وما يأتي بيان لأمثلة من هذه الأصناف والأشخاص؛ طلبًا للاختصار:
1.البشرية جميعًا.
فقد امتن الله في كتابه على البشرية جميعًا بنعمة الشرب، وكل الآيات التي تناولت الشرب في الدنيا في مقام الامتنان، هي نعمة على البشرية جميعًا، ومن هذه الآيات قوله: (ے ? ? ?) [الواقعة: 68] لتحيوا به أنفسكم، وتسكنوا به عطشكم 42.
2.بنو إسرائيل.
قال تعالى: (چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ کک ک ک گ گ گ) [البقرة: 60] .
فقد ذكر الله اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بنعمة من أجل نعمه على آبائهم، وهي إغاثتهم في التيه بالماء بعد أن اشتد بهم العطش، وهذه النعمة كانت نافعة لهم في دنياهم؛ لأنها أزالت عنهم الحاجة الشديدة إلى الماء ولولاه لهلكوا، وكانت نافعة لهم في دينهم؛ لأنها من أظهر الأدلة على وجود الله. وعلى قدرته وعلمه، ومن أقوى البراهين على صدق موسى عليه السلام في نبوته.
ومعنى الآية الكريمة: واذكروا يا بني إسرائيل وقت أن أصاب آباءكم العطش الشديد وهم في صحراء مجدبة، فتوسل إلينا نبيهم موسى عليه السلام في خشوع وتضرع أن أمدهم بالماء الذي يكفيهم، فأجبناه إلى ما طلب، إذ أوحينا إليه أن اضرب بعصاك الحجر، ففعل، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا بمقدار عدد الأسباط، وصار لكل سبط منهم مشرب يعرفه ولا يتعداه إلى غيره، وقلنا لهم: تمتعوا بما من الله به عليكم من مأكول طيب ومشروب هنيء رزقكم الله إياه من غير تعب ولا مشقة 43.
وقوله: (ژ ژ ڑ ڑ کک) كأنه أمر كل سبط أن لا يشرب إلا من جدول معين حسمًا لمادة التشاجر، فإن العادة في الرهط الواحد أن لا يقع بينهم من التنازع مثل ما يقع بين المختلفين. وهذا أيضًا من تمام النعمة عليهم 44.
وأما إضافة المشرب إليهم فلأنه تعالى لما أباح لكل سبط من الأسباط ذلك الماء، الذي ظهر من ذلك الشق الذي يأتيه، صار ذلك كالملك لهم. وجازت إضافته إليهم 45.
3.مريم عليها السلام.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [مريم: 24 - 26] .
فقد ذكر سبحانه جانبًا من إكرامه لمريم عليها السلام في تلك الساعات العصيبة من حياتها بعد ولادتها عيسى عليه السلام، مبينًا أن الله لم ينسك ولم يتركك، بل أجرى لك تحت قدميك جدولًا ساريًا- الأرجح أنه جرى للحظته من ينبوع، أو تدفق من مسيل ماء في الجبل- وهذه النخلة التي تستندين إليها هزيها فتساقط عليك رطبًا، فهذا طعام وذاك شراب 46.
وفي تخصيص الرطب: لأن «الطعام الحلو مناسب للنفساء» 47، والرطب والتمر من أجود طعام النفساء.
وقدم الأكل على الشرب لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء؛ لكثرة ما سال منها من الدماء 48.
وفرع على التسلية الأمر بالأكل والشرب؛ لأن الحزين قد لا يتفرغ لمثل ذلك، وأكد ذلك بالأمر الأخير 49.
4.أيوب عليه السلام.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [ص: 41 - 42] .
الآيات تخبرنا أن الله ابتلى عبده أيوب ببعض الأمراض التي لا تتنافى مع منصب النبوة، وقد صبر أيوب على ذلك حتى ضرب به المثل في الصبر، وقد توجه إلى ربه بالشكوى مما يلقى من إيذاء الشيطان، ولما عرف ربه منه صدقه وصبره، ونفوره من محاولات الشيطان، وتأذيه بها، أدركه برحمته، وأنهى ابتلاءه، وأعطاه من فضله الكثير من نعمه.
وقد أمره أن يضرب الأرض بقدمه، فتتفجر عين باردة، وقلنا له: هذا الماء النابع من العين إذا اغتسلت به وشربت منه ذهب كل مرض في داخل جسدك، ثم اغتسل به فيذهب ما كان في ظاهر بدنك، وتبرأ من الأمراض، ففعل ما أمرناه به، فبرئ بإذننا من كل داء 50.
وظاهر اللفظ يدل على أنه نبعت له عين واحدة من الماء اغتسل منه، وشرب 51، وقد ذكر بعض التابعين أنه نبعت له حين ضرب برجله الأرض عينان، فشرب من إحداهما، واغتسل من الأخرى 52.
فالآيات فيها بيان لنعمة الله على عبده أيوب عليه السلام باستجابة الدعاء، وإزالة ما به من الضر والمرض، وشفائه وسقيه من هذا الماء المبارك الذي أخرجه له من الأرض؛ جزاء لصبره على البلاء، وفي الآيات بيان أن من صبر على الضر فالله تعالى يثيبه ثوابًا عاجلًا وآجلًا.
ثالثًا: الأشربة:
فقد أنعم الله على عباده بالأشربة المباحة، وقد نص القرآن على عدد من الأشربة التي امتن الله بها على عباده، وهي: الماء، والألبان، والعسل؛ من باب التنبيه على أهميتها، وبيان نعمة الله على عباده. وسيأتي في المبحث الآتي تفصيل لذلك، فنقتصر على ما ذكرناه؛ لعدم التكرار.
أولًا: مشروبات مباحة:
امتن الله على عباده بالإباحة للأشياء، فسخر لهم ما في السماوات والأرض نعمة منه ورحمة، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 29] .
وقال: (? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 32] .
وهذه قاعدة عظيمة، فإن الأصل في كل شيء الحل حتى يوجد من الشرع دليل يخرجه من الحل إلى الحرمة، وأن ما يخرج من الحل إلى حرمة أو كراهة مفصل في الكتاب والسنة، وهو محصور معدود يمكن أن تستقصى أفراده، ألم تقرأ قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 151] .
وقوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 119] .
ومن هذا المنطلق فقد أباح الله لعباده كل الأشربة، إلا ما حرمه عليهم بالقرآن والسنة، وهذه الأشربة المباحة لا عدد لها ولا حصر، والدليل على ذلك أنه قال: (پ ? ? ?) [الأعراف: 31] .
فلم يذكر ما الذي يشرب، والقاعدة تقول: إن حذف المتعلق يفيد العموم، فهذا يدل على أن جميع الأشربة مباحة إلا ما خصه الدليل بالتحريم.
قال الرازي: «قوله: (پ ?) مطلق يتناول الأوقات والأحوال، ويتناول جميع المطعومات والأشربة، فوجب أن يكون الأصل فيها هو الحل في كل الأوقات وفي كل المطعومات والأشربة إلا ما خصه الدليل المنفصل؛ لأن الأصل في المنافع الحل والإباحة» 53.
إلا أن القرآن نص على بعض الأشربة، من باب التنبيه على أهميتها، وبيان نعمة الله على عباده، وهذا بيانها:
الماء أصل الحياة، وعنصرها الذي لا تنشأ إلا به كما قدر الله، فقد خلق الله الإنسان والدواب وجميع الكائنات الحية من الماء، كما قال في محكم كتابه: (ں ں ? ? ? ?) [الأنبياء: 30] .
وقد امتن الله على عباده بنعمة الماء وإنزاله من السماء، وجعله ينابيع في الأرض، يستخدمونه في أي وقت يشاءون لشربهم، وشرب أنعامهم وزروعهم، ولمنافعهم.
قال تعالى: (ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ) [الحجر: 22] .
أي: وسخرنا الرياح، رياح الرحمة تلقح السحاب، فينشأ عن ذلك الماء بإذن الله، فيسقيه الله العباد ومواشيهم وأرضهم، ويبقى في الأرض مدخرًا لحاجاتهم وضروراتهم ما هو مقتضى قدرته ورحمته 54.
وقوله: (ک) أي: جعلناه لكم سقيًا، وهو أبلغ من «سقينا كموه» لما فيه من الدلالة على جعل الماء معدًا لهم ينتفعون به متى شاءوا 55.
وقال ربنا: (? ? چ چ چ چ? ? ? ?) [النحل: 10] .
أي: أن الماء لكم منه شراب، تشربونه وتدفعون به العطش، وعبر سبحانه بقوله تعالى: (? ? ?) ليشمل شربه ريًا وسقيا، ويشمل اتخاذه محلى بمادة من مواد الحلوى، وليشمل الشراب الذي يكون من النبات والكروم غير المتخمر، فإن الماء أصل ذلك كله 56.
وامتن الله على عباده في كتابه بأنه أنزل لهم من السماء ماء طهورًا عذبًا فراتًا، صالحًا للشرب، فقال: (? ? ژ ژ ڑ ڑک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں) [الفرقان: 48 - 49] .
وقال: (? ? ?) [المرسلات: 27] . أي: عذبًا سائغًا للشاربين.
ومن رحمة الله بعباده أنه لم يجعل ماء الشرب مالحًا، تكرهه النفوس، مع قدرته على ذلك، فامتن على عباده بهذه النعمة فقال: (ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الواقعة: 68 - 70] .
فتخصيص هذا الوصف، وهو (? ?) بالذكر، مع كثرة منافع الماء، لأن شرب الماء من أعظم النعم على الإنسان 57. وفي الآيات بيان لمظهر من مظاهر رحمته سبحانه، فلو نشاء أن نجعل هذا الماء النازل من المزن لشربكم، ماء جامعًا بين الملوحة والمرارة مكروهًا للنفوس، لا ينتفع به، لفعلنا، ولكنا لم نشأ ذلك رحمة بكم، وفضلًا منا عليكم.
فالآيات السابقة تتجلى هداياتها في بيان أن من نعم الله على الإنسان «نعمة الماء» ، آية من آيات الله، خلق الله منه الكائنات، لا غنى للناس عنه؛ فهو سبب بقائهم، وأساس حياتهم، منه يشربون ويزرعون ويأكلون، وفيه منافع لهم ولأنعامهم.
والماء لم تنقص قيمته لا بتقدم الإنسانية ولا بتخلفها، بل لقد زادت أهميته ثم زادت، حتى صاروا يتحدثون عن الأمن المائي والصراع على موارد المياه ومصادرها ومنابعها.
فإنه يعد القرن الجديد «الألفية الثالثة» ، قرن الصراع على المياه، حيث أخذت مشكلات استثماره، تشغل حيزًا كبيرًا في الأحداث العالمية المعاصرة، بل وفي رسم المستقبل السياسي لكثير من دول العالم. ومن الملاحظ، أن الخريطة المائية تظهر خطوطا متشابكة للتداخل الدولي في أحواض أنهارها، وفي استثمار مواردها مما يترك علاج هذا الاستثمار، رهينًا بالعلاقات القائمة بين الدول ذات العلاقة، التي تقوم في الأساس على مبدأ القوة أولًا، ومدى الاحترام المتبادل للاتفاقيات القائمة بينها ثانيًا».
من النعم التي امتن الله بها على العباد نعمة شرب ألبان الأنعام على اختلافها ما بين إبل وبقر وغنم، وقد امتن الله على عباده بهذه النعمة في كتابه فقال: (? ? ? ٹ ٹٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النحل: 66] .
فهذه حجة أخرى، ومنة من المنن الناشئة عن منافع خلق الأنعام، أدمج في منتها العبرة بما في دلالتها على بديع صنع الله، حيث أسقاكم من بطونها المشتملة على الفرث والدم، فأخرج من بين ذلك لبنًا خالصًا من الكدر سائغًا للشاربين، للذته، ولأنه يسقي ويغذي 58.
وقوله سبحانه: (? ? ? ? ? ? ? ?) بيان لموطن العبرة، ومحل النعمة، ومظهر الدلالة على وحدانية الله تعالى وقدرته ورحمته.
وخلوصه: نزاهته مما اشتمل عليه البول والثفل 59، وسوغه للشاربين: سلامته مما يشتمل عليه الدم من المضار لمن شربه، فلذلك لا يسيغه الشارب ويتجهمه 6061.
وقال سبحانه: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹٹ ? ?) [يس: 71 - 73] .
أي: أو لم يشاهد هؤلاء المشركون بالله أنا خلقنا لهم أنعامًا من الإبل والبقر والغنم يصرفونها كما شاءوا، فهي ذليلة منقادة لهم، وسخرنا لهم هذه الأنعام، فمنها ما يركبون في الأسفار، ويحملون عليه الأثقال، ومنها ما ينحرون، فيأكلون لحومها، ولهم فيها منافع أخرى غير الركوب والأكل منها، كالجلود والأصواف والأوبار والأشعار ولهم منها مشارب من ألبانها ونتاجها 62.
وقوله: (?) هو محل الامتنان، أي: لأجلهم؛ فإن جميع المنافع التي على الأرض خلقها الله لأجل انتفاع الإنسان بها؛ تكرمة له 63.
وقوله: (? ٹ ٹ ٹٹ ? ?) بيان لفوائد أخرى غير الركوب والأكل؛ وذلك لأن من الحيوانات ما لا يركب كالغنم، فقال: (ٹ) لتعمها، والمشارب كذلك عامة، إن قلنا: بأن المراد جمع مشرب وهو الآنية، فإن من الجلود ما يتخذ أواني للشرب والأدوات من القرب وغيرها.
وإن قلنا: إن المراد: المشروب وهو الألبان والأسمان، فهي مختصة بالإناث، ولكن بسبب الذكور؛ فإن ذلك متوقف على الحمل، وهو بالذكور والإناث 64.
وقوله: (ٹٹ) مصدر بمعنى المفعول 65، والمراد به اللبن، وخص مع دخوله في المنافع؛ لشرفه واعتناء العرب به، وجمع باعتبار أصنافه، ولا ريب في تعددها، وتعميم المشارب للزبد والسمن
والجبن والأقط 66 لا يصح إلا بالتغليب، أو التجوز؛ لأنها غير مشروبة 67.
فالآيات فيها بيان لفضل الله على عباده في تذليل الأنعام لهم، وتسخيرها لمنافعهم المختلفة، وامتنان من الله على عباده بنعمة ألبان هذه الأنعام.
من الأشربة المباحة التي امتن الله بها على عباده شراب العسل الذي يخرج من النحل، فقال تعالى: (? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ?ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہہ ہ ھ ھ ھ ھ ے) [النحل: 68 - 69] .
فالله يخبر عباده بأنه جعل لهم آية في خلق هذه النحلة الصغيرة، التي هداها الله هذه الهداية العجيبة، ويسر لها المراعي، ثم الرجوع إلى بيوتها التي أصلحتها بتعليم الله لها، وهدايته لها، ثم يخرج من بطونها هذا العسل اللذيذ، مختلف الألوان بحسب اختلاف أرضها ومراعيها، فيه شفاء للناس من أمراض عديدة. فهذا دليل على كمال عناية الله تعالى، وتمام لطفه بعباده، وأنه الذي لا ينبغي أن يحب غيره ويدعي سواه 68.
فالآيات عطف عبرة على عبرة، ومنة على منة، وغير أسلوب الاعتبار لما في هذه العبرة من تنبيه على عظيم حكمة الله تعالى؛ إذ أودع في خلقة الحشرة الضعيفة هذه الصنعة العظيمة وجعل فيها هذه المنفعة 69.
وجملة (ں ? ? ?) مستأنفة استئنافًا بيانيًا؛ لأن ما تقدم من الخبر عن إلهام النحل تلك الأعمال يثير في نفس السامع أن يسأل عن الغاية من هذا التكوين العجيب، فيكون مضمون جملة (ں ? ? ?) بيانًا لما سأل عنه. وهو أيضًا موضع المنة كما كان تمام العبرة 70.
وجيء بالفعل المضارع (ں) للدلالة على تجدد الخروج وتكرره 71.
وقد وصف الله العسل بهذه الصفات الثلاثة:
فالصفة الأولى: كونه شرابًا والأمر كذلك؛ لأنه تارة يشرب وحده، وتارة يتخذ منه الأشربة.
وعبر عن العسل باسم الشراب دون العسل لما يومئ إليه اسم الجنس من معنى الانتفاع به، وهو محل المنة، وليرتب عليه جملة (? ہ ہہ) ، وسمي شرابًا لأنه مائع يشرب شربًا ولا يمضغ.
والصفة الثانية: قوله: (? ?) والمعنى: أن منه أحمر وأبيض وأصفر، وغير ذلك من ألوان العسل، على حسب اختلاف مراعيها ومآكلها، وغير ذلك بما اقتضته حكمته سبحانه، ووصفه بـ (? ?) لأن له مدخلًا في العبرة؛ فذلك من الآيات على عظيم القدرة ودقيق الحكمة 72.
والصفة الثالثة: قوله: (? ہ ہہ) ، وسيأتي الحديث عن هذه الصفة في المبحث الأخير.
والآيات السابقة تتجلى فيها قدرة الله في خلق النحلة الصغيرة وما يخرج من بطونها من عسل لذيذ، مختلف الألوان بحسب اختلاف أرضها ومراعيها، وفي ذلك دليل على كمال عناية الله وتمام لطفه بعباده، وأنه لا ينبغي أن يحب غيره ويرجى سواه.
ثانيًا: مشروبات محرمة:
التحريم لم يأت في شريعة الإسلام إلا لشيء كانت مفسدته خالصة أو غالبة، وجميع المحرمات لا تخلو من أن تكون على واحد من الوصفين، والله ما حرم شيئًا على عباده إلا وفي هذا التحريم مصلحة لهم؛ لذلك حرم عليهم بعض الأشربة لضررها وخبثها، وقد ذكر القرآن من هذه الأشربة المحرمة الخمر والدم.
قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة: 90 - 91] .
هذه الآيات هي المرحلة الأخيرة التي مر بها تحريم الخمر، وتخبرنا الآيات أنه بعد أن نهى الله سبحانه فيما سلف عن تحريم ما أحل الله من الطيبات، وأمر بأكل ما رزق الله من الحلال الطيب، وكان من جملة الأمور المستطابة عند العرب الخمر والميسر، لا جرم أن بين عز اسمه أنهما غير داخلين فيما يحل، بل هما مما يحرم 73.
وقد وصف الله هذه الأقسام الأربعة بوصفين:
الأول: قوله: (پ) والرجس في اللغة كل ما استقذر من عمل. فالرجس هو العمل الذي يكون قوي الدرجة كامل الرتبة في القبح.
الوصف الثاني: قوله: (? ? ?) وهذا أيضًا مكمل لكونه رجسًا، لأن الشيطان نجس خبيث والخبيث، لا يدعو إلا إلى الخبيث 74.
وقد ذكر الله في هذه الآيات نوعين من المفسدة في الخمر:
النوع الأول: ما يتعلق بالدنيا: وهو قوله: (? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ?) فالظاهر فيمن يشرب الخمر أنه يشربها مع جماعة، ويكون غرضه من ذلك الشرب أن يستأنس برفقائه ويفرح بمحادثتهم ومكالمتهم، فكان غرضه من ذلك الاجتماع تأكيد الألفة والمحبة إلا أن ذلك في الأغلب ينقلب إلى الضد؛ لأن الخمر يزيل العقل، وإذا زال العقل استولت الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل، وعند استيلائهما تحصل المنازعة بين أولئك الأصحاب، وتلك المنازعة ربما أدت إلى الضرب والقتل والمشافهة بالفحش، وذلك يورث أشد العداوة والبغضاء.
النوع الثاني: المفاسد المتعلقة بالدين، وهو قوله: (? ? ? ? ? ?) وشرب الخمر يمنع عن ذكر الله والصلاة؛ لأن شرب الخمور يورث الطرب واللذة الجسمانية، والنفس إذا استغرقت في اللذات الجسمانية غفلت عن ذكر الله تعالى 75.
والقرآن وإن كان قد ذكر نوعين من مفسدة الخمر، فقد ذكر الأهم، والخمر فيها مفاسد أخرى، ولها أضرار كثيرة، منها أضرار صحية، فهي تحدث أضرارًا جسيمة بأجهزة الجسم المختلفة، كالجهاز العصبي والدوري والهضمي والتناسلي والجلد والعظام و الأسنان وغيرها، ومنها أضرار اجتماعية، وأضرار أمنية، وأضرار اقتصادية تتعلق بالمتعاطي، وتتعلق باقتصاد الدول، مما يؤكد أن الله ما حرمها إلا لضررها.
وقوله: (? ? ?) والاستفهام هنا تقريري، فكأنه قيل له: أتفعله بعد ما قد ظهر من قبحه ما قد ظهر؟ 76.
والآيات دالة على تحريم شرب الخمر من وجوه:
أحدها: تصدير الجملة بإنما، وذلك لأن هذه الكلمة للحصر، فكأنه تعالى قال: لا رجس ولا شيء من عمل الشيطان إلا هذه الأربعة.
وثانيها: أنه تعالى قرن الخمر والميسر بعبادة الأوثان.
وثالثها: أنه تعالى أمر بالاجتناب، وظاهر الأمر للوجوب.
ورابعها: أنه قال: (? ?) جعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحًا كان الارتكاب خيبة.
وخامسها: أنه شرح أنواع المفاسد المتولدة منها في الدنيا والدين، وهي وقوع التعادي والتباغض بين الخلق وحصول الإعراض عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة.
وسادسها: قوله: (? ? ?) وهو من أبلغ ما ينتهى به، كأنه قيل: قد تلي عليكم ما فيها من أنواع المفاسد والقبائح فهل أنتم منتهون مع هذه الصوارف؟ فالاستفهام في الآية خرج عن بابه إلى الأمر، أي: انتهوا.
وسابعها: أنه تعالى قال بعد ذلك: (? ? ? چ) [المائدة: 92] .
فظاهره أن المراد: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فيما تقدم ذكره من أمرهما بالاجتناب عن الخمر والميسر، وقوله (چچ) أي: احذروا عن مخالفتهما في هذه التكاليف.
وثامنها: (چ? ? ? ? ? ? ?) وهذا تهديد عظيم ووعيد شديد في حق من خالف في هذا التكليف وأعرض فيه عن حكم الله، وبيانه، يعني: أنكم إن توليتم فالحجة قد قامت عليكم والرسول قد خرج عن عهدة التبليغ والإعذار والإنذار، ولا شك أنه تهديد شديد، فصار كل واحد من هذه الوجوه الثمانية دليلًا قاهرًا وبرهانًا باهرًا في تحريم الخمر 77.
ورد تحريم الدم في أربع آيات من القرآن، منها قوله تعالى: (ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ?) [البقرة: 173] .
وقوله: (? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 145] .
فالله يخبر عباده المؤمنين في الآية الأولى أنه حرم عليهم بعض الأطعمة وغيرها؛ لما لها من ضرر اعتقادي أو دنيوي عليهم، ومن هذه المحرمات الدم.
ونص الله على تحريمه لأن العرب كانت تأكل الدم، كانوا يأخذون المباعر 78 فيملأونها دمًا، ثم يشوونها بالنار ويأكلونها 79.
وقد ورد تحريم الدم مطلقًا في ثلاث آيات من القرآن، وورد في الآية الرابعة مقيدًا بالدم المسفوح في قوله: (? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ?) والدم المسفوح: هو الدم الجاري المهراق من البهيمة بعد ذبحها، فعلى ذلك يحمل المطلق على المقيد، فيكون تحريم الدم مقيدًا بالدم المسفوح، وأما الدم المتبقي في أجزاء لحم البهيمة بعد تذكيتها فلا شيء فيه 80.
وتتجلى حكمة تحريم الدم فيما يأتي: