والثاني: أن من عامل الناس، وعرفوا منه الصدق والنصح، اطمأنوا إليه، وركنوا إلى معاملته، ورغبوا في الأخذ منه وإعطائه؛ لأن قلوبهم إليه مطمئنة، ونفوسهم إلى أمانته منقادة واثقة، وحاز الاعتبار والشرف اللذين عليهما أسست المعاملات النزيهة الطيبة.
وكذلك العلاقة بين الشركاء إذا بنيت على الصدق والأمانة، أفادت أهلها خيرًا كثيرًا، فإنه من كان الله معه أيده بعونه وتوفيقه وتسديده؛ وكانت حركاته مقرونة بالنجاح مع ما في اتفاق الشريكين على مصالحهما، واجتماع رأيهما، وحصول التشاور الذي هو مدار الأعمال، مع ما يقترن بذلك من التعاون البدني، والسعي المشترك من المنافع، ودفع ما يخشى ضرره، كل هذه الأمور أسباب ومفاتيح لحصول الرزق وبركته ونمائه.
وضد ذلك إذا بنيت المعاملات والشركات على الكذب، وعدم النصح، وحصول الغش والخيانة، فإن الله ينزع بركته، ويحل المحق بدل ذلك، وتتأخر المعاملة، وتنحط بالخيانة والكذب، وهذا كله مشاهد مجرب 142.
وكذلك فالأمانة في العمل سبب في الاستمرار فيه، ومن ثم استمرار الرزق الذي يأتي منه، فبدون الأمانة لا يمكن للإنسان أن يستمر في عمله، وينجح فيه؛ ولهذا فكل عامل يجب أن يكون أمينًا على مصالح ومال من يستخدمه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والخادم في مال سيده راعٍ، وهو مسئول عن رعيته) 143.
فالراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما اؤتمن على حفظه، فهو مطلوب بالعدل فيه، والقيام بمصالحه، فمن الأمانة ألا يستخدم ما تحت يده من أشياء تخص العمل في أغراضه الشخصية إلا بعد استئذان صاحب العمل، ويكون الأمر أشد فيما لو كان العامل موظفًا لدى الدولة؛ لأن ما تحت يده من أشياء هي أموال عامة تخص بيت مال المسلمين، ولا يجوز التصرف فيها إلا بالحق.
فلا يخفى إذن ما في الأمانة من فوائد للشخص نفسه من استمراره في العمل، وزيادة أجره، ورفع مرتبته، وزيادة الثقة فيه؛ لأن الجزاء من جنس العمل.
وإذا ضيع الشخص الأمانة محقت البركة منه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (يقول الله: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان خرجت من بينهما) 144.
قال المناوي: «بالمعونة، وحصول البركة والنماء، (ما لم يخن أحدهما صاحبه) بترك أداء الأمانة، وعدم التحرز من الخيانة (فإذا خانه) بذلك (خرجت من بينهما) يعني: نزعت البركة من مالهما» 145.
فشركة الله لهما استعارة؛ كأنه جعل البركة بمنزلة المال المخلوط، فسمى ذاته ثالثًا لهما.
وقوله: (خرجت) ترشيح للاستعارة، وفيه ندب الشركة، وأن فيها البركة، بشرط الأمانة؛ وذلك لأن كلًا منهما يسعى في نفع صاحبه، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.
وقد ذكر الذهبي قصة تدل على فضل الأمانة، وما يجلب الله بها من أرزاق، حيث قال: «وقال أبو المظفر سبط ابن الجوزي: حكى ابن عقيل عن نفسه.
قال: حججت، فالتقطت عقد لؤلؤ، في خيط أحمر، فإذا شيخ أعمى ينشده، ويبذل لملتقطه مائة دينار، فرددته عليه، فقال: خذ الدنانير، فامتنعت، وخرجت إلى الشام، وزرت القدس، وقصدت بغداد، فأويت بحلب إلى مسجد، وأنا بردان جائع، فقدموني، فصليت بهم، فأطعموني، وكان أول رمضان، فقالوا: إمامنا توفي فصل بنا هذا الشهر، ففعلت، فقالوا: لإمامنا بنت، فتزوجت بها، فأقمت معها سنة، وأولدتها ولدًا ذكرًا، فمرضت في نفاسها، فتأملتها يومًا، فإذا في عنقها العقد بعينه، بخيطه الأحمر، فقلت لها: لهذا قصة! وحكيت لها، فبكت، وقالت: أنت هو والله، لقد كان أبي يبكي، ويقول: اللهم ارزق بنتي مثل الذي رد العقد علي، وقد استجاب الله منه، ثم ماتت، فأخذت العقد والميراث، وعدت إلى بغداد» 146.