فهرس الكتاب

الصفحة 1087 من 2431

قال: عن خالدٍ، وإنا سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقابٍ) ، وقال عمرٌو: عن هشيمٍ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من قومٍ يعمل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا، ثم لا يغيروا، إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقابٍ) ، قال أبو داود: ورواه كما قال خالدٌ أبو أسامة: وجماعةٌ، وقال شعبة فيه: (ما من قومٍ يعمل فيهم بالمعاصي هم أكثر ممن يعمله) » 36.

5.الدفع بالتي هي أحسن.

لعل من أجمل ما يتميز به أهل الإيمان في دفعهم للباطل وأهله أنهم يدفعون بالتي هي أحسن ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا؛ فما أمكن دفعه من الفساد بأخف الوسائل؛ لم يجز تعد هذه الوسيلة إلى ما هو أعظم منها فتكًا وإهلاكًا، كما هو مشاهد من فعل أهل الباطل من إسرافهم في استعمال القوة المفرطة والميل إلى الإبادة العامة للإسلام وأهله.

قال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 96] .

وقال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 34 - 35] .

وذلك في حال السلم، أما في حال الحرب؛ فقد نهى رسولنا الكريم عن قتل الطفل أو المرأة أو الشيخ الكبير أو من لا يقاتلنا:

عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرًا على جيشٍ، أو سريةٍ، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: (اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصالٍ -أو خلالٍ- فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيءٌ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم) 37.

عن ابن عباسٍ، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال: (اخرجوا بسم الله، تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع) 38.

فنرى كيف ينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغدر، والتشفي بالأعداء، والتمثيل بجثثهم، وعن قتال من لا يقاتل من الضعفاء كالنساء والأطفال والعجزة، وانظر كيف يجعل النبي صلى الله عليه وسلم الدفع بالقتال آخر الدواء، وكأنه لا يقدم عليه إلا مضطرًا؛ فأين ذلك مما يشوه به أعداء الإسلام صورة النبي صلى الله عليه وسلم وصورة الإسلام والمسلمين.

فإن لم يكن بد من القتال والقتل؛ فقد نهى رسولنا الكريم عن التعذيب والتمثيل، وأمر بإحسان القتل حتى في الحيوان، فما بالنا بالإنسان الذي كرمه الله على العموم في قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70] .

بل حث على دفع باطلهم العقدي والفكري بالجدال بالتي هي أحسن كذلك، حيث ينبني منهج الحوار في الإسلام على أسس أخلاقية قويمة، تلتزم الصدق والعدل والإنصاف، وتحترم الآخر، وتعطيه حقوقه في الحوار كاملة، وتعترف بإنسانيته، وتجعله هو والطرف الآخر على حدٍ سواء، ولا تبيح سبه، أو إهانته أو السخرية منه -إلا أن يبدأ هو بذلك-، وترغب في العفو عن إساءته، وعدم مقابلة السيئة بمثلها؛ بل ترغب في دفعها بالتي هي أحسن، مع التزام كل ما هو متقرر من آداب الحديث والحوار والمجادلة.

وجماع ذلك في قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125] .

قال ابن جرير رحمه الله: « {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} يقول: وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها، أن تصفح عما نالوا به عرضك من الأذى، ولا تعصه في القيام بالواجب عليك من تبليغهم رسالة ربك» 39.

وقال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46] .

«قال قتادة وغير واحد: هذه الآية منسوخة بآية السيف، ولم يبق معهم مجادلة، وإنما هو الإسلام أو الجزية أو السيف، وقال آخرون: بل هي باقية أو محكمة لمن أراد الاستبصار منهم في الدين، فيجادل بالتي هي أحسن؛ ليكون أنجع فيه، كما قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125] .

وقال تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44] .

وهذا القول اختاره ابن جرير، وحكاه عن ابن زيد.

وقوله: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} أي: حادوا عن وجه الحق، وعموا عن واضح المحجة، وعاندوا وكابروا، فحينئذ ينتقل من الجدال إلى الجلاد، ويقاتلون بما يردعهم ويمنعهم، قال مجاهد: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} يعني: أهل الحرب، ومن امتنع منهم عن أداء الجزية.

وقوله: {وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ} ، يعني: إذا أخبروا بما لا يعلم صدقه ولا كذبه، فهذا لا نقدم على تكذيبه؛ لأنه قد يكون حقًا، ولا على تصديقه، فلعله أن يكون باطلًا» 40.

فالصواب أن جدال أهل الكتاب وغيرهم بالتي هي أحسن ثابت ومحكم غير منسوخ، وهو يقتضي حسن معاملتهم؛ بل والعفو عن أذاهم، وحسن الأدب في حوارهم، وعدم تكذيبهم فيما لم يرد في شرعنا ما يشهد لاعتباره أو إلغائه، وإن كنا لا نعتقد بالضرورة صدقه، ولكن الإنصاف يقتضي عدم تكذيبهم فيه كذلك، وهذا غاية الأدب والإنصاف في المحاورة.

فمقتضى قوله تعالى: {بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} التزام كل خلق حسن جميل مع المحاور، واجتناب كل خلق رذيل، وهذا مع كل محاور -وقيد أهل الكتاب هنا لا مفهوم له- بعموم دلالة الآية الأولى؛ فالمسلم أولى بلا خلاف من الكتابي بإحسان معاملته، وخصوصية الكتابي في إحسان محاورته لا تنفي أحقية غيره من الكفار والمشركين والملحدين في إحسان حوارهم ومجادلتهم.

قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} [التوبة: 6] .

«قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه: وإن استأمنك، يا محمد، من المشركين، الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، أحدٌ؛ ليسمع كلام الله منك -وهو القرآن الذي أنزله الله عليه- {فَأَجِرْهُ} ، يقول: فأمنه حتى يسمع كلام الله وتتلوه عليه {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} ، يقول: ثم رده بعد سماعه كلام الله -إن هو أبى أن يسلم، ولم يتعظ لما تلوته عليه من كلام الله فيؤمن- إلى مأمنه، يقول: إلى حيث يأمن منك وممن في طاعتك، حتى يلحق بداره وقومه من المشركين {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} ، يقول: تفعل ذلك بهم، من إعطائك إياهم الأمان ليسمعوا القرآن، وردك إياهم إذا أبوا الإسلام إلى مأمنهم، من أجل أنهم قوم جهلة، لا يفقهون عن الله حجة، ولا يعلمون ما لهم بالإيمان بالله لو آمنوا، وما عليهم من الوزر والإثم بتركهم الإيمان بالله» 41.

فأوجب إجارته ممن يتعرض له بسوء، وتأمينه حتى يستطيع أن يسمع ويعقل كلام الله بأمان تام، بل أوجب تأمينه -بعد إسماعه ومحاورته- إلى المكان الذي يأمن فيه على نفسه، ويلحق بديار أهله من المشركين.

6.الدفع عن طريق رد الشبه وكشف حقيقة الباطل عن طريق وسائل الإعلام المختلفة والحوار والمحاجة والمناظرة.

معرفة سبيل المجرمين بهدف الحذر منها، وكشفها وبيانها وإبطالها من أوجب الواجبات لمن انتصب للدفع عن الإسلام وأهله.

قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 55] .

«قال: لتعرفها» 42.

وإذا كانت استبانة سبيل المجرمين من واجبات الدين، ومن مهمات الدفع؛ وجب على المسلمين الإفادة من كل وسيلة صالحة لذلك، سواء عن طريق الكلمة المكتوبة، أو المسموعة، أو المرئية، سواء بكتاب أو جريدة أو مجلة أو إذاعات وفضائيات ومواقع الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وغير ذلك من الوسائل الإعلامية العديدة التي يعج بها العصر الحديث، وبرع أعداء الإسلام في استخدامها والإفادة منها؛ لمدافعة الدين الحق وأهله.

وقد بينا فيما سبق في التعريف بمصطلح الدفع والمصطلحات القريبة، ما هو قريب من مصطلح الدفع، كالحوار والمجادلة والمحاجة والمناظرة، وذكرنا الفروق بينها، وبعض ما يستدل به على ذلك من كتاب الله تعالى.

والمقصود هنا بيان أن هذه الوسائل هي من وسائل الدفع المهمة، بل لعلها تكون هي وسيلة الدفع الوحيدة المتاحة حينما تعجز الآلة العسكرية؛ لضعف الإمكانات، أو لعدم تهيؤ الظروف لها.

وقد امتدح القرآن الشعراء الذين ينتصرون بشعرهم لدين الله تعالى؛ حيث استثناهم من الذم الذي ألحقه بالشعراء، حيث نعتهم بالغواية والضلال والإضلال، {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} ، أي: انتصروا لدينهم وعقيدتهم وأعراض المسلمين بشعرهم.

قال تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 224 - 226] .

وعن كعب بن مالك رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قد أنزل في الشعر ما أنزل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونه به نضح النبل) 43.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لحسان منبرًا في المسجد يقوم عليه قائمًا، يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ينافح، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) 44.

7.الأخذ بما أمكن من أسباب القوة البشرية والسياسية والاقتصادية والعسكرية.

مما لا شك فيه أن الأخذ بأسباب القوة المختلفة، لا سيما القوة العسكرية من أهم آلات الدفع في معركة الإسلام مع قوى الشر المختلفة، ولا نكون مغالين إذا قلنا: إن كثيرًا من صور الانحراف الفكري لدى كثير من مفكري المسلمين إنما يرجع سببه إلى الهزيمة النفسية، التي ترجع إلى انبهارهم بالقوة المادية والعسكرية التي عليها أعداء الإسلام.

وقد أمرنا الله تعالى أن نأخذ بكل ما نستطيعه، ويمكن أن تصل إليه أيدينا من وسائل القوة.

قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60] .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) 45.

والقوة تشمل القوة المادية، والقوة العسكرية، وسائر أنواع القوة؛ لعدم الدليل على التقييد بنوع دون آخر.

8.التحالفات السياسية.

لا يستطيع المسلمون مدافعة أعدائهم على قوتهم واجتماعهم إلا بتحالفهم واجتماعهم، وموالاة بعضهم بعضًا؛ فقد أوجب الله على أهل الإيمان الموالاة في الدين والاجتماع والتآلف والتحالف عليه، ونهاهم عن التفرق والتخالف.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال: 72] .

وهيجهم على فعل هذه الولاية؛ بحرص أعدائهم عليها فقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73] .

كذلك يجوز لهم بحسب المصلحة عقد المعاهدات مع غيرهم، بحسب ما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين، كما عاهد النبي صلى الله عليه وسلم يهود المدينة 46.

9.القتال.

القتال كما هو معلوم من أعظم وسائل الدفع، وقد أخر الله تشريع القتال كوسيلة للدفع من المسلمين لأعدائهم، وأمر قبل ذلك بالعفو والصفح.

قال تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل: 10] .

والآيات في ذلك كثيرة، ثم نسخت تلك الآيات بآية السيف، والآيات المشابهة لها، مثل قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] .

وقوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39] .

وقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] .

ورغم قوة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة فكان يعمل قاعدة الحكمة والموازنة بين المصالح والمفاسد في التعامل مع المناوئين من اليهود والمنافقين والعرب؛ حتى تستوي قوة الدولة في المدينة، وذلك عملًا بتوجيهات القرآن الكريم حيث أمره بالعفو عن المنافقين في بادئ الأمر والإعراض عنهم: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء: 63] .

أما بعد تمكن الدولة؛ فقد جاء الأمر بتتبعهم وقتالهم وقطع دابرهم والإغلاظ لهم: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب: 60 - 61] .

وصالح النبي صلى الله عليه وسلم اليهود، وعاهدهم في بادئ الأمر، ثم لما نقضوا عهدهم؛ قاتلهم وأجلاهم عن المدينة.

وهكذا كان أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأسباب القوة؛ حماية للدعوة الإسلامية، وتمكينًا لها، مع العمل بميزان الحكمة في ذلك، وإعمال قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد.

وقد أنزل الله تعالى في سورة الحج الإذن بالدفع بالوسيلة القتالية؛ فقال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 39 - 40] .

فأذن تعالى للمظلومين في قتال الظالمين ومدافعتهم بالقوة؛ لئلا يستشري الفساد في الأرض، وتنتهك الحرمات، وتضيع معالم الخير، بضراوة أهل الظلم والطغيان، وتعديهم على مواضع العبادة وتخريبها، وذلك عنوان على أقبح صور الإفساد في الأرض؛ لأنه هتك لسياج الحرمات الفردية والجماعية في أقدس مقدساتها 47.

هذا والدعوة الإسلامية مأمورة بإعداد القوة والأخذ بأسبابها في جميع المراحل بحسب الاستطاعة، وهذا لا ينافي الأمر بالصبر، واحتمال الأذى من أعداء الدعوة في مرحلة البيان؛ حتى تكسب تعاطف الناس، وحتى تتمحص رسالتها للكشف عن الحقيقة والدعوة إلى الحق، وحتى لا يظن بها الظنون بابتغاء نوع من المنافع الدنيوية المادية العاجلة، ومع ذلك فهي مأمورة بالأخذ بأسباب القوة في جميع الأحوال لقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60] .

ولكن في مرحلة البيان لا يزيد الأمر عن إعداد القوة دون استخدامها، أو إظهارها، بخلاف مرحلة التمكن، واستقرار الدولة الإسلامية؛ فإنها يشرع لها استخدام القوة للدفاع عن الدعوة الإسلامية في وجه أعدائها والتمكين لها، وصد ودحر كل من يقف في سبيل إيصالها إلى الناس، كل ذلك بما لا يتناقض مع قواعد الحكمة، والنظر في ميزان المصالح والمفاسد، وعدم التعجل لكسب أي مكاسب سياسية أو مادية، بل المقياس الأول هو هداية الناس، وتبليغ هذا الدين.

10.المقاطعة الاقتصادية.

يتخذ المؤمنون المقاطعة الاقتصادية سلاحًا ووسيلة من أهم وسائل الدفع لأعدائهم، بحسب ما تقتضيه الحاجة والمصلحة؛ فمعلوم أن المال قوام الحياة، كما قال تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5] .

فهذا ثمامة بن أثال -ذلك الصحابي الجليل- بعدما أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة؛ ها هو يسن للمسلمين بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم له سنة المقاطعة الاقتصادية للمشركين والكافرين المحاربين للإسلام؛ وذلك أنه: (لما قدم مكة قال له قائلٌ: صبوت، قال: لا، ولكن أسلمت مع محمدٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا والله، لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطةٍ، حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم) 48.

11.المقاطعة الاجتماعية.

من أهم الأسس التي يقوم الدفع عليها عند المؤمنين، براءتهم من الكافرين، ومما هم عليه من اعتقاد فاسد ينبني على الكفر بالله واليوم الآخر.

قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22] .

فبين الله تعالى أن الإيمان بالله واليوم الآخر لا يجتمع مع موادة من حاد الله ورسوله، ولو كان من الأصول أو الفروع أو ذوي الأرحام المقربين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت