إلى الصد عن التوحيد لأن ذلك المسجد بناه مؤسسه ليكون علما على توحيد الله ومأوى للموحدين، فصدهم المسلمين عنه، لأنهم آمنوا بإله واحد، صرف له عن كونه علما على التوحيد، إذ صار الموحدون معدودين غير أهل لزيادته، فقد جعلوا مضادين له، فلزم أن يكون ذلك المسجد مضادًا للتوحيد وأهله» 35.
وقد ذكرت قضية صد المشركين المسلمين عن المسجد الحرام في مواضع عدة من كتاب الله تعالى.
قال تعالى: (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ? إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [الأنفال: 34] .
وقال تعالى: (ٹ ٹ ٹ ٹهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ? وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ? لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ? لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ?25?) [الفتح: 25] .
والمعروف أن صد المشركين المسلمين عن المسجد الحرام كان في عام صلح الحديبية، وقد استوجبوا بذلك عذاب الله تعالى كما في آية الأنفال (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [الأنفال:34] .
قال النسفي في معناها: « (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ?) وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام كما صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبة وإخراجهم رسول الله والمؤمنين من الصد وكانوا يقولون نحن ولاة البيت والحرم فنصد من نشاء وندخل من نشاء فقيل: (وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ?) وما استحقوا مع إشراكهم وعداوتهم للدين أن يكونوا ولاة أمر الحرم» 36.
وفي سورة الحج يقول المولى عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ? وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ?25?) [الحج:25] .
وفسر الصد عن المسجد الحرام هنا بإخافة السبل، وبغصب المال الذي لو بقي في يد صاحبه لوصل به إلى المسجد الحرام 37.
وعلى الرغم من كون الصد عن المسجد الحرام جريمة كبيرة إلا أن الله تعالى نهى المسلمين عن الاعتداء أو البدء بالاعتداء، فقال جل شأنه: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ? وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى? ? وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: 2] .
5.حرمة دخول المشركين فيه.
حرم الله تعالى على المشركين دخول المسجد الحرام بمقتضى الآية الكريمة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَ?ذَا ? وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ ? إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة: 28] .
على خلاف بين العلماء في المقصود بالنجاسة هنا هل هي النجاسة الحسية أو المعنوية، وهي نجاسة الشرك والعياذ بالله 38.
قال القرطبي في قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) «فسماه الله تعالى نجسًا، فلا يخلو أن يكون نجس العين أو مبعدًا من طريق الحكم، وأي ذلك كان فمنعه من المسجد واجب لأن العلة وهي النجاسة موجودة فيهم، والحرمة موجودة في المسجد» 39.
وفي الصحيحين عن حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة، أخبره: (أن أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع يوم النحر في رهطٍ يؤذن في الناس(ألا لا يحج بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ) 40.
وفي الآية احتمالان ذكرهما بعض العلماء أولهما: أن يكون النهي خاصًا بالمشركين الذين كانوا ممنوعين عن دخول مكة وسائر المساجد، لأنه لم يكن لهم ذمة وكان لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وهم مشركو العرب، والثاني: أن يكون المراد منعهم من دخول مكة للحج 41.
6.الحج إليه.
البيت الحرام هو مقصد المسلمين في فريضة الحج، الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو المنصوص عليه في قول الله تعالى: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ? وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ? وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ? وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 97] .
والحج عبادة زمانية ومكانية، وأن مكانها البيت الحرام بمكة المكرمة وما حوله من البقاع المقدسة مثل الصفا والمروة وعرفات ومنى ومزدلفة.
قال الله تعالى: (. إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ? فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ? وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 158] .
أي: من معالم الله التي جعلها تعالى ذكره لعباده معلمًا ومشعرًا يعبدونه عندها، إما بالدعاء، وإما بالذكر، وإما بأداء ما فرض عليهم من العمل عندها 42.
وقال جل شأنه في شأن المشعر الحرام وعرفات كبقعتين مقدستين من بقاع الحج يتعلق بهما بعض المناسك: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ? فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ? وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [البقرة:198] .
7.بداية الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذلك في قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى? بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ? إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الإسراء: 1] .
وقد اختلف المفسرون في مبتدأ الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم بناء على هذه الآية على قولين:
القول الأول: أن المقصود الإسراء من الحرم بناء على أن الحرم كله مسجد، وكان صلى الله عليه وسلم حين أسري به نائمًا في بيت أم هانئ بنت أبي طالب، روى ذلك أبو صالح عن أم هانئ.
القول الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم أسري به من المسجد، وفيه كان حين أسري به، روى ذلك أنس بن مالك وقاله الحسن، وقتادة 43.
ثانيًا: المسجد الأقصى:
المسجد الأقصى هو ثان مسجد بني على ظهر الأرض كما هو منصوص عليه في الصحيحين من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، قال: (قلت يا رسول الله، أي مسجدٍ وضع في الأرض أول؟ قال:(المسجد الحرام) قال: قلت: ثم أيٌ؟ قال (المسجد الأقصى) قلت: كم كان بينهما؟ قال: (أربعون سنةً، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله، فإن الفضل فيه) 44.
وهو بيت المقدس، وسمي الأقصى، لبعد المسافة بين المسجدين، والمقصود بالبركة حوله أن الله أجرى حوله الأنهار، وأنبت الثمار، أو لأنه مقر الأنبياء، ومهبط الملائكة 45.
وقصة نشأة بيت المقدس وعمارته وفضائله كثيرة تواترت ببعضها نصوص السنة النبوية، وأفردها علماء كثيرون بالتأليف والتصنيف.
وقد ورد التصريح باسم المسجد الأقصى في آية واحدة من كتاب الله تعالى في مطلع سورة الإسراء وهي قوله جل شأنه (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى? بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ? إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء: 1] .
وجمهور المفسرين على أن الآية دليل صريح على أنه منتهى الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه عليه السلام دخله بجسده الشريف وصلى فيه بالأنبياء إماما، ومنه كانت رحلة المعراج 46.
وروي عن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينزل عن البراق ولم يدخل المسجد الأقصى ولم يصل فيه، وما ذهب إليه الجمهور هو الأقوى والأثبت 47.