فهرس الكتاب

الصفحة 2008 من 2431

من ذلك ما ذكره الله تعالى في قصة موسى عليه السلام -في معرض المن عليه- فقال: {إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ} [طه:40] ، وذلك حين قالت لها أمها: {قُصِّيهِ} [القصص:11] .

اتبعي أثره فانظري ماذا يفعلون به. فخرجت تمشي في ذلك {فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) } [القصص:11] ، وقد احتاج إلى الرضاع والتمس الثدي، وجمعوا له المراضع حين ألقى الله محبتهم عليه، فلا يؤتى بامرأة فيقبل ثديها! فيؤتى بمرضع بعد مرضع، فلا يقبل شيئًا منهم، فقالت لهم أخته حين رأت من وجدهم به وحرصهم عليه: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ} [القصص:12 - 13] 39.

وحادثة أخرى مع موسى عليه السلام أيضًا لكن هذه المرة في حال كبره ونبوته، عندما فر من قوم فرعون الذين يريدون قتله، وفي مدين سقى للمرأتين ثم توجه إلى ظل شجرة يشكو إلى ربه فقره، فجاءه الفرج من ربه فقال: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص:25] .

وسيأتي الحديث عن اللفتة التربوية في مشية هذه الفتاة.

قال مطرف: «أما والله لو كان عند نبي الله شيءٌ ما تتبع مذقتها، ولكن إنما حمله على ذلك الجهد» .40

أولًا: الدروس الإيمانية لذكر المشي في القرآن الكريم:

1.الرفق واللين في معايشة الناس.

تتجلى هذه الدلالة في قوله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَ?نِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان:63] .

فقوله عز وجل: (وَعِبَادُ الرَّحْمَ?نِ) أي: أفاضل العباد، وقيل: هذه الإضافة للتخصيص والتفضيل، وإلا فالخلق كلهم عباد الله 41.

«عن زيد بن أسلم قال: كنت أسأل عن تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) فما وجدت في ذلك شفاءً! فرأيت في المنام من جاءني فقال لي: «هم الذين لا يريدون أن يفسدوا في الأرض» . فهذا رأي لزيد بن أسلم ألهمه يجعل معنى (يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ) أنه استعارة للعمل في الأرض، كقوله تعالى: (وَإِذَا تَوَلَّى? سَعَى? فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا) [البقرة:205] .

وأن الهون مستعار لفعل الخير؛ لأنه هون على الناس، كما يسمى بالمعروف» 42.

«وجوز الزجاج أن يكون قوله: (يَمْشُونَ) عبارة عن تصرفاتهم في معاشرة الناس، فعبر عن ذلك بالانتقال في الأرض، وتبعه ابن عطية» 43.

لكن الأصل إمرار اللفظ على ظاهره، حتى يأتي دليلٌ صحيحٌ صريحٌ يصرفه عن ذلك الظاهر، فظاهر الخطاب هنا أنه مدحٌ لمشيةٍ بالأرجل، وهذا الذي عليه جمهور المفسرين 44.

لكن لنا أن نقول: أن هذا الاختلاف في تفسير المشي هنا، إنما هو من اختلاف التنوع لا التضاد، فيجوز أن يكون تفسير المشي هنا، يحتمل كل ما ذكر، فهم في معاملتهم مع إخوانهم ظاهرًا وباطنًا هينون لينون كما وصفهم ربهم: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) [المائدة:54] .

إن هذا الهون في المشي الذي تتصف به هذه الجماعة المؤمنة ناشئ عن التواضع لله تعالى والتخلق بآداب النفس العالية، وزوال بطر أهل الجاهلية، فكانت هذه المشية من خلال الذين آمنوا على الضد من مشي أهل الجاهلية. وعن عمر بن الخطاب أنه رأى غلامًا يتبختر في مشيته فقال له: (إن البخترة مشية تكره إلا في سبيل الله) 45.

فهذه الآية تنبيهٌ من الله وتحريض للمؤمنين، إنهم أرادوا تكريم الله تعالى لهم، وإضافتهم إلى نفسه تعالى؛ أن يكونوا متصفين بهاتين الصفتين: (يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) .

2.صاحب الحق يملك نورًا من الله وبصيرة.

وتتجلى هذه الدلالة في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) } [الحديد:28] .

فـ «في قوله: {تَمْشُونَ بِهِ} إعلام بأن تصرفهم وتقلبهم الذي ينفعهم إنما هو النور، وأن مشيهم بغير النور غير مجدٍ عليهم ولا نافع لهم، بل ضرره أكثر من نفعه.

وفيه: أن أهل النور هم أهل المشي في الناس، ومن سواهم أهل الزمانة والانقطاع، فلا مشي لقلوبهم ولا لأحوالهم ولا لأقوالهم ولا لأقدامهم إلى الطاعات، وكذلك لا تمشي على الصراط إذا مشت بأهل الأنوار أقدامهم» 46.

كما قال تعالى في الآية الأخرى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122) } [الأنعام:122] .

فهم ينيرون لأنفسهم وللناس، لا كالشمعة تضيء للناس وتحرق نفسها.

«وفي قوله: {تَمْشُونَ بِهِ} نكتة بديعة، وهي أنهم يمشون على الصراط بأنوارهم كما يمشون بها في الناس في الدنيا، ومن لا نور له فإنه لا يستطيع أن ينقل قدمًا عن قدم على الصراط، فلا يستطيع المشي أحوج ما يكون إليه» 47.

ثانيًا: الدروس التربوية لذكر المشي في القرآن:

1.تنشئة الأسرة على الآداب الحسنة.

وتتجلى هذه الدلالة في قوله تعالى حاكيًا نصائح لقمان الحكيم لابنه: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ? إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) [لقمان:19] .

فيأتي هذا الإرشاد التربوي من لقمان الحكيم لابنه بعد إرشادات سابقة، فـ «بعد أن بين له آداب حسن المعاملة مع الناس قفاها بحسن الآداب في حالته الخاصة، وتلك حالتا المشي والتكلم، وهما أظهر ما يلوح على المرء من آدابه.

والقصد: الوسط العدل بين طرفين، فالقصد في المشي: هو أن يكون بين طرف التبختر وطرف الدبيب، ويقال: قصد في مشيه. فمعنى (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) ارتكب القصد.

والغض: نقص قوة استعمال الشيء. يقال: غض بصره، إذا خفض نظره فلم يحدق فغض الصوت: جعله دون الجهر» 48.

وقد يرد على القارئ سؤالٌ هنا، وهو: لم ذكر المانع من رفع الصوت (إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) ، ولم يذكر المانع من سرعة المشي؟

قيل: هناك ثلاث حكم في ذلك:

الأولى: أن رفع الصوت يؤذي السامع ويقرع الصماخ بقوة، وربما يخرق الغشاء الذي داخل الأذن! وأما السرعة في المشي فلا تؤذي، أو إن كانت تؤذي فلا تؤذي غير من في طريقه، والصوت يبلغ من على اليمين واليسار.

الثانية: لأن المشي يؤذي آلة المشي، والصوت يؤذي آلة السمع، وآلة السمع على باب القلب؛ فإن الكلام ينتقل من السمع إلى القلب ولا كذلك المشي.

الثالثة: لأن القول قبيحه أقبح من قبيح الفعل، وحسنه أحسن؛ لأن اللسان ترجمان القلب 49.

2.الإشادة بصفة الحياء عند المرأة.

وتتجلى هذه الدلالة في ما حكاه الله تعالى من قصة موسى مع ابنة ذلك الرجل الصالح 50 فقال: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص:25] .

إن وصف الله تعالى لمشية تلك الفتاة المحتشمة بقوله أنها {عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} لم يأت هكذا دون فائدة أو دلالة، بل له دلالة تربوية حكيمة، تجعل هذه الفتاة مثالًا رائعًا للمرأة الموافقة لفطرتها، التي لم تتعود أصلًا لمثل هذا الخروج من بيتها، ولكن لما أحوجتها الضرورة خرجت بتلك الصفة الطيبة الكريمة، فليكن لك يا فتاة الإسلام في تلك الفتاة المثل الرائع والقدوة الحسنة.

«والمعنى أنها مستحيية في مشيها، أي: تمشي غير متبخترة ولا متثنية ولا مظهرة زينة، وعن عمر بن الخطاب أنها كانت ساترة وجهها بثوبها.

والاستحياء مبالغة في الحياء» 51.

«عن عمرو بن ميمون قال: قال عمر رضي الله عنه: (جاءت تمشي على استحياء قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسلفعٍ -جريئة على الرجال- من النساء، خراجةٍ ولاجةٍ) » 52.

قال ابن الجوزي رحمه الله: «وفي سبب استحيائها ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه كان من صفتها الحياء فهي تمشي مشي من لم يعتد الخروج والدخول.

والثاني: لأنها دعته لتكافئه وكان الأجمل عندها أن تدعوه من غير مكافأة.

والثالث: لأنها رسول أبيها» 53.

زاد الإمام الرازي: «لأن الكريم إذا دعا غيره إلى الضيافة يستحيي لا سيما المرأة» 54.

وهكذا يأتي التوجيه الإلهي التربوي للنساء عن كيفية المشي الذي يناسب طبيعة المرأة وفطرتها، فيقول سبحانه في آية النور: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور:31] .

قال ابن كثير رحمه الله: كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت -لا يسمع صوته- ضربت برجلها الأرض، فيعلم الرجال طنينه، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك، وكذلك، إذا كان شيء من زينتها مستورًا فتحركت بحركةٍ لتظهر ما هو خفي دخل في هذا النهي؛ لقوله تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} .

ومن ذلك أيضًا أنها تنهى عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها ليشتم الرجال طيبها.

ومن ذلك أيضًا أنهن ينهين عن المشي في وسط الطريق؛ لما فيه من التبرج 55.

موضوعات ذات صلة:

السعي، السير

1 انظر: الصحاح، الجوهري 6/ 2493، لسان العرب، ابن منظور 6/ 4212.

2 المفردات، الراغب الأصفهاني 2/ 377.

3 مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 325.

4 المصباح المنير، الفيومي 1/ 296.

5 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 667 - 668.

6 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 414 - 415.

7 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 120، تاج العروس، الزبيدي 12/ 115.

8 انظر: تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة ص 274، التفسير الوسيط، الواحدي 1/ 376، المفردات، الراغب ص 411 - 412.

9 مفاتيح الغيب، الرازي 5/ 347.

10 انظر: فتح الباري 8/ 543.

11 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/ 339.

12 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب طيب رائحة النبي صلى الله عليه وسلم، رقم 2330.

تكفأ: مشي مشيًا قويًّا.

انظر: شرح السنة، البغوي 13/ 222.

13 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 25/ 122.

14 مفاتيح الغيب، الرازي 25/ 122 باختصار.

15 تكملة أضواء البيان، عطية سالم 8/ 238.

16 المصدر السابق.

17 المصدر السابق 8/ 239 - 240.

18 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/ 190.

19 النكت والعيون، الماوردي 6/ 63 - 64.

20 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطهارة، باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله، رقم 216، ومسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول، رقم 292.

21 التحرير والتنوير 29/ 73.

22 انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم 1/ 66.

23 في ظلال القرآن، سيد قطب 4/ 2228.

24 فتح القدير، الشوكاني 3/ 326.

25 أضواء البيان، الشنقيطي 3/ 156.

26 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 10/ 262.

27 النكت والعيون، الماوردي 3/ 244.

28 في ظلال القرآن، سيد قطب 4/ 2228.

29 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 12/ 292.

30 أنوار التنزيل، البيضاوي 4/ 207.

31 انظر: تفسير السمعاني 4/ 12 - 13.

32 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 519.

33 المحرر الوجيز، ابن عطية 2/ 270.

34 البحر المديد، ابن عجيبة 5/ 184.

35 التحرير والتنوير، ابن عاشور 29/ 41 - 43 بتصرف.

36 معالم التنزيل، البغوي 1/ 70.

37 لباب التأويل، الخازن 1/ 30.

38 روح البيان 1/ 72.

39 انظر: جامع البيان، الطبري 16/ 61.

40 جامع البيان، الطبري 18/ 221.

41 معالم التنزيل، البغوي 6/ 93.

42 التحرير والتنوير، ابن عاشور 19/ 89.

43 المصدر السابق 10/ 189 - 190.

44 المصدر السابق 19/ 88.

45 المصدر السابق 19/ 88.

46 اجتماع الجيوش الإسلامية، ابن القيم ص 9.

47 المصدر السابق.

48 التحرير والتنوير، ابن عاشور 21/ 111.

49 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 25/ 123.

50 لعل الأقرب للصواب أنه كان رجلًا صالحًا، وليس هو نبي الله شعيب.

قال الطبري في تفسيره 19/ 562: وهذا مما لا يدرك علمه إلا بخبر، ولا خبر بذلك تجب حجته.

وقال الرازي في تفسيره 24/ 589: ليس في القرآن ما يدل على أن أباهما كان شعيبًا.

وانظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/ 228.

51 التحرير والتنوير، ابن عاشور 20/ 42.

52 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/ 228.

قال ابن كثير: هذا إسناد صحيح.

53 زاد المسير، ابن الجوزي 6/ 214.

54 مفاتيح الغيب، الرازي 24/ 206.

55 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/ 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت