فهرس الكتاب

الصفحة 525 من 2431

أي: ذي مجاعة شديدة؛ لأن الناس قد يصابون بالمجاعة الشديدة، إما لقلة الحاصل من الثمار والزروع، وإما لأمراض في أجسامهم يأكل الإنسان ولا يشبع، وإما بسبب الحروب أو غير ذلك.

ووجه تخصيص اليوم ذي مسغبة بالإطعام فيه؛ لأن إخراج المال فيه أشد على النفس، والناس في زمن المجاعة يشتد شحهم بالمال؛ خشية امتداد زمن المجاعة، والاحتياج إلى الأقوات، فالإطعام في ذلك الزمن أفضل، وهو العقبة، ودون العقبة مصاعد متفاوتة، فهذه العقبة هي التي تقف بين الإنسان وبين الجنة، فلو تخطاها لوصل! وهذه العقبة العظيمة في الآخرة لا يقتحمها الإنسان إلا بهذه الأعمال العظيمة.

وتصويرها كذلك حافز قوي، واستجاشة للقلب البشري، وتحريك له ليقتحم العقبة، وقد وضحت، ووضح معها أنها الحائل بينه وبين هذا المكسب الضخم {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} [البلد: 11] .

ففيه تحضيض ودفع وترغيب! ثم تفخيم لهذا الشأن وتعظيم {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ} [البلد: 12] .

إنه ليس تضخيم العقبة، ولكنه تعظيم شأنها عند الله ليحفز به الإنسان إلى اقتحامها وتخطيها، مهما تتطلب من جهد ومن كبد، فالكبد واقع واقع، وحين يبذل لاقتحام العقبة يؤتي ثمره، ويعوض المقتحم عما يكابده، ولا يذهب ضياعًا، وهو واقع على كل حال!

ويبدأ كشف العقبة، وبيان طبيعتها بالأمر الذي كانت البيئة الخاصة التي تواجهها الدعوة في أمس الحاجة إليه، فك الرقاب العانية، وإطعام الطعام، والحاجة إليه ماسة للضعاف الذين تقسو عليهم البيئة الجاحدة المتكالبة، وينتهي بالأمر الذي لا يتعلق ببيئة خاصة، ولا بزمان خاص، والذي تواجهه النفوس جميعًا، وهي تتخطى العقبة إلى النجاة {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [البلد: 17] 27.

ولهذا كانت النفقة قبل الفتح أعظم؛ لأن حاجة الناس كانت أكثر؛ لضعف الإسلام، وفعل ذلك كان على المنفقين حينئذٍ أشق، والأجر على قدر النصب إذا وافق هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأخلص فاعله.

ومما جاء في مدح المنفقين في سبيل الله قوله تعالى: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد: 18] .

فذكر هاهنا صنفين: المتصدقين والمقرضين، والمعنى: إن الذين تصدقوا وأقرضوا، والظاهر أن الأول هو الواجب، والثاني: هو التطوع؛ لأن تشبيهه بالقرض كالدلالة على ذلك، وأيضًا ذكر الأول بلفظ اسم الفاعل، الدال على الاستمرار ينبئ عن الالتزام والوجوب، ومن قرأ بتشديد الدال فقط فمعناه: إن الذين صدقوا الله ورسوله وأقرضوا، ويندرج تحت التصديق الإيمان وجميع الأعمال الصالحات، إلا أنه أفرد الإنفاق بالذكر تحريضًا عليه، كما أنه أفرد الإيمان لتفضيله والترغيب فيه 28.

ونلحظ أنه سبحانه وتعالى لما رغب في الإنفاق، وختم آياته بما يقتضي الوعد من أصدق القائلين بالغنى، والإثابة في الدارين، أتبعه بما للعدو الكاذب من ضد ذلك، فقال محذرًا من البخل: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 268] .

إذن هو الشيطان الرجيم المانع من الإنفاق، أي: الذي اسمه أسوأ الأسماء، فإنه يقتضي الهلاك والبعد، وأحد الوصفين كافٍ في مجانبته، فكيف إذا اجتمعا؟!

فهذه الآية تتضمن الحض على الإنفاق بأبلغ الألفاظ، وأحسن المعاني؛ فإنها اشتملت على بيان الداعي إلى البخل، والداعي إلى البذل والإنفاق، وبيان ما يدعو إليه داعي البخل، وما يدعو إليه داعي الإنفاق، وبيان ما يدعو به داعي الأمرين، فأخبر سبحانه أن الذي يدعوهم إلى البخل والشح هو الشيطان، وأخبر أن دعوته هي بما يعدهم به ويخوفهم من الفقر إن أنفقوا أموالهم، وهذا هو الداعي الغالب على الخلق، فإنه يهم بالصدقة والبذل، فيجد في قلبه داعيًا يقول له: متى أخرجت هذا دعتك الحاجة إليه، وافتقرت إليه بعد إخراجه، وإمساكه خير لك؛ حتى لا تبقى مثل الفقير، فغناك خير لك من غناه، فإذا صور له هذه الصورة أمره بالفحشاء وهي البخل 29 الذي هو من أقبح الفواحش ... ، فهذا وعده وهذا أمره، وهو الكاذب في وعده، الغار الفاجر في أمره، فالمستجيب لدعوته مغرور مخدوع مغبون، فإنه يدلي من يدعوه بغروره، ثم يورده شر الموارد 30.

ثالثًا: الوعد بالإخلاف على المنفقين والأجر الكبير في الآخرة:

أمر الله تعالى عباده بالإنفاق في أوجه الطاعات من المال الذي أعطاهم إياه، وجعله بين أيديهم على سبيل الأمانة، أو الإعارة، ووعدهم بالخلف، أي: العوض المضاعف، فقال: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ: 39] .

أي: مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به الله، وأباحه لكم، فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب.

وقوله: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ} (ما) هنا تفيد العموم، يعني: سواء كان المنفق صغيرًا أو كبيرًا. ومعنى: {فَهُوَ يُخْلِفُهُ} أي: يخلفه عليكم، يقال: أخلف له، وأخلف عليه، إذا أعطاه عوضه وبدله، وذلك البدل إما في الدنيا وإما في الآخرة، والمقصود: لا تتوهموا أن الإنفاق مما ينقص الرزق، بل وعد بالخلف للمنفق، الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.

وقد جاء في الحديث: (يقول الله تعالى: يا بن آدم أنفق، أنفق عليك) 31.

قال ابن العربي: «وهذه إشارة إلى أن الخلف في الدنيا بمثل المنفق بها إذا كانت النفقة في طاعة الله، وهو كالدعاء كما تقدم سواء، إما أن تقضى حاجته -أو يدفع الله عنه من السوء مثلها، أو يدخر إلى الآخرة-، وكذلك في النفقة يعوض مثلها، وإما أن يعوض أزيد منها، والتعويض ها هنا بالثواب، وإما أن يدخر له، والادخار ها هنا مثله في الآخرة» 32.

وأكد هذا الوعد بصيغة الشرط، وبجعل جملة الجواب اسمية، وبتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي، بقوله: {فَهُوَ يُخْلِفُهُ} ففي هذا الوعد ثلاثة مؤكدات، دالة على مزيد العناية بتحقيقه 33.

والمراد بالإنفاق الموعود عليه بالخلف هو الإنفاق المرغب فيه في الدين، وهو المأذون فيه شرعًا، كالإنفاق على الفقراء، والإنفاق في سبيل الله عمومًا.

وروي عن الضحاك أنه سئل عن قوله: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} أهو النفقة في سبيل الله؟ قال: لا، ولكن نفقة الرجل على نفسه وأهله، فالله يخلفه 34.

ونجده هنا في هذه الآية لم يذكر وجهة الإنفاق (وهو سبيل الله) بل أطلق فقال: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} ؛ لأن ذلك -والله أعلم- أصبح من المسائل المتقررة في أذهان السامعين-، وأن كل من أنفق ماله في لهو الدنيا وفرجتها من غير قصدٍ حسن، بل لمجرد الحظ والهوى ليس له أجر، بل يكون عليه حسرة وندامة، تنقضي لذاته، وتبقى تبعاته، وهو من كفران نعمة المال، فهو معرض للزوال، وإن بقي فهو استدراج، وعلامة إنفاقه في الهوى: أنه إذا أتاه فقير يسأله درهمًا منعه، وينفق في النزهة والفرجة الآلاف، فهذا يكون إنفاقه حسرة عليه، والعياذ بالله.

وأيضًا فإن هذا الوعد بالخلف ليس مدعاة للإنسان أن ينفق كل ما معه بحجة أن الله سيخلفه له، فقد روي عن مجاهد قال: «من كان عنده من هذا المال ما يقيمه فليقتصد، فإن الرزق مقسوم، ولعل ما قسم له قليل، وهو ينفق نفقة الموسع عليه، فينفق جميع ما في يده، ثم يبقى طول عمره في فقره، ولا يتأولن: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} فإن هذا في الآخرة، ومعنى الآية: ما كان من خلف فهو منه» 35.

والصواب ما تقدم من أن الخلف قد يكون إما عاجلًا بالمال في الدنيا، وإما آجلًا بالثواب في الآخرة.

والحاصل أن في هذا دعوة إلى الإنفاق في سبيل الله، وتشجيعًا عليه بإعلام الناس أن الإنفاق لا ينقص المال، والبخل به لا يزيده، فإن التوسعة كالتضييق لحكمة، فلا البخل يزيد في المال، ولا الإنفاق في سبيل الله ينقص منه.

وختم الله هذا بوعده الصادق، وهو أن من أنفق في سبيل الله شيئًا أخلفه الله عليه، وهو تعالى خير الرازقين، فجملة: {وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} تذييل للترغيب والوعد بالزيادة؛ لبيان أن ما يخلفه أفضل مما أنفقه المنفق و {خَيْرُ} بمعنى أخير؛ لأن الرزق الواصل من غيره تعالى إنما هو من فضله أجراه على يد بعض مخلوقاته، فإذا كان تيسيره برضا من الله على المرزوق، ووعد به كان ذلك أخلق بالبركة والدوام 36.

ومما جاء في الوعد بالخلف للمنفق قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245] .

ففي هذه الآية حث الله تعالى عباده على الإنفاق في سبيله، وقد كرر الله تعالى هذه الآية بهذا السياق في كتابه العزيز في غير موضع، وفي حديث النزول أن الله تعالى قال: (من يقرض غير عديم ولا ظلوم) 37.

فطلب الله تعالى من عباده القرض، مع أن المال مال الله، إلا أنه من رحمته تعالى وكرمه يستقرضهم إياه؛ لأنه متول على جميع الخلق، غني بذاته عنهم، ومع هذا يجعل طاعتهم له سلفًا منهم له.

والاستفهام في قوله: {مَنْ ذَا الَّذِي} للحض على البذل والعطاء، والتحريض على التحلي بمكارم الأخلاق، والمعنى: من هذا المؤمن القوي الإيمان الذي يقدم ماله في الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله، وفي غير ذلك من وجوه الخير، كمعاونة المحتاجين، وسد حاجة البائسين؟!

والتعبير بالقرض في هذه الآية إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه، والله هو الغنى الحميد، لكنه تعالى شبه عطاء المؤمن في الدنيا بما يرجو به ثوابه في الآخرة بالقرض، كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء.

ولم يكتف بالحث على القرض، بل حيث جاء القرض في القرآن قيده بكونه حسنًا، وذلك يجمع أمورًا ثلاثة، أحدها: أن يكون من طيب ماله، لا من رديئه وخبيثه، الثاني: أن يخرجه طيبة به نفسه، ثابتة عند بذله، ابتغاء مرضاة الله، الثالث: أن لا يمن به، ولا يؤذي، فالأول يتعلق بالمال، والثاني يتعلق بالمنفق بينه وبين الله، والثالث بينه وبين الآخذ 38.

فيكون القرض الحسن: هو القرض المستكمل محاسن نوعه من كونه عن طيب نفس، وبشاشة في وجه المستقرض، وخلو عن كل ما يعرض بالمنة، أو بتضييق أجل القضاء، وتحري أكرم المال، وأفضل الجهات، وذكر بعضهم أن القرض الحسن: ما يجمع عشر صفات: أن يكون من الحلال، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، وأن يكون من أكرم ما يملكه المرء، وأن يكون المرء صحيحًا شحيحًا، يأمل العيش، ويخشي الفقر، وأن يضعه في الأحوج الأولى، وأن يكتم ذلك، وأن لا يتبعه بالمن والأذى، وأن يقصد به وجه الله تعالى، وأن يستحقر ما يعطي وإن كثر، وأن يكون من أحب أمواله إليه، وأن يتوخى في إيصاله للفقير، ما هو أسر لديه من الوجوه، كحمله إلى بيته، ولا يخفى أنه يمكن الزيادة والنقص فيما ذكر 39.

وقوله: {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} أي: فيعطيه سبحانه أجره على إنفاقه أضعافًا مضاعفة، ولم يبين هنا قدر هذه الأضعاف الكثيرة، ولكنه بين في موضع آخر أنها تبلغ سبعمائة ضعف، وتزيد عن ذلك؛ وذلك في قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261] .

والمقصود أن الآية قد اشتملت على ألوان من الحض على الإنفاق في وجوه الخير، ومن ذلك التعبير بالاستفهام في ذاته؛ لأنه للتنبيه، وبعث النفوس إلى التدبر والاستجابة، ومن ذلك أيضًا التعبير بقوله: {مَنْ ذَا الَّذِي} إذ لا يستفهم بتلك الطريقة إلا إذا كان المقام ذا شأن وخطر، وكأن المخاطب لعظم شأنه من شأنه أن يشار إليه، وأن يجمع له بين اسم الإشارة وبين الاسم الموصول، ومن ذلك تسميته ما يبذله الباذل قرضًا، ولمن هذا القرض؟ إنه لله الذي له خزائن السموات والأرض، فكأنه تعالى يقول: أقرضوني مما أعطيتكم، وسأضاعف لكم هذا القرض أضعافًا مضاعفة يوم القيامة {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} [آل عمران: 30] .

ومن ذلك إخفاء مرات المضاعفة، وضم الأجر الكريم إليها، ومن ذلك التعبير عن الإنفاق بالقرض؛ إذ القرض معناه: إخراج المال، وانتظار ما يقابله من بدل 40.

ونظير الآية السابقة، قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد: 11] .

فصدر سبحانه الآية بألطف أنواع الخطاب، وهو الاستفهام المتضمن لمعنى الطلب، وهو أبلغ في الطلب من صيغة الأمر، والمعنى: هل أحد يبذل هذا القرض الحسن، فيجازى عليه أضعافًا مضاعفة؟ وسمي ذلك الإنفاق قرضًا حسنًا حثًا للنفوس، وبعثًا لها على البذل؛ لأن الباذل متى علم أن عين ماله يعود إليه ولابد، طوعت له نفسه بذله، وسهل عليه إخراجه، فإن علم أن المستقرض ملئ، وفيٌ محسن، كان أبلغ في طيب قلبه، وسماحة نفسه.

فإن علم أن المستقرض يتجر له بما اقترضه، وينميه له ويثمره حتى يصير أضعاف ما بذله كان بالقرض أسمح وأسمح، فإن علم أنه مع ذلك كله يزيده من فضله وعطائه أجرًا آخر من غير جنس القرض، وأن ذلك الأجر حظ عظيم، وعطاء كريم، فإنه لا يتخلف عن قرضه إلا لآفة في نفسه من البخل والشح، أو عدم الثقة بالضمان؛ وذلك من ضعف إيمانه؛ ولهذا كانت الصدقة برهانًا لصاحبها، وهذه الأمور كلها تحت هذه الألفاظ التي تضمنتها الآية، فإنه سماه قرضًا، وأخبر أنه هو المقترض لا قرض حاجة، ولكن قرض إحسان إلى المقرض، واستدعاء لمعاملته، وليعرف مقدار الربح، فهو الذي أعطاه ماله، واستدعى منه معاملته به، ثم أخبر عما يرجع إليه بالقرض وهو الأضعاف المضاعفة، ثم أخبر عما يعطيه فوق ذلك من الزيادة وهو الأجر الكريم.

وأشار الله في هذا إلى شيئين: إلى الإخلاص في قوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ} يعني: لا يرى سوى الله عز وجل، والمتابعة في قوله: {حَسَنًا} لأن العمل الحسن ما كان موافقًا للشريعة الإسلامية، والإخلاص والمتابعة هما شرطان في كل عمل، ووصف الله تعالى الإنفاق في سبيله بالقرض تشبيهًا بالقرض الذي يقرضه الإنسان غيره؛ لأنك إذا أقرضت غيرك فإنك واثق من أنه سيرده عليك، هكذا أيضًا العمل الصالح سيرد على الإنسان بلا شك.

وقوله: {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} أي: ولهذا المنفق فضلًا عن كل ذلك أجر كريم عند خالقه، لا يعلم مقداره إلا هو تعالى، والظاهر أن هذا الأجر هو المغفرة، كما في قوله تعالى: {إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ} [التغابن: 17] .

وقد جعل الإنفاق سبب للغفران كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (الصدقة تطفئ الخطايا كما يطفئ الماء النار) 41.

وقد جاء أنه لما نزلت: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله وإن الله ليريد منا القرض؟! قال: (نعم يا أبا الدحداح) ، قال: أرني يدك يا رسول الله، قال: فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، قال: وحائط له فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها، قال: فجاء أبو الدحداح، فناداها: يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال: اخرجي، فقد أقرضته ربي عز وجل. هكذا كان امتثال الصحابة لهذه الآية، أما اليهود فإنهم لما سمعوا قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} قالوا: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران: 181] .

فقد روي أنه عليه الصلاة السلام لما كتب مع أبي بكر رضي الله عنه إلى يهود بني قينقاع، يدعوهم إلى الإسلام، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا الله قرضًا حسنًا، قال فنحاص: إن الله فقير حتى سألنا القرض، فلطمه أبو بكر رضي الله عنه في وجهه، وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك، فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجحد ما قاله، فنزلت الآية، ونسب القول إلى الجمع مع كون القائل واحدًا لرضا الباقين بذلك 42.

رابعًا: الوعيد الشديد لمن يكنز الذهب والفضة ولا ينفقها في سبيل الله:

توعد الله تعالى كل من يكنز الذهب والفضة ولا ينفقها في سبيل الله بعذاب أليم، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34 - 35] .

وهذا إخبار من الله تعالى عن الكنوز وأصحابها يوم القيامة، وما يتعلق باليوم الآخر نقبله كما هو، ويصح أن نقول: إنه تصوير لحالهم، تسببه عاقبة أمرهم بمن يكوون بذهبهم وفضتهم.

فقوله: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ} يحتمل أن يراد بهم: أولئك الأحبار والرهبان السابق ذكرهم في نفس الآية، فيكون قد وصفهم بالحرص الشديد على أخذ أموال الناس، بقوله تعالى: {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} ووصفهم أيضًا بالبخل الشديد والامتناع من إخراج الواجبات عن أموال أنفسهم، بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} ويحتمل أن يراد بهم: المسلمون الذين يجمعون المال ولا يؤدون حقه، ويكون اقترانهم بالمرتشين من اليهود والنصارى تغليظًا، ودلالة على أن من يأخذ من أهل الكتاب السحت، ومن لا يعطي من المسلمين زكاة ماله سواء في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم، واحتمال أن يراد بذلك الجميع، وهو كل من كنز المال ولم يخرج منه الحقوق الواجبة، سواء كان من الأحبار والرهبان أو كان من المسلمين.

والكنز بفتح الكاف مصدر (كنز) إذا ادخر مالًا. وكل شيء غمزته في وعاء أو أرض فقد كنزته، واكتنز: اجتمع وامتلأ 43. يقال: هذا جسم مكتنز الأجزاء إذا كان مجتمع الأجزاء، ويطلق على المال من الذهب والفضة الذي يخزن، وعلى كل شيء ثمين، سواء دفن في باطن الأرض أو لم يدفن، ولكن شاع استعماله فيما يدفن في باطن الأرض، ولكن شيوعه لا يمنع أصل إطلاقه، ولا يمنع الشيوع من أن يطلق على الأصل اللغوي، ولقد قال شيخ المفسرين الطبري: «الكنز: كل شيء مجموع بعضه إلى بعض في بطن الأرض كان أو على ظهرها» 44.

والمعنى: أنهم يجمعونهما ويحفظونهما سواء كان ذلك بالدفن، أو بوجه آخر، وسمي الذهب ذهبًا لأنه يذهب ولا يبقى، وسميت فضة لأنها تنفض، أي: تتفرق ولا تبقى، وحسبك بالاسمين دلالة على فنائهما، وأنه لا بقاء لهما 45.

وخص الذهب والفضة بالذكر لأنهما الأصل الغالب في الأموال، ولأنهما مقياس التقدير لكل الأموال، ولأنهما اللذان يقصدان بالكنز أكثر من غيرهما، وقد قال في ذلك الزمخشري: «إنهما قانون التمول، وأثمان الأشياء، ولا يكنزهما إلا من فضلا عن حاجته، ومن كثرا عنده حتى يكنزهما لم يعدم سائر أجناس المال، فكان ذكر كنزهما دليلًا على ما سواهما» 46.

واختلف أهل العلم في معنى الكنز ها هنا، فقال بعضهم: هو كل مال وجبت فيه الزكاة ولم تؤد زكاته وإن لم يكن مدفونًا، قالوا: وعنى بقوله: {وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي: ولا يؤدون زكاتها.

وقال آخرون: كل مال زاد على أربعة آلاف درهم فهو كنز أديت منه الزكاة أو لم تؤد، وقال آخرون: الكنز كل ما فضل من المال عن حاجة صاحبه إليه. ولعل الأقرب هو القول الأول، وهو أن الكنز هو: كل مال وجبت فيه الزكاة ولم تؤد زكاته وإن لم يكن مدفونًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت