أولًا: المعنى اللغوي:
العتاب مصدر عاتب، «وعتب عليه عتبًا وعتابًا وتعتابًا ومعتبًا ومعتبةً، لامه وخاطبه مخاطبة الإدلال طالبًا حسن مراجعته، ومذكرًا إياه بما كرهه منه» 1، وكذلك قال الأزهري 2.
قال صاحب مقاييس اللغة: « (عتب) العين والتاء والباء أصلٌ صحيح، يرجع كله إلى الأمر فيه بعض الصعوبة من كلامٍ أو غيره» 3.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يخرج المعنى الاصطلاحي للعتاب عن المعنى اللغوي المذكور سابقًا، فالعتاب: مخاطبة الإدلال، ومذاكرة الموجدة 4، فهو لوم من طرف لآخر على سبيل الحب والإدلال 5، وإنما يعاتب من ترجى عنده العتبى، أي: الرجوع عن الذنب والإساءة، أو ما هو أولى، وهذا المعنى هو أنسب معاني العتاب وأمسها بالموضوع.
ورد الجذر (عتب) في القرآن الكريم (5) مرات 6.
والصيغ التي وردت عليها هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل المضارع ... 4 ... {فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35) } [الجاثية:35]
اسم المفعول ... 1 ... {وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24) } [فصلت:24]
وورد العتاب في القرآن بمعناها في اللغة وهو: مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة. تقول: عاتبه معاتبة. قال الشاعر 7:
أعاتب ذا المودة من صديق إذا ما رابني منه اجتناب
اللوم:
اللوم لغة:
لام يلومه لومًا وملامًا وملامةً ولومةً فهو ملوم ومليمٌ، ولامه إذا عذله وعنفه 8.
اللوم اصطلاحًا:
هو «عذل الإنسان عما فيه عيب» 9.
الصلة بين العتاب واللوم:
أن العتاب هو خطاب على تضييع حقوق المودة والصداقة فهو مفارق للوم، فاللوم هو خطاب وتنبيه على أمورٍ واجبة التحقق ويترتب على تركها ضررٌ 10، وعلى ذلك فاللوم يكون مقرونًا بالشدة والتأنيب، بينما العتاب فيه لطف ولين.
النصيحة:
النصيحة لغةً:
نصحت له نصوحًا ونصيحةً ومناصحةً: أي أخلصت وصدقت، والاسم النصيحة، والنصيح: الناصح، وهي كلمة جامعة لإرادة الخير للمنصوح 11.
النصيحة اصطلاحًا:
هي «الدعاء إلى ما فيه الصلاح، والنهي عما فيه الفساد» 12.
الصلة بين العتاب والنصيحة:
العتاب يكون عند تقصير صادر من المنصوح تجاه الناصح، بينما النصيحة تكون بتوجيه ما فيه خير للمنصوح دون وجود تقصير.
العفو:
العفو لغة:
مصدر عفا يعفو عفوًا، والعفو يطلق على معنيين أصليين:
أحدهما: ترك الشيء، والآخر: طلبه 13.
والعفو اصطلاحًا:
كف الضرر مع القدرة عليه، وكل من استحق عقوبة فتركها، فقد عفا 14.
الصلة بين العتاب والعفو:
العتاب توجيه اللوم للمقصر بلطف لضياع حقوق، والعفو ترك العقوبة عن المذنب.
تنوعت أساليب القرآن في الحديث عن العتاب، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي:
أولًا: أسلوب المؤاخذة الصريح:
تنوعت أساليب القرآن في العتاب ما بين التصريح والتعريض، وكلاهما خلاف الآخر، فمما قيل في تعريفهما أن التعريض: تضمين الكلام دلالة ليس لها فيه ذكر، كقولك: ما أقبح البخل، تعرض بأنه بخيل.
فيفهم السامع مراد المتكلم من غير تصريح.
والتصريح: خلاف التعريض، كقولك: أنت بخيل، ممن يعتقد أنه بخيل. فلا يحتمل الكلام غير المقصود 15.
ولما كان العتاب من سنة الأحباب.
قال تعالى عن الكفار في يوم القيامة: {لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} [الروم: 57] .
فقوله: {وَلَا هُمْ} أي: الذين وضعوا الأشياء في غير مواضعها {يُسْتَعْتَبُونَ} أي: يطلب منهم ظاهرًا أو باطنًا بتلويح أو تصريح أن يزيلوا ما وقعوا فيه مما يوجب العتب، وهو الموجدة عن تقصير يقع فيه المعتوب؛ لأن ذلك لا يكون إلا بالطاعة، وقد فات محلها بكشف الغطاء؛ لفوات الدار التي تنفع فيها الطاعات؛ لكونها إيمانًا بالغيب، والعبارة تدل على أن المؤمنين يعاتبون عتابًا يلذذهم 16.
ومن أشد الآيات الصريحة في العتاب آيات سورة عبس، ومع ذلك جاءت ممهدة، فآذنت النبي صلى الله عليه وسلم بالعتاب أولًا، ثم جاءت بالصريح، بل ومن أشد الصريح، فقال تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} [عبس:1 - 2] .
أي: قطب النبي صلى الله عليه وسلم وجهه، وأعرض؛ لأن جاءه الأعمى، وقطع كلامه، وهو عبد الله بن أم مكتوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع عليه ابن أم مكتوم كلامه، فأعرض عنه.
{وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} [عبس: 3 - 4] أي: وما يعلمك ويعرفك يا محمد لعل الأعمى يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح بسبب ما يتعلمه منك، أو يتذكر فيتعظ بما تعلمه من المواعظ، فتنفعه الموعظة.
وفي هذا إيماء إلى أن غير الأعمى ممن تصدى لتزكيتهم وتذكيرهم من المشركين لا يرجى منهم الهداية، وفيه تعظيم من الله سبحانه لابن أم مكتوم.
وبعد هذا الوصف المؤذن بالعتاب جاء العتاب صريحًا في قوله تعالى: {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى} [عبس: 5 - 6] .
أي: أما من استغنى بماله وثروته وقوته عما لديك من معارف القرآن والهداية الإلهية، وعن الإيمان والعلم، فأنت تقبل عليه بوجهك وحديثك، وهو يظهر الاستغناء عنك والإعراض عما جئت به!
{وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى} [عبس: 7] أي: لا بأس ولا شيء عليك في ألا يسلم ولا يهتدي، ولا يتطهر من الذنوب، فإنه ليس عليك إلا البلاغ، فلا تهتم بأمر من كان مثل هؤلاء من الكفار 17.
قال سيد قطب: «جاء الإسلام ليقول: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] .
فيضرب صفحًا عن كل تلك القيم الثقيلة الوزن في حياة الناس، ثم جاء هذا الحادث لتقرير هذه القيمة في مناسبة واقعية محددة.
جاء الرجل الأعمى الفقير ابن أم مكتوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشغول بأمر النفر من سادة قريش، لا لنفسه ولا لمصلحته، ولكن للإسلام ولمصلحة الإسلام.
فلو أسلم هؤلاء لانزاحت العقبات العنيفة والأشواك الحادة من طريق الدعوة في مكة، وانتشر بعد ذلك الإسلام فيما حولها، بعد إسلام هؤلاء الصناديد الكبار.
فأعرض صلى الله عليه وسلم عن الرجل المفرد الفقير الذي يعطله عن الأمر الخطير، الأمر الذي يرجو من ورائه لدعوته ولدينه الشيء الكثير، والذي تدفعه إليه رغبته في نصرة دينه، وإخلاصه لأمر دعوته، وحبه لمصلحة الإسلام، وحرصه على انتشاره!
فجاء العتاب من الله العلي الأعلى لنبيه الكريم، صاحب الخلق العظيم، في أسلوب عنيف شديد.
وللمرة الوحيدة في القرآن كله يقال للرسول الحبيب القريب: {كَلَّا} وهي كلمة ردع وزجر في الخطاب!
{عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} [عبس:1 - 2] بصيغة الحكاية عن أحد آخر غائب غير المخاطب! وفي هذا الأسلوب إيحاء بأن الأمر موضوع الحديث من الكراهة عند الله بحيث لا يحب سبحانه أن يواجه به نبيه وحبيبه؛ عطفًا عليه، ورحمة به، وإكرامًا له عن المواجهة بهذا الأمر الكريه!
ثم يستدير التعبير -بعد مواراة الفعل الذي نشأ عنه العتاب- إلى العتاب في صيغة الخطاب.
فيبدأ هادئًا شيئًا ما: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} [عبس: 3 - 4] .
ما يدريك أن يتحقق هذا الخير الكبير، أن يتطهر هذا الرجل الأعمى الفقير -الذي جاءك راغبًا فيما عندك من الخير-، وأن يتيقظ قلبه فيتذكر فتنفعه الذكرى.
ثم تعلو نبرة العتاب وتشتد لهجته، وينتقل إلى التعجيب من ذلك الفعل محل العتاب: {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى} [عبس:5 - 10] .
أما من أظهر الاستغناء عنك وعن دينك وعما عندك من الهدى والخير والنور والطهارة، أما هذا فأنت تتصدى له وتحفل أمره، وتجهد لهدايته، وتتعرض له وهو عنك معرض!
وأما من جاءك طائعًا مختارًا {وَهُوَ يَخْشَى} ويتوقى {فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى} ، ويسمي الانشغال عن الرجل المؤمن الراغب في الخير التقي تلهيًا، وهو وصف شديد، ثم ترتفع نبرة العتاب حتى لتبلغ حد الردع والزجر: {كَلَّا} لا يكن ذلك أبدًا» 18.
ثانيًا: أسلوب التعريض:
لم يقتصر القرآن الكريم على الأساليب الصريحة في العتاب، بل اشتمل على عدة آيات، استنبط العلماء منها أن المراد منها عتاب غير صريح، ومن هذه الآيات:
قوله تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} [الأحزاب: 39] .
وأنه تعريض بمعاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بالعتاب الأول في خشيته الناس 19.
وقوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الصف: 10 - 11] .
فقد استنبط العلماء منه أنه تعريضٌ للمؤمنين بالعتاب على توليهم يوم أحدٍ بعد أن قالوا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه، فندبوا إلى الجهاد، فكان ما كان منهم يوم أحدٍ، فنزلوا منزلة من يشك في عملهم بأنه خيرٌ؛ لعدم جريهم على موجب العلم 20.
وكذلك قوله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ} [التوبة:40] .
عتاب من الله أيضًا للمؤمنين بعد انصراف نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من تبوك؛ لأن معناها: إن تركتم نصره، فالله يتكفل به؛ إذ قد نصره الله في مواطن القلة، وأظهره على عدوه بالغلبة والعزة 21.
وقوله تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الأعراف:10] .
عتاب من الله تعالى لبني آدم على قلة شكرهم 22.
وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21] .
عتاب من الله للمتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدير الكلام: لقد كان لكم في رسول الله قدوة حسنةٌ أن تتأسوا به، ولا تتخلفوا عنه، وتصبروا على الحرب ومعاناة الشدائد، لمن كان يرجو ثواب الله، والفوز بالنجاة في اليوم الآخر، وقد قرن الله الرجاء بكثرة ذكر الله 23.
تحدث القرآن الكريم عن صور من عتاب الله تعالى لأنبيائه، وسوف نتناولها بالتوضيح فيما يأتي:
أولًا: عتاب الله سبحانه وتعالى لآدم عليه السلام:
آدم عليه السلام أول الأنبياء وأبو البشر، خلقه الله بيديه، لما عصى الله تعالى قال تعالى عنه: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه:121] .
وصفه بالعصيان والغواية، وهو أبو الأنبياء.
وكرر ذلك في مواضع عدة من كتابه الكريم؛ وذلك تحذيرًا من خطر الانحراف عن شرع الله، فما بالكم بمن هو دون آدم صلوات الله وسلامه عليه بمراحل كثيرة؟! 24.
ووردت قصة آدم عليه السلام في سبعة مواطن في القرآن الكريم، وهي سور: «البقرة» و «الأعراف» و «الحجر» و «الإسراء» و «طه» و «الكهف» و «ص» .
عاتب الله آدم عليه السلام لاستجابته لإغواء إبليس، وتوبته مما أقدم عليه، قال عز وجل: {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 22 - 23] .
وقال سبحانه: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة:37] .
وقال عز من قائل: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه:122] .
قال الزمخشري: « {أَلَمْ أَنْهَكُمَا} عتاب من الله تعالى وتوبيخ وتنبيه على الخطأ، حيث لم يحذرا ما حذرهما الله من عداوة إبليس» 25.
وقال أبو السعود: « {وَأَقُلْ لَكُمَا} عطف على {أَنْهَكُمَا} أي: ألم أقل لكما {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} وهذا عتاب وتوبيخ على الاغترار بقول العدو» 26.
ما يستفاد من القصة:
تضمنت قصة آدم عليه السلام العديد من الفوائد والعبر، نذكرها فيما يلي:
1.أن آدم عليه السلام أبو البشر، وهذا ما تكاد تجمع عليه جميع الديانات السماوية، حيث كان آدم يتبوأ منزلة في الجنة، لكنه لما استجاب لغواية إبليس وإغرائه، أخرج منها إلى الأرض، وتوالدت منه ومن زوجه البشرية، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ?) [النساء:1] .
2.أن آدم عليه السلام أخطأ في أكله من الشجرة التي نهاه الله عن الاقتراب منها؛ ولكن هذا الخطأ لم يكن مقصودًا، بل كان عن ضعف ونسيان، كما قال سبحانه: (فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) [طه: 115] .
3.سعة رحمة الله وفضله، وسابغ كرمه، وقبوله لتوبة التائبين، كما قال تعالى: (فَتَابَ عَلَيْهِ ? إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ?37?) [البقرة: 37] .
4.أن آدم عليه السلام خلق من طين لازب، ومن حمأ مسنون، كما نصت على ذلك العديد من الآيات، نحو قوله تعالى: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍے) [السجدة: 7] .
5.اقتضت إرادة الله أن يجعل في الأرض خليفة، هو آدم ومن توالد من ذريته، كما قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة: 30] . وقال سبحانه أيضًا: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ) [الأنعام: 165] .
6.أن العداوة بين إبليس وذريته، وبين آدم وذريته عداوة قديمة ومستحكمة ومستمرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى: (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) [البقرة: 36] .
7.أن المتقلب في نعمة يجب أن يحافظ عليها، ويشكر الله ويدعوه بدوامها، ولا يعمل عملًا فيه مخالفة لأمر الله؛ لأن كفران النعم مذهب بها، وقد قال عز وجل: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ? وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ?7?) [إبراهيم: 7] .
8.أن قوة الإيمان تتغلب على كيد الشيطان، وأن عباد الرحمن ليس لإبليس عليهم سلطان، قال تعالى مخاطبًا إبليس ومبشرًا عباده المؤمنين: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الحجر: 42] .
9.خروج آدم عليه السلام من الجنة، وتحذيره وذريته من إغواء إبليس وكيده، قال تعالى: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ? بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ? فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى?) [طه: 123] .
هذه أهم القضايا الرئيسة التي أبرزتها قصة آدم عليه السلام كما عرضها القرآن الكريم، وهي في مجملها تبرز صورة الصراع بين الحق والباطل، وبين الإنسان وعدوه الأول والأخير إبليس الرجيم.
ثانيًا: عتاب الله سبحانه وتعالى لنوح عليه السلام:
وهذا نوح عليه السلام لما سأل الله ما ليس له به حق في ابنه أن ينجيه، فقال: (وَنَادَى? نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) [هود: 45] .
قال ابن عاشور: «النداء هنا نداء دعاءٍ، فكأنه قيل: ودعا نوحٌ ربه؛ لأن الدعاء يصدر بالنداء غالبًا، والتعبير عن الجلالة بوصف الرب مضافًا إلى نوحٍ عليه السلام تشريفٌ لنوحٍ وإيماءٌ إلى رأفة الله به، وأن نهيه الوارد بعده نهي عتابٍ» 27.
فماذا قال الله تعالى؟
قال تعالى: (يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ? إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ? فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ? إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [هود: 46] .
حذره من الجهل، وأن هذا السؤال ليس لك إنما للجاهلين 28.
ويبدو في ظاهر تلك الآيات أن الله عاتب نوحًا على أسلوبه بقوله: (فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ? إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) فلابد وأن يكون نوح أخطأ! وحقيقة الأمر أنه كاد أن يسأل نوح ربه أن ينجي كافرًا -ولا يجوز له ذلك- لجهله بكفر ابنه، فيحذره الله ألا يسأل ما لا يعلم.
ويرفع الله قدر نبيه بأن يرتقي به من أن يكون من الجاهلين بأن ينهاه عن السؤال بغير علم، بينما الأمر واضح أنه طالما استثنى الله ابن نوح فإن الولد كافر، وماذا في ذلك؟ فالله يهذب أنبيائه ويعلمهم؛ حتى يكونوا قدوة لأتباعهم المؤمنين.
وبعد أن ذكر الله تعالى هذه الزلة ومعاتبته إياه عليها، ذكر توبته منها، ورجوعه إليه، واستغفاره إياه واعترافه على نفسه بالجهل لها، فقال -جل جلاله-: (فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ? إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [هود: 46] .
وقال عز وجل في اعترافه وتوبته: (رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ? وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [هود: 47] 29.
ثالثًا: عتاب الله سبحانه وتعالى لموسى عليه السلام:
مما ورد في كتاب الله تعالى، ويدل على معاتبته له، قوله تعالى: (? وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى?(83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى? أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى?) [طه:83 - 84] .
قال الزمخشري: « (وَمَا أَعْجَلَكَ) أي: شيء عجل بك عنهم على سبيل الإنكار، وكان قد مضى مع النقباء إلى الطور على الموعد المضروب، ثم تقدمهم شوقًا إلى كلام ربه، وتنجز ما وعد به، بناء على اجتهاده وظنه أن ذلك أقرب إلى رضا الله تعالى، وزل عنه أنه عز وجل ما وقت أفعاله إلا نظرًا إلى دواعي الحكمة، وعلمًا بالمصالح المتعلقة بكل وقت، فالمراد بالقوم: النقباء، وليس لقول من جوز أن يراد جميع قومه وأن يكون قد فارقهم قبل الميعاد وجه صحيح.
فإن قلت: (وَمَا أَعْجَلَكَ) سؤال عن سبب العجلة، فكان الذي ينطبق عليه من الجواب أن يقال: طلب زيادة رضاك أو الشوق إلى كلامك وتنجز موعدك، وقوله: هُمْ أُولَاءِ عَلَى? أَثَرِي) [طه:84] .
كما ترى غير منطبق عليه.
قلت: قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين:
أحدهما: إنكار العجلة في نفسها.
والثاني: السؤال عن سبب المستنكر والحامل عليه، فكان أهم الأمرين إلى موسى بسط العذر، وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه، فاعتل بأنه لم يوجد منى إلا تقدم يسير، مثله لا يعتد به في العادة ولا يحتفل به، وليس بيني وبين من سبقته إلا مسافة قريبة يتقدم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمهم، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب، فقال: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) [طه:84] .
ولقائل أن يقول: حار لما ورد عليه من التهيب لعتاب الله، فأذهله ذلك عن الجواب المنطبق المرتب على حدود الكلام» 30.
رابعًا: عتاب الله سبحانه وتعالى لداود عليه السلام:
معلوم ثناء الله تعالى على داود عليه السلام في كتابه الكريم، فنبي الله داود قد آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب، وجعله خليفة في الأرض ليحكم بين الناس.
واختلف أهل العلم في سبب عتاب الله له على قولين:
الأول: طلبه من أحد جنوده أن ينزل له عن امرأته، وكان ذلك أمرًا مباحًا عندهم، ووجه العتاب فيه: ارتكابه خلاف الأولى.
والتمس أصحاب هذا القول أن ذلك مشابهًا لما كان عليه المهاجرون والأنصار في بادئ الأمر.
قال ابن جزي: (إِنَّ هَ?ذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ(23 ) ) [ص:23] .
هذه حكاية كلام أحد الخصمين، والأخوة هنا أخوة الدين، والنعجة في اللغة تقع على أنثى بقر الوحش وعلى أنثى الضأن، وهي هنا عبارة عن المرأة، ومعنى: (أَكْفِلْنِيهَا) أملكها لي، وأصله: اجعلها في كفالتي، وقيل: اجعلها كفلي، أي: نصيبي، ومعنى: (عَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) أي: غلبني في الكلام والمحاورة يقال: عز فلان فلانًا إذا غلبه.
الثاني: تركه قضاء حوائج الناس.
فنبي الله داود قد آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب، وجعله خليفة في الأرض ليحكم بين الناس، فهذه مهمته وهذا منصبه وهذه مؤهلاته، لكنه قسم زمنه إلى أثلاث: يوم لأهل بيته وشأنه الخاص، ويوم يجلس فيه للحكم بين الناس، ويوم يخلو ويعتكف لله سبحانه وتعالى في محرابه، ولكن هل الرسل بعثوا ليعتكفوا في المحاريب؟ وهل القضاة يتركون القضاء بين الناس ويعتكفون؟ لا.
فأداء الواجب مقدم على ذلك، فلما حصل من داود عليه السلام ما حصل وكان الخلطاء في حالة لا ترضى، بعث الله له ملكين تسورا عليه المحراب (ففزع منهم) قالوا: نحن خصمان بغى بعضنا على بعض، وذكرا له القضية، وهي قضية محلولة لا تحتاج إلى قضاء، رجل عنده تسعة وتسعون نعجة والثاني عنده واحدة، فقال صاحب التسعة والتسعين: أعطنيها أكمل المائة، وهذا ظلم لو عرضته على طفل صغير لقال: لا.
هذا ظالم، ولا حاجة إلى قاضٍ صاحب اجتهاد قد أوتي الحكمة.
إذًا القضية منتهية.