أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: «الشين والراء والباء أصل واحد منقاس مطرد، وهو الشرب المعروف، ثم يحمل عليه ما يقاربه مجازًا وتشبيهًا. تقول: شربت الماء أشربه شربًا، وهو المصدر. والشرب الاسم. والشرب: القوم الذين يشربون. والشرب: الحظ من الماء.
والمَشْرَب: الوجه الذي يشرب منه، ويكون موضعًا ويكون مصدرًا.
والإشراب: لون قد أشرب من لون، يقال: فيه شربة حمرةٍ. ويقال: أشرب فلان حب فلانٍ، إذا خالط قلبه، قال الله جل ثناؤه: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 93] . قال المفسرون: حب العجل» 1.
يتبين مما سبق أن الشرب في اللغة يدور حول معنى واحد، وهو تناول كل مائع، ماء كان أو غيره.
قال تعالى في صفة أهل الجنة: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21] .
وقال في صفة أهل النار: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ} [يونس: 4] .
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
المعنى الاصطلاحي للشرب هو المعنى اللغوي، فالشرب: المائع الذي تشتفه الشفتان، وتبلغه إلى الحلق، فيبلع دون مضغ 2.
وردت مادة (شرب) في القرآن الكريم (39) مرة 3.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 3 ... {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} [البقرة:249]
الفعل المضارع ... 6 ... {يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) } [المؤمنون:33]
الفعل الأمر ... 7 ... {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا} [مريم:26]
المصدر ... 15 ... {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) } [الواقعة:55]
اسم الفاعل ... 5 ... {نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) } [النحل:66]
اسم المكان ... 3 ... {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} [البقرة:60]
وجاء الشرب في القرآن على أربعة وجوه 4:
الأول: الشرب المعروف، ومنه قوله تعالى: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} [البقرة: 249] .
الثاني: الحظ والنصيب من الماء، ومنه قوله تعالى: {قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الشعراء: 155] ، يعني: حظهم ونصيبهم من الماء.
والثالث: موضع الشرب، ومنه قوله تعالى: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} [البقرة: 60] .
والرابع: المخالطة وحب الشيء، ومنه قوله تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 93] . يعني: تمكن حب العجل من قلوبهم وخالطها.
الجرع:
الجرع لغة:
هو البلع، أي: تناول الشيء وشربه ماء كان أو غيره.
الجرع اصطلاحًا:
يدل على قلة الشيء المشروب.
والتجرع: تكلف الجرع، وتناول المشروب جرعة جرعة على الاستمرار.
قال تعالى: {يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ} [إبراهيم: 17] .
الصلة بين الجرع والشرب:
اللفظان يحملان المعنى نفسه من تناول الشيء وشربه، إلا أن الجرع يزيد عن الشرب في قلة الشيء المشروب، وأنه قد يحمل معنى التكلف، وقد يدل على تناول المشروب جرعة جرعة على الاستمرار 5.
النهل:
النهل لغة:
أول الشرب 6.
النهل اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي.
الصلة بين النهل والشرب:
الشرب والنهل يتفقان إذا كانا لمرة واحدة، ويلاحظ أن الشرب أعم من النهل، فالشرب قد يكون مرة ومرتين، وقد يحصل منه الري، أما النهل فلا يكون إلا لأول الشرب، ولا يحصل منه الري غالبًا.
الأكل:
الأكل لغةً:
من أكل الطعام يأكله أكلًا، فهو آكلٌ، والإِكلة بالكسر: الحال التي يأكل عليها؛ متكئًا أو قاعدًا، يقال: إنه لحسن الإكلة، والأَكلة بالفتح: المرة الواحدة المشبعة، والأُكلة بالضم: اسم للقمة 7.
الأكل اصطلاحًا:
ليس هناك تعريفٌ اصطلاحيٌ للأكل يختلف عن تعريفه اللغوي، فالأكل معروف ولا يحتاج إلى تعريف، ويطلق لفظ الأكل ويراد به فعل الأكل، أي: تناول الطعام، وقد يطلق ويراد به الطعام نفسه.
الصلة بين الأكل والشرب:
كلاهما من الأطعمة، لكن غلب استعمال الشراب على السوائل، والأكل على ما يمضغ من الطعام.
الطعام:
الطعام لغة:
الطعام اسمٌ جامعٌ لكل ما يؤكل، ويقال: طعم يطعم طعمًا؛ فهو طاعمٌ، إذا أكل، أو ذاق، وإذا استعمل هذا الفعل بمعنى الذواق جاز فيما يؤكل وفيما يشرب. وروي عن ابن عباس أنه قال في زمزم: (إنها طعام طعمٍ، وشفاء سقمٍ) 8 أي: يشبع الإنسان إذا شرب ماءها، كما يشبع من الطعام، ويطعم: بمعنى يشبع، ويطلق الطعام عند الحجازيين على البر خاصة 9.
الطعام اصطلاحًا:
لا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.
الصلة بين الطعام والشرب:
الطعام أعم من الشرب، فإذا استعمل بمعنى الذواق جاز فيما يؤكل وفيما يشرب.
الأكل والشراب نعمتان عظيمتان من نعم الله تعالى على خلقه منةً وتفضلًا، فهو الذي خلقهم، وتكفل برزقهم، وامتن عليهم بكثير من النعم، التي منها نعمة الأكل والشرب، ومما نلاحظه في القرآن الكريم اقتران الشرب بالأكل في كثير من المواضع؛ كقول الله: {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ} [البقرة: 60] .
وقوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31] .
حتى في نعيم الجنة، قال الله: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 19] .
وتتجلى الحكمة -والله أعلم- من اقتران الشرب بالأكل في القرآن، من ناحيتين:
-في بيان نعمة الله على عباده؛ حيث إن الآكل يحتاج إلى الماء لابتلاع الطعام وازدراده، ولأن الشراب إنما يكون تبعًا للمطعوم في حاجة الجسم إليه 10.
-النعمة لا تتم إلا عند الأكل والشرب، ألا ترى أن في البراري التي لا يوجد فيها الماء لا يأكل الإنسان شيئًا مخافة العطش 11.
كما نلاحظ أنه في القرآن كله حيثما اجتمع الأكل والشرب قدم تعالى الأكل على الشرب حتى في نعيم الجنة.
وأما عن الحكمة في تقديم الأكل على الشرب، فيمكن بيانها كالأتي:
-العادة قاضية بأن الأكل قبل الشرب، ولذا قدم الأكل على الشرب حيث وقع 12.
-البداءة بالأكل لأن قوام الجسد به، والاحتياج إلى الشرب حاصل عنه 13.
وقد ورد تقديم الأكل على الشرب في حديث القرآن عن قصة مريم، في قوله تعالى: (? ? ? ?) [مريم: 26] .
وقد ذكر الإمام الرازي الحكمة من تقديم الأكل على الشرب في هذه الآية فقال: «قدم الأكل على الشرب لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء؛ لكثرة ما سال منها من الدماء» 14.
الشرب بين الحقيقة والمجاز:
من الآيات التي ورد فيها مادة الشرب قول الله تعالى: (? ? ? ? ?) [البقرة: 93] .
وقد اختلف المفسرون في قوله: (?) هل المراد به المعنى الحقيقي للشرب، أم أن العرب تستعمل هذه اللفظة بمعنى آخر؟ على قولين:
الأول: أن الشرب في الآية على معناه الحقيقي، والمراد: أنهم شربوا الماء الذي ذري فيه سحالة 15 العجل.
وهذا القول روي عن السدي حيث قال: لما رجع موسى إلى قومه، أخذ العجل الذي وجدهم عاكفين عليه، فذبحه، ثم حرقه 16 بالمبرد، ثم ذراه في اليم، فلم يبق بحر يومئذ يجري إلا وقع فيه شيء منه. ثم قال لهم موسى: اشربوا منه، فشربوا منه، فمن كان يحبه خرج على شاربه الذهب. فذلك حين يقول الله عز وجل: (? ? ? ? ?) 17.
الثاني: أن الشرب في الآية ليس بمعناه الحقيقي، وإنما هذا أسلوب عند العرب، فمن عادتهم أنهم إذا أرادوا العبارة عن مخامرة حب أو بغض في القلب أن يستعيروا لها اسم الشراب 18.
والمقصود من الآية بيان أن حب العجل تداخل في قلوبهم، ورسخ فيها صورته؛ لفرط شغفهم به وحرصهم على عبادته، كما يتداخل الصبغ الثوب، والشراب أعماق البدن 19.
فالشرب في الآية على معناه المجازي، والأسلوب استعارة مكنية، شبه حب عبادة العجل بمشروب لذيذ سائغ الشراب، وحذف المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الإشراب 20.
وهذه الاستعارة من فرائد الاستعارات يتمثل بها عند ذكر بلاغة القرآن 21.
والمعنى الراجح هو ما ذكره أصحاب القول الثاني، والقول الأول مردود عليه بما يأتي:
-أن قوله: (? ?) يبعد هذا القول جدًا؛ لأن الشراب الحقيقي لا يكون في القلب.
-ما قصه الله تعالى لنا في كتابه عما فعل موسى عليه السلام بالعجل يبعد ظاهر هذه الرواية 22.
نعم الله على عباده لا تعد ولا تحصى، فقد امتن الله على عباده بكثير من النعم، ومن هذه النعم نعمة الشرب، قال تعالى على لسان خليله إبراهيم عليه السلام، وهو يخاطب قومه: {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} [الشعراء: 79] .
فالذي يطعم ويسقي هو رب العالمين، لا غيره.
والحق أن نعمة الشرب تحفها نعم كثيرة، منها ما يتعلق بالشرب في حد ذاته، ومنها ما يتعلق بأصناف الشاربين، ومنها ما يتعلق بالأشربة وهذا بيانها:
أولًا: ما يتعلق بالشرب:
الشرب في ذاته نعمة إلهية، وهذه النعمة الإلهية تكتنفها نعمٌ أخرى عند التأمل، فإيجاد قدرة الشرب في الإنسان نعمة، وخلق الشراب وإيجادها نعمة، وتنوعها نعمة، والحصول عليها نعمة، واستساغتها نعمة والارتواء منها نعمة، والتلذذ بها نعمة؛ ولم يقف الأمر عند هذه النعم، بل خلق الله تعالى في جسم الإنسان أجهزة تعمل بإذن ربها، لا بإرادة من الإنسان، لتحول ما يشربه إلى عناصر يمتصها الدم؛ لينقل كل عنصر إلى الجزء الذي يحتاجه الجسم ولا يخطئ؛ ليتم بذلك تجدد قوة الجسم ونشاطه.
«وحتى تتضح أهمية نعمة الشرب، لابد أن نعلم أن نقص الماء في جسم الانسان يؤدي إلى الجفاف، ويساعد في تزايد نسبه الأملاح في الجسم، وتؤدي كذلك إلى الإصابة بالتعب والإرهاق الجسدي، والإصابة بالصداع، والماء ومركباته الكهربية وجزيئاته لها أهمية ضخمة في كل التفاعلات الحيوية التي تحدث داخل الخلية، وتلك الخواص هي التي تحدد كل الخواص البيولوجية للمواد العضوية الكيماوية الأخرى: مثل البروتينات والأحماض النووية وأغشية الخلايا والريبوسومات وغيرها من التراكيب.
وعلى ذلك فتغير نسب الماء قد يدمر كل التفاعلات الكيماوية، ومن ثم الوظائف الحيوية للخلية» 23.
ومن الآيات التي ورد فيها نعمة الشرب قول الله: {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ} [البقرة: 60] .
وقوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31] .
وقوله: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل: 10] .
وقوله: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ} [الواقعة: 68 - 69] .
وقوله: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} [الحجر: 22] .
وقوله: {لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} [الفرقان: 49] .
وغير ذلك من الآيات.
والملاحظ على الآيات التي ورد فيها نعمة الشرب ما يأتي:
1.أنها وردت في سياق الامتنان على الخلق بنعمة الشرب، وغيرها من النعم.
بل ورد في بعض الآيات التصريح بأن الشرب وغيره من نعم الله، وأن الخلق لا يستطيعون إحصاء نعم الله عليهم، ففي سورة النحل ذكر الله تعالى أصنافًا من النعم، حيث ذكر أصولها ومكملاتها، ففي أول السورة نعمة الوحي وإرسال الرسل داعية إلى التوحيد، ثم ذكر الله تعالى نعمته بخلق السموات والأرض، وخلقه الإنسان من نطفة، ونعمته بخلق الأنعام، ونعمة إنزال الماء وشربه، ونعمة إرساء الجبال، وشق الأنهار، وتمديد الطرق، وتزيين السماء بالنجوم، واهتداء الخلق بها، في نظم عجيب، وآيات باهرة، ختمها الله تعالى بقوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النحل: 18] .
ومن ذلك قوله تعالى: (چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ کک ک ک گ گ گ) [البقرة: 60] .
فقد نص على المشرب في قوله: (ژ ژ ڑ ڑ کک) تنبيهًا على المنفعة العظيمة التي هي سبب الحياة 24.
وقوله: (? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ?) [النحل: 10] .
فبعد أن ذكر نعمته عليهم بتسخير الدواب والأنعام - شرع يذكر نعمته عليهم في إنزال المطر ونعمة الشرب فقال: (? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ?) أي: إن الذي خلق لكم الأنعام والخيل وسائر البهائم لمنافعكم ومصالحكم هو الذي أنزل المطر من السماء عذبًا زلالًا تشربون منه 25.
هذا الماء يذكر هنا نعمة من نعم الله فيه، وهو (? ? ?) فهي خصوصية الشراب التي تبرز في هذا المجال 26.
وقوله: (ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الواقعة: 68 - 69] .
لما ذكر تعالى نعمته على عباده بالطعام، ذكر نعمته عليهم بالشراب العذب الذي منه يشربون، وأنهم لولا أن الله يسره وسهله، لما كان لكم سبيل إليه 27.
وتخصيص هذا الوصف (? ?) بالذكر، مع كثرة منافع الماء؛ لأن الشرب أهم المقاصد التي من أجلها أنزل سبحانه الماء من السحاب، ولأن شرب الماء من أعظم النعم على الإنسان 28.
فهذه الآيات السابقة تتجلى هداياتها في بيان عظيم نعمة الشرب التي امتن الله بها على عباده، وإنزال الماء الذي فيه وبه قوام حياتهم.
2.أغلب الآيات التي ورد فيها نعمة الشرب آيات مكية.
قصد القرآن من ورائها بجانب الامتنان على العباد، الاستدلال بنعمة الشرب وغيرها على وحدانية الله، أو إثبات البعث، أو الاثنين معًا.
ومن ذلك قوله: (ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الواقعة: 68 - 69] .
أي: أخبروني أيها الناس عن الماء العذب الذي تشربونه لإطفاء العطش، أأنتم أنزلتموه من السحاب، أم نحن المنزلون بقدرتنا دون غيرنا، فكيف لا تقرون بالتوحيد، وتصدقون بالبعث؟ 29.
وفي قوله: (? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ?)
ففي الآية نلحظ أن صيغة تعريف المسند إليه والمسند أفادت الحصر، أي: هو لا غيره. وهذا قصر على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأن المخاطبين لا ينكرون ذلك، ولا يدعون له شريكًا في ذلك، ولكنهم لما عبدوا أصنامًا لم تنعم عليهم بذلك، كان حالهم كحال من يدعي أن الأصنام أنعمت عليهم بهذه النعم، فنزلوا منزلة من يدعي الشركة لله في الخلق، فكان القصر قصر إفراد تخريجًا للكلام على خلاف مقتضى الظاهر 30.
وذكر مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته في نعمة الشرب، وأن هذه النعمة وما يكتنفها من نعم أعظم دليل على وحدانية الله، وقدرته على بعث المخلوقات للحساب والجزاء.
3.ورد في بعض الآيات الأمر بالأكل والشرب.
وذلك نحو قوله: (پ ? ? ?) [الأعراف: 31] .
وسواء كان الأمر للوجوب أو للإباحة، ففي ذلك بيان نعمة الله على عباده؛ حيث أمرهم بما فيه منفعتهم، وأرشدهم إلى ما فيه وبه قوام حياتهم.
قال الشيخ الشعراوي عند تفسير هذه الآية: «والمأكل والمشرب من الأمور المباحة؛ لأن فيها مقومات الحياة» 31.
4.النعمة الإلهية في الشرب لم تقتصر على البشر فقط، بل شملت أنعامهم، وزروعهم.
وهذا من رحمة الله بعباده، فالله أنزل الماء من السماء؛ ليسقى البشر، والزرع والغراس، والأعشاب التي يكون منها طعام الإنسان والحيوان، وكل ما يدب على ظهر الأرض.
فمن ذلك قوله تعالى: (? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ?)
ففي هذه الآية يخبرنا الله أن الذي خلق لكم الأنعام والخيل وسائر البهائم لمنافعكم ومصالحكم هو الذي أنزل المطر من السماء عذبًا زلالًا تشربون منه، وتسقون أشجاركم ونباتكم التي تسيمون فيها أنعامكم، وفيها ترعى 32.
فالآية استئناف لذكر دليل آخر من مظاهر بديع خلق الله تعالى أدمج فيه امتنان بما يأتي به ذلك الماء العجيب من المنافع للناس من نعمة الشراب، ونعمة الطعام للحيوان الذي به قوام حياة الناس وللناس أنفسهم 33.
وقوله: (? ? ?) أي: أن الماء لكم منه شراب، تشربونه وتدفعون به العطش، وعبر سبحانه بقوله تعالى: (? ? ?) ليشمل شربه ريًا وسقيًا 34.
وهذا الماء الذي أنعم الله علينا بشربه، ذكر العلماء عجائب خواصه وتكوينه، فهو سائل شفاف، وهو في نقائه لا لون له، ولا رائحة، ولا طعم، ويتركب جزيء الماء من ذرتين من ذرات غاز الهيدروجين، وذرة واحدة من ذرات غاز الأوكسجين، وترتبط هذه الذرات الثلاث مع بعضها البعض برابطتين تساهميتين تشكلان فيما بينهما زاوية قدرها (105 من الدرجات) .
وقد جعل ذلك لجزيء الماء قطبين كهربيين يحمل أحدهما شحنتين موجبتين، ويحمل الآخر شحنة سالبة مكافئة، وهذه الخاصية وفرت للماء -بأمر الله- من الصفات الطبيعية والكيميائية ما جعل منه أقوى مذيب معروف، وبالتالي جعله من أهم ضرورات الحياة، فأجساد الكائنات الحية يغلب على تركيبها الماء الذي تتراوح نسبته في جسم الإنسان بين (71?) في الإنسان البالغ و (93?) في الجنين ذي الأشهر المعدودة. والماء العادي يحتوي على مواد كثيرة مختلفة، لكن الهيدروجين والأكسجين يشكلان الجزء الأكبر من تركيبه.
ويتميز الماء بخواص فيزيائية وكيميائية تجعله أهم مادة في الطبيعة على الإطلاق، بالنسبة إلى جميع الكائنات الحية، ومن عجائب تكوين الماء في تركيبه أنه مؤلف من هيدروجين وأوكسجين، فالهيدروجين مادة مشتعلة، والأوكسجين مادة تساعد على الاحتراق، فالهيدروجين نار، والأوكسجين نار، ولما التقيا صارت الحياة، وصار الماء، (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يس: 82] 35.
ومن ذلك قوله تعالى: (? ? ژ ژ ڑ ڑک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں) [الفرقان: 48 - 49] .
فالآيات بيان لبعض بدائع آثار قدرته تعالى وحكمته، وروائع أحكام رحمته، ونعمه الفائضة على الخلق، وتلوين الخطاب لتوفية مقام الامتنان 36.
والآيات تخبرنا أن الله هو الذي رحم عباده وأدر عليهم رزقه، بأن أرسل الرياح مبشرات بين يدي رحمته وهو المطر، ومن بركته أنه أنزله ليحيي به بلدة ميتًا، فتختلف أصناف النوابت والأشجار فيها مما يأكل الناس والأنعام (? ? ? ? ? ں) أي: نسقيكموه أنتم وأنعامكم 37.
وهنا يثور سؤال، وهو لم خص الإنسان والأنعام هاهنا بالذكر، دون الطير والوحش مع انتفاع الكل بالماء؟
الجواب: لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب، بخلاف الأنعام لأنها قنية 38 الأناسي وعامة منافعهم متعلقة بها، فكأن الإنعام عليهم بسقي أنعامهم كالإنعام عليهم بسقيهم 39.
وأخر ذكر الإنسان عن النبات والحيوان لحاجته إليهما في حياته، ولأنهم إذا ظفروا بماء يسقى أرضهم ومواشيهم، لم يعدموا ما يكون منه سقياهم 40.
وفي تقديم الأنعام على الناس إشارة إلى أن رحمة الله تسرى في الكائنات كلها، وأنها ليست للناس وحدهم، وليس هذا فحسب، فإنه مع تقديم الأنعام على الناس، كان التعبير بـ «ما» التي هي لغير العقلاء، بدلا من «من» الذي للعقلاء، فقال تعالى: (? ?) بدلا «ممن خلقنا» وذلك لتوكيد المعنى المقصود هنا، وهو أن الأنعام لها عند الله وزنها وتقديرها، وأنها إذ كانت أقل حيلة من الإنسان، فقد كفل الله لها حاجتها، وقدم مطلوبها على مطلوب الإنسان 41.
فالآيات السابقة تبرز هداياتها في بيان بعض بدائع آثار قدرته تعالى وحكمته، وروائع أحكام رحمته، وسابغ إحسانه، ونعمه الفائضة على الخلق، والمنافع الناجمة لهم ولأنعامهم وزروعهم من إنزال الماء الذي فيه سر الحياة، وأنه لولا هذا الماء الذي ينزل من السماء، ما كان للحياة أثر على هذه الأرض.
ثانيًا: أصناف الشاربين:
ذكر القرآن أثناء حديثه عن الشرب أصنافًا وأشخاصًا امتن الله عليهم بنعمة الشرب، وذكر القرآن لهؤلاء الأشخاص تكريم لهم، وبيان لعناية الله بهم.