فهرس الكتاب

الصفحة 1086 من 2431

ومن ذلك الأذى اللفظي الذي أسمعه الكافرون والمنافقون للمؤمنين فيما لقيه أتباع الرسل من أقوامهم في كل زمان ومكان، نعتهم إياهم بالسفهاء أو الأراذل.

قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 13 - 14] .

ففي هذه الآيات يحكي لنا القرآن الكريم ما يدور بين المؤمنين والمنافقين من حوارات حول الإيمان الحقيقي المبني على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ولزوم منهجه، وهو ما عليه المؤمنون الصادقون، كما يحكي لنا كذلك جواب هؤلاء المنافقين للمؤمنين، وما يشتمل عليه من سخرية واستهزاء وأنفة من اتباع ما عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولزوم سبيل المؤمنين.

«وإنما عنى المنافقون بقيلهم: أنؤمن كما آمن السفهاء -إذ دعوا إلى التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من عند الله، والإقرار بالبعث، فقيل لهم: آمنوا كما آمن الناس- أصحاب محمدٍ وأتباعه من المؤمنين المصدقين به، من أهل الإيمان واليقين، والتصديق بالله، وبما افترض عليهم على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وفي كتابه، وباليوم الآخر؛ فقالوا إجابة لقائل ذلك لهم: أنؤمن كما آمن أهل الجهل، ونصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم، كما صدق به هؤلاء الذين لا عقول لهم ولا أفهام؟» 30.

بل زادوا على ذلك بنعت الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه بالسحر والجنون والضلالة والسفاهة وغير ذلك، والآيات في ذلك كثيرة معلومة.

بل أعظم من ذلك تطاولوا على عرض النبي صلى الله عليه وسلم إفكًا وزورًا، كل ذلك لإضعاف المؤمنين، وتوهين عزائمهم.

5.الدفع بالسخرية من المؤمنين.

من وسائل الدفع لدى الكافرين التي يريدون بها إضعاف عزائم المؤمنين السخرية الدائمة من المؤمنين، ومما هم عليه من الحق والهدى؛ بل السخرية من رموزهم وقادتهم، فلا يزال الكافرون قديمًا وحديثًا يسخرون من الأنبياء والصالحين، ويصورونهم في صورة قبيحة منكرة مخالفة لحقيقتهم الناصعة؛ حتى صار ذلك سنة ثابتة مع جميع المرسلين.

قال تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [الأنعام: 10 - 11] .

وقد كان هذا دأب المنافقين كذلك.

قال تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 79] .

وقديمًا سخر الكافرون من نوح عليه السلام، وحكى القرآن سخريتهم هذه فقال: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [هود: 38 - 39] .

ومن ذلك استهزاء بني إسرائيل بنبيهم موسى عليه السلام فيما حكاه الله تعالى عنهم: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67] .

فالحقيقة أنهم هم الذين يستهزئون بنبي الله عليه السلام؛ إذ ينسبون إليه الاستهزاء بهم فيما يبلغ من كلام ربه.

ومن حوار الاستخفاف: استخفاف فرعون بقومه في حواره إياهم وتعنته فيما اشترطه في نبي الله موسى عليه السلام من التحلي بمظاهر الزخرف والزينة الفارغة.

قال تعالى: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف: 51 - 54] .

وقد سخر المشركون من النبي صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (15) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ} [الصافات: 12 - 17] .

وأمثلته كثيرة في القرآن، منها ما حكاه القرآن من حوار المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 41 - 42] .

ومن ذلك قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ} [سبأ: 7 - 8] .

قال الألوسي: «أخرجوا قولهم: {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ} [سبأ:7] مخرج الظن والسخرية متجاهلين برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبكلامه من إثبات الحشر والنشر، وعقبوه بقولهم: {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} ، أضربوا عنه إلى ما هو أبلغ منه ترقيًا، من الأهون إلى الأغلظ من نسبة الجنون إليه، وحاشاه صلى الله عليه وسلم، فكأنهم قالوا: دعوا حديث الافتراء؛ فإن ههنا ما هو أطم منه؛ لأن العاقل كيف يحدث بإنشاء خلق جديد بعد الرفات والتراب» 31.

ولا تزال محاولات الاستهزاء والسخرية بالأنبياء والرسل ورموز الدين الحق مستمرة إلى يومنا هذا، وسوف تستمر إلى قيام الساعة؛ لأنها من صور تلك السنة الماضية سنة التدافع بين الحق والباطل.

6.الدفع بالمبالغة في العدة المادية.

يعتمد الكافرون والمنافقون في دفعهم للمؤمنين على الأسباب المادية البحتة؛ وذلك أمر بدهي؛ حيث إنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر؛ ولأنهم لا ينتظرون عونًا ولا مددًا من الله تعالى؛ تراهم يبالغون في إعداد العدة المادية إلى أبعد الحدود؛ وقد أخبر الله عن المنافقين الذين يبطنون الكفر بقوله: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 46 - 48] .

7.الدفع بالمبالغة في العدة البشرية.

ويتفرع مما سبق من عدم الإيمان والتعويل على الأسباب المادية: المبالغة في الحشد، وإعداد العدة البشرية -مهما كانت قوتهم وسلطانهم-؛ لما يسيطر عليهم من هلع وفزع وحذر شديد.

قال تعالى عن فرعون وحشده السحرة لمواجهة موسى عليه السلام: {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} [الشعراء: 53 - 56] .

«يقول تعالى ذكره: {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ} من يحشر له جنده وقومه» 32.

ولأن أعداء الحق يعتمدون في دفعهم على الأسباب المادية وقوة العدد؛ ونظرًا لكثرة الباطل وأهله؛ فهم يغترون بتلك الكثرة، ويعولون عليها، ولكن: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة: 21] .

قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 44 - 45] .

ومع هذا الحشد والجمع من الكافرين، لا يسع المؤمنين إلا الاعتصام بالله، والاحتماء به، واللجوء إليه.

قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] .

8.الدفع بالتحالفات السياسية.

ويتفرع مما سبق من عدم الإيمان والتعويل على المبالغة في الحشد، وإعداد العدة البشرية: عقد التحالفات السياسية لمدافعة الإسلام وأهله؛ فيجمعون لذلك أحزابهم وحلفاءهم.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 9 - 11] .

«عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان، في قول الله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} ، والجنود: قريش وغطفان وبنو قريظة، وكانت الجنود التي أرسل الله عليهم مع الريح: الملائكة» 33.

9.الدفع بالمقاطعة الاقتصادية.

من وسائل الدفع لدى الكافرين للمؤمنين ما حكته كتب السيرة من المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وحصارهم في شعب أبي طالب؛ وذلك أنه: «حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة آذاه قومه وهموا به، فقامت بنو هاشمٍ وبنو المطلب؛ مسلمهم وكافرهم، دونه، وأبوا أن يسلموه، فلما عرفت قريشٌ أن لا سبيل إلى محمدٍ صلى الله عليه وسلم معهم اجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشمٍ وبني المطلب أن لا ينكحوهم ولا ينكحوا إليهم، ولا يبايعوهم ولا يبتاعوا منهم.

وعمد أبو طالبٍ فأدخلهم الشعب شعب أبي طالبٍ في ناحيةٍ من مكة، وأقامت قريشٌ على ذلك من أمرهم في بني هاشمٍ وبني المطلب سنتين أو ثلاثًا، حتى جهدوا جهدًا شديدًا، ثم إن الله تعالى برحمته أرسل على صحيفة قريشٍ الأرضة فلم تدع فيها اسمًا لله إلا أكلته، وبقي فيها الظلم والقطيعة والبهتان، وأخبر بذلك رسوله، وأخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا طالبٍ، واستنصر به أبو طالبٍ على قومه» 34.

وواضح من هذه المقاطعة أن هدفها هو إرغام المسلمين على التراجع عن دينهم وعقيدتهم، أو على الأقل إضعافهم، ومحاصرتهم؛ لئلا ينتشر دينهم؛ لما رأوا من تأثير الدعوة الإسلامية على القلوب والعقول والفطر السليمة.

وهذا هو ما يقوم به أعداء الإسلام في كل زمان ومكان؛ لتحقيق تلك الأهداف الخبيثة.

10.الدفع بالمقاطعة الاجتماعية.

لم تكن مقاطعة الكافرين للمسلمين في شعب أبي طالب مجرد مقاطعة اقتصادية فقط، بل كانت مقاطعة اجتماعية شاملة شملت كذلك ألا ينكحوهم أو ينكحوا منهم كذلك؛ وذلك لما يعلمون من تأثير ذلك في زيادة عزلة المسلمين وحصارهم.

بل أعظم من ذلك وقعت المقاطعة الاجتماعية، التي تخطت مجرد المقاطعة إلى الإيذاء والاضطهاد الديني في محيط الأسرة؛ حيث يشير القرآن إلى مجاهدة الآباء أبناءهم الذين أسلموا لردهم عن دينهم.

قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 8] .

قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان: 14 - 15] .

11.الدفع بقتال المؤمنين وإهلاكهم والقضاء عليهم.

من أعظم وسائل الدفع لدى الكافرين للمؤمنين هو القتال، والحق أن قتال الكافرين للمؤمنين ليس مجرد وسيلة، بل هو وسيلة وغاية في الوقت نفسه؛ فهو وسيلة من أعظم وسائلهم لرد المؤمنين عن دينهم، وفتنتهم في عقيدتهم.

قال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217] .

وهم لا يكتفون في ذلك بمجرد القتال والقتل؛ بل يتفننون في التعذيب بالمؤمنين، وإهلاكهم والقضاء عليهم بشتى الصور، والتاريخ قديمًا وحديثًا خير شاهد على ذلك، وقد سجل القرآن والسنة فتنة الكافرين للمؤمنين بالإحراق في الأخاديد في سورة عظيمة باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، هي سورة الأخدود (البروج) .

وقد سجلت كتب التاريخ جرائم ومجازر التتار والصليبيين واليهود للمسلمين على مر التاريخ إلى يومنا هذا، وليس ما يحدث للمسلمين في بورما ببعيد.

ثانيًا: وسائل الدفع لدى المؤمنين:

1.لزوم الإيمان والتقوى.

2.الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

3.الاجتماع ونبذ الفرقة.

4.الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وثمة آيات عظيمة في سورة آل عمران قد جمعت تلك الوسائل كلها؛ وذلك في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 102 - 105] .

والمتأمل في هذه الآيات يجد أن الله تعالى قد بين فيها أهم سبل الدفع ووسائله وأسسه العظيمة التي ينبغي أن يقوم عليها، وهي:

1.لزوم الإيمان والتقوى والمحافظة على الإسلام والتمسك به والموت عليه.

2.الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك بالتمسك بهما وعدم الحيدة عنهما إلى ما سواهما من سبل البدعة والضلالة.

3.الاجتماع ونبذ الفرقة؛ وذلك بالاجتماع حول أصول الدين وثوابته، التي أسسها الكتاب والسنة؛ ولذا جعل الله تعالى التمسك بكتابه، وسنة نبيه هما مناط الاجتماع والاعتصام.

4.الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو أعظم برهان على صدق الاعتصام والتمسك بالكتاب والسنة، ولا ينجع ولا يأتي بأثره ويكون له قوة في الدفع، ونكاية في العدو، إلا باجتماع الكلمة؛ لذا تأخر بعد الوصية بها.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 45 - 46] .

ومن المعلوم أن تغيير الفساد والمنكر أصل عظيم من أصول هذا الدين له أثره الماضي في صلاح المجتمع، ودفع صور الفساد التي يبثها أعداء الإسلام في مجتمعاتنا؛ ولذا فهو أحد أربعة أسس يقوم عليها بناء المجتمع المسلم.

ونستطيع أن نتبين ذلك إذا تأملنا سورة قصيرة من سور القرآن كسورة العصر؛ حيث تبين أن معالم الفلاح والنجاح للفرد والمجتمع المسلم إنما ترجع إلى أربعة أركان أساسية، هي: الإيمان بالله، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.

والتواصي بالحق إنما هو لزوم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر الذي هو عماد التغيير والإصلاح، وهو قرين الإيمان بالله تعالى، ودليل عليه؛ ولذا جعله النبي صلى الله عليه وسلم في علاقة مطردة مع الإيمان بالله تعالى قوة وضعفًا؛ فجعل قوته من قوة الإيمان وضعفه من ضعف الإيمان.35

ولعظم هذا الأمر ولأهميته وخطورته؛ قدمه الله تعالى في وصف هذه الأمة على وصفهم بالإيمان بالله تعالى؛ وذلك لما ناط الله تعالى بهذه الأمة من مهمة التغيير والإصلاح ودفع الفساد والمنكر في العالم كافة، وأعظم المنكر كفر بالله تعالى.

قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110] .

فجعل الله تعالى خيرية الأمة منوطة بالقيام بهذا الواجب العظيم، الذي هو أساس دفع كل فساد وظلم، ولعل هذه الآية توضح أن المراد بمن في قوله: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} في الآية الأخرى ليس هو التبعيض، كما ذهب إليه أحد الفريقين في تفسير الآية.

ولذا فإن البحث يرجح أن تكون مهمة الدفع والإصلاح بوسيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خطاب موجه لكل مسلم بالشروط الواجب مراعاتها في الأمر والنهي، بحسب ما يملك كل امرئ من العلم والحكمة، وعلى قدر ما يستطيع، وليس مقتصرًا على العلماء والمحتسبين المنتصبين لذلك؛ ففي مسائل الدين كالصلاة والصيام ما هو معلوم بالضرورة لكل مسلم، ويستطيع أن يأمر بذلك من ولي عليه من أهله، أو رعيته بالحكمة والموعظة الحسنة؛ فإن لم يستطع ذلك لعيٍ أو عجز أو ضعف أو جهل؛ حث غيره من القادرين على ذلك وأعانهم عليه.

وذلك على أرجح القولين في قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] .

ولذا نجد النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد على خطورة إهمال تغيير المنكر فيقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود وغيره بإسناده: «عن إسماعيل، عن قيسٍ، قال: قال أبو بكرٍ: بعد أن حمد الله، وأثنى عليه: يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية، وتضعونها على غير مواضعها: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت