قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الشعراء: 23 - 33] .
إنّ نبي الله موسى عليه السلام لما جابه فرعون بالحقيقة الصادمة المستحقرة لشأنه، وهي أنّ رب العالمين هو رب هذا الكون الهائل العظيم، وأنّك يا فرعون لا قيمة لك؛ لأنّك تدعي الربوبية على قوم مخدوعين، فهنا يريد فرعون صرف أنظار أتباعه عن هذه الحقيقة بأن يشاركوه التعجب من مقالة نبي الله موسى عليه السلام، فيقول: (? ? ? ? ?) ، لكنّ نبي الله موسى عليه السلام لم يمهلهم حتى يتفاعلوا مع فرعون، وأخذ يؤكد لهم وحدانية الله عز وجل، فيقول: (? ? ? ?) ، وهكذا 38.
8.إنّ الأنبياء عليهم السلام في جدالهم لا يرجون شيئًا من متاع الحياة الدنيا، أو تحقيق مكاسب دنيوية، بل هم يبتغون الأجر من الله عز وجل وحده، وهو أن يدخلهم الجنة يوم القيامة.
قال نوح عليه السلام لقومه: (? ? ? ? ? ?چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ?) [يونس: 72] .
وقال هود عليه السلام: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [هود: 51] .
وقال صالح عليه السلام: (? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک) [الشعراء: 145] .
وقال تعالى: (? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے) [يس: 20 - 21] .
الصورة الثانية: الجدال لأهل الكتاب:
إنّ المدافعة مع أهل الكتاب بدأت منذ اللحظة الأولى للإسلام، حيث كانت البداية بمظاهرة أهل الكتاب مشركي مكة على المؤمنين، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 51] .
واستمرت عبر الأماكن والأزمان حتى يومنا الحاضر 39.
إنّ باب المجادلة مع أهل الكتاب وغيرهم من المشركين مفتوحٌ إلى قيام الساعة؛ لدعوتهم إلى الإسلام، وبيان أحكامه لهم، وإقامة الحجة عليهم، على خلاف من قال إنّ آيات المجادلة والمحاجّة للمخالفين في الدّين منسوخة بآيات الجهاد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «فإنّ من الناس من يقول: آيات المجادلة والمحاجة للكفار منسوخات بآية السيف؛ لاعتقاده أنّ الأمر بالقتال المشروع ينافي المجادلة المشروعة، وهذا غلط؛ فإنّ النسخ إنّما يكون إذا كان الحكم الناسخ مناقضًا للحكم المنسوخ؛ كمناقضة الأمر باستقبال المسجد الحرام في الصلاة للأمر باستقبال بيت المقدس بالشام ... فأمّا مع إمكان الجمع بين الجدال المأمور به والقتال المأمور به فلا منافاة بينهما، وإذا لم يتنافيا بل أمكن الجمع لم يجز الحكم بالنسخ، ومعلومٌ أن كلًّا منهما ينفع حيث لا ينفع الآخر، وأنّ استعمالهما جميعًا أبلغ في إظهار الهدى ودين الحق» 40.
وقد ثبت في السنّة ما يؤيد ذلك، ففي الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم) 41.
وتشمل المجادلة لأهل الكتاب جميع أصنافهم ومراتبهم على اختلاف توجهاتهم وأحوالهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «والمجادلة قد تكون مع أهل الذمة، والهدنة، والأمان، ومن لا يجوز قتاله بالسيف، وقد تكون في ابتداء الدعوة؛ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجاهد الكفار بالقرآن الكريم، وقد تكون لبيان الحق، وشفاء القلوب من الشّبه مع من يطلب الاستهداء والبيان» 42.
إنّ المتتبع للآيات القرآنية المتعلقة بمجادلة أهل الكتاب يجد فيها تنوعًا في أساليب المجادلة، ويمكن إجمال هذه الأساليب في النقاط الآتية:
1.المجادلة بالحسنى.
لقد بيّن القرآن الكريم فضيلة المجادلة بالأسلوب الحسن، وبالحكمة والموعظة الحسنة للمسالمين من أهل الكتاب؛ لأنّ ذلك أدعى إلى تحقيق الهدف المنشود، وإيجاد القناعة لديهم، والوصول بهم إلى الإيمان بالله عز وجل 43.
قال تعالى: (? ? ? ? پ پ پ پ) [العنكبوت: 46] .
تشير الآية السابقة إلى مشروعية مجادلة الذين يبحثون عن المعرفة والاستبصار بالدّين من أهل الكتاب، بأسلوب لين كريم، وبحسن الإرشاد إلى طريق الحق، والرفق في التعليم 44.
«ووجه الوصاية بالحسنى في مجادلة أهل الكتاب؛ أنّ أهل الكتاب مؤمنون بالله غير مشركين به، فهم متأهلون لقبول الحجة غير مظنون بهم المكابرة، ولأنّ آداب دينهم وكتابهم أكسبتهم معرفة طريق المجادلة، فينبغي الاقتصار في مجادلتهم على بيان الحجة دون إغلاظ حذرًا من تنفيرهم» 45.
2.المجادلة بالسيف والإغلاظ.
إنّ من أراد الهداية من أهل الكتاب أمرنا أن نعامله بالحسنى، أمّا من ظلم وعاند، وقصد بمجادلته الإساءة إلى الإسلام، والسعي في إيذاء المسلمين، وظهر تصلبه، وانقطع الأمل من إقناعهم بالحجة والبرهان، فقد أمر الإسلام أن نجادلهم بالسيف، ونعاملهم بالغلظة 46.
قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ?) [العنكبوت: 46] .
وقال تعالى: (? ? ? ? ? پ پپ پ ? ? ?) [التوبة: 73] .
إنّ حال اليهود والنصارى اليوم أقرب إلى هذه الحالة؛ فهم يحاربون الإسلام سياسيًا وفكريًّا وعسكريًّا في كل مكان، ويسعون بكل طاقاتهم وإمكاناتهم لتشويه الإسلام والملتزمين به، من خلال وصفهم بالتطرف تارة، وبالأصولية تارة ثانية، وبالإرهاب تارة أخرى، فكان الواجب على المسلمين اليوم مجادلتهم بما يتناسب مع حالهم بالشدة والغلظة، على خلاف ما ينادي به اليوم مجموعة من أبناء الأمة من التقارب معهم، والعمل في القضايا المشتركة والبعد عن نقاط الخلاف؛ فالدعوة الإسلامية «دعوةٌ وبيانٌ للحق، وكشف للباطل، وبيان لضرره في الدنيا والآخرة» 47.
3.المباهلة.
إنّ هذه المرتبة درجة بين المرتبتين السابقتين؛ فلم يبلغ أهل الكتاب درجة التعامل بالحسنى، ولا هم بلغوا درجة المجادلة بالسيف، والتعامل بالغلظة؛ فكانت هذه المرتبة، للتعامل مع المكابرين الذين يصرّون على حججهم الباطلة، ومدافعة الحق.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 61] .
«وهذه المباهلة لعلها من طرق التناصف عند النصارى فدعاهم إليها النبي صلى الله عليه وسلم لإقامة الحجة عليهم» 48.
إنّ المؤمنين عندهم من اليقين الصادق والإيمان العميق ما يجعلهم يقبلون أيّ سبيلٍ في مواجهة أهل الإنكار والجحود، بينما الكافر المكابر الذي لا يملك يقينًا لن يقبل بالمباهلة أبدًا، وسيبحث عن مبررات لنكوصه وتراجعه؛ لذلك فإنّ الآية السابقة قد لقنت النبي صلى الله عليه وسلم، وأمته من بعده الجواب الحاسم الذي يخرس ألسنة المكابرين في كل زمان، ويتحداهم أن يقبلوا المباهلة إن كانوا صادقين 49.
وهذه درجة متقدمة في حوار أهل الكتاب، ولها فائدة عظيمة من جهتين:
الأولى: إظهار التحدي، والثقة التامة بأنّ الداعي إلى المباهلة على الحق.
الثانية: إرهاب المعاند، وحمله على الجد والحزم، بالتعرض للعنة الله عز وجل .. فربما نزع واستغفر واستعتب 50.
4.مبادرة أهل الكتاب بالدعوة.
إنّ هذا الأسلوب لا يحمل معاني الجدال والمغالبة والتحدي، بقدر ما يحمل معاني الدعوة والمبادأة للمخالفين في المنهج والدّين؛ يعرض عليهم الحق الذي عنده، ويبيّن لهم معالم دعوته الصادقة.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ) [آل عمران: 64] .
إنّ هذا المنهج يقوم على الاجتماع على الأصول العقدية المجمع عليها عند أصحاب الرسالات؛ من توحيد الله عز وجل، وإفراده بالعبودية والإخلاص، ورفض الشبهات التي تناقضها؛ حيث كانت جميع الرسالات متفقة على ذلك 51.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ?) [النحل: 36] .
«إنّ أهل الإسلام لا يستقيم أمرهم، ولا يعبّرون بصدق عن دينهم، إلّا أن يكونوا أصحاب مبادرة للقيام بأمر الله عز وجل، وغاية واضحة في الدعوة إلى الله عز وجل، وخطة بيّنة بالالتزام بمنهج الله عز وجل، كما دلّت عليه الآية العمدة، وإلّا تقاذفتهم ألاعيب الذين كفروا من أهل الكتاب، ومبادراتهم العبثية الموسومة بالتقارب والحوار ونحوها» 52.
5.هدم باطل أهل الكتاب ونقضه.
إنّ منهج المؤمنين الحق يقوم على هدم ما عند الناس من الباطل والخلل، وعدم التسليم لهم بدعواهم إلّا بالدليل والبرهان.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 111] .
وقال تعالى: (? ? ? ? ? پپ پ پ ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 135] .
إنّ أهل الباطل يقيمون الأدلة الواهنة على مبادئهم ومعتقداتهم، ويتمسكون بها؛ من أجل مشاغبة أهل الإيمان، والتشويش عليهم؛ لذلك وجب على المؤمنين عدم قبول أيّ دعوى نفيًا أو إثباتًا دون دليل أو برهان صحيح يدعمها.
يقول الإمام الطبري: «وهذا الكلام وإن كان ظاهره ظاهر دعاء القائلين: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) إلى إحضار حجة على دعواهم ما ادعوا من ذلك، فإنّه بمعنى تكذيب من الله عز وجل لهم في دعواهم وقيلهم، لأنّهم لم يكونوا قادرين على إحضار برهان على دعواهم تلك أبدًا، وقد أبان قوله: (? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 112] .
عن أنّ الذي ذكرنا من الكلام بمعنى التكذيب لليهود والنصارى في دعواهم ما ذكر الله عز وجل عنهم» 53.
ثانيًا: الجدال عن النفس:
إنّ من طبيعة الإنسان أن يحاول بكل جهده وطاقته، دفع الشر والسوء عن نفسه؛ فنراه يتعلق بأيّ أمر يعتقد أنّه يدفع عنه الضرر والأذى، وأحوج ما يكون إلى هذه المدافعة والمجادلة يوم القيامة؛ لما فيه من الأهوال والأحوال لذلك نجده يجادل عن نفسه، ويدافع عنها؛ طمعًا في رحمة الله عز وجل ومغفرته؛ لأنّها علمت سعة رحمة الله عز وجل وعظيم مغفرته، إذ تتجلى رحمة الله عز وجل ومغفرته في هذا اليوم؛ لتغشى عباده الموحدين، فهم أكثر ما يكونون طلبًا لهما واحتياجًا إليهما 54.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ?) [النحل: 110 - 111] .
فالإنسان يوم القيامة لا يعنيه شيء سوى نفسه؛ فيسعى في خلاصها من الأهوال العظيمة في ذلك اليوم العصيب، لا يلتفت لأحد، شعاره: نفسي نفسي.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [عبس: 33 - 37] .
إنّ اشتداد الأهوال يوم القيامة يشغل كل امرئ بنفسه، يدافع عنها؛ لعلها تنجو من العقاب، لكنّ الأمر أشد، إنّما هو الجزاء، تجازى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون 55.
لذلك نجد أنّ المجادلين عن أنفسهم يوم القيامة سلكوا سبلًا متعددة في الدفاع عن أنفسهم، منها:
6.الحلف الكاذب بالله عز وجل على براءتهم من الشرك والمشركين.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المجادلة: 18] .
إنّ الله عز وجل لما يبعث الناس يوم القيامة مجتمعين، يعاتبهم على ما صدر منهم من معصية وضلال ونفاق، فيحلف المنافقون منهم والمشركون له سبحانه وتعالى على إسلامهم وإيمانهم كما كانوا يحلفون للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في الدنيا؛ ظانّين أنّهم سيحققون نفعًا لأنفسهم، ودفعًا للضرر الحاصل لهم من حلفهم الكاذب، كما حققوا بعض مكاسبهم في الدنيا، ولكنّهم لم يعلموا أنّ الله عز وجل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور 56.
7.إظهار إرادة الانتقام ممن كان سببًا في ضلالهم ودخولهم النار.
حيث عطلوا عقولهم في الدنيا عن النظر والتأمل، وراحوا يقلدون أئمتهم ورؤساءهم من الجن والإنس، فاليوم وبعد فوات الأوان حصل بينهم التباغض والمعاداة 57.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [فصلت: 29] .
فتوسلوا لله عز وجل بعزمهم على الانتقام ممن كانوا رأسًا في ضلالهم؛ لعلهم يظفرون بتخفيف العذاب عن أنفسهم، وإذلال قادة الضلال، وأئمة الكفر، وزيادة التنكيل بهم.
8.محاولة الكذب على الله عز وجل؛ بنفيهم الوقوع في الشرك.
قال تعالى: (ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 23 - 24] .
إنّ الله عز وجل يحشر المشركين مع آلهتهم التي عبدوها من دون الله عز وجل في الدنيا، فيسألهم عنها، فيجيبون بالإنكار والجحود (? ? ? ? ?) ، وهم بهذا الفعل يدافعون عن أنفسهم، ويحاولون الإفلات من عذاب يوم القيامة، مع اعتقادهم خلاف ما يقولون، وعلمهم بالحقيقة الكاملة؛ وهي أنّهم قد كذّبوا بالله عز وجل في الدنيا، ويريدون أن يعيدوا الكرة يوم القيامة، لكنّ الله عز وجل عالم بخفايا القلوب والنفوس 58.
9.إظهار الخضوع والتذلل لله عز وجل متمنين من الله عز وجل أن يكرمهم بفرصة أخرى؛ ليؤمنوا ويتبعوا منهج الإيمان والتوحيد.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پپ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 27 - 28]
إنّ المشركين عند رؤيتهم لهيب النار، يتمنون العودة إلى الحياة الدنيا زاعمين أنّهم يريدون الهداية والاستجابة لأمر الله عز وجل، لكنّ الحقيقة هي الخوف من لهيب النار بعدما ظهر ما كانوا يخفونه من الذنوب والمعاصي في الحياة الدنيا، وتأكدوا من صدق ما أنكروه في الدنيا، ولو ردّهم الله عز وجل إلى الدنيا لعادوا إلى التكذيب بآيات الله عز وجل، ولحاربوا أولياءه؛ لأنّ التكذيب والجحود والعناد والافتراء طبعٌ متجذرٌ فيهم 59.
ونظير ذلك قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [طه: 134] .
ثالثًا: الجدال في الدعوة إلى الله تعالى:
إنّ الدعوة الى الله عز وجل وظيفة الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ومن تبعهم بإحسان، سلكوا في سبيلها كل الوسائل والأساليب المشروعة؛ لإيصال دعوة التوحيد للناس في كل بقاع الأرض، وبما أنّ الجدال ظاهرة بشرية فطرية ملازمة للإنسان؛ لنقل الأفكار والآراء، وبناء المواقف والاتجاهات، كان لزامًا على الأنبياء والمرسلين عليهم السلام وأتباعهم سلوك هذا الطريق نصرةً للحق، ونشرًا للدين الحنيف والذّب عنه 60.
إنّ سلوك طريق الجدال في الدعوة مقيد بضوابط وأحكام أشارت إليها الآية الكريمة.
قال تعالى: (ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النحل: 125] .
وهناك ضوابط للمجادلة بالتي هي أحسن، وهي:
10.إخلاص النية لله عز وجل.
فالداعية إلى الله عز وجل لا يبتغي من وراء الجدال المفروض عليه إلّا مرضاة الله عز وجل، والوصول إلى الحق المبين، بعيدًا عن المباهاة والرياء 61، قال تعالى: (ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھے ے ? ? ? ? ? ? ?) [الزمر: 17 - 18] .
11.الاحتجاج على المخالف بالأدلة التي يعتقدها؛ فإنّ ذلك أقرب لفهمه، وأدعى إلى حصول المراد من المجادلة 62.
يظهر هذا المعنى في نقاش النبي صلى الله عليه وسلم مع الشاب الذي جاء يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: إنّ فتًى شابًّا أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه ائذن لي بالزّنا، فأقبل القوم عليه فزجروه قالوا: مه مه، فقال: (ادنه فدنا منه قريبًا، قال: فجلس قال:(أتحبّه لأمّك؟) قال: لا واللّه جعلني اللّه فداءك، قال: ولا النّاس يحبّونه لأمّهاتهم)، ... الحديث 63.
12.أن تكون الأدلة والبراهين واضحة، تعطي مدلولًا محددًا؛ بحيث لا يترك الداعية إلى الله عز وجل سبيلًا للمخالف يتفلت من خلاله، أو حجة يتمسك بها، أو شبهة يستأنس بها على باطله.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گگ گ ? ? ? ? ?) [البقرة: 258] .
13.أن تكون المجادلة في إطار الأدب والخلق، وألّا تؤدي إلى الخصام والملاسنة؛ وتبتعد عن تحقيق المقصود.
فالمجادلة بالحسنى هدفها هداية الخلق، وقصد الحق، وليس إفحامهم والغلبة عليهم 64.
قال تعالى: (ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 108] .
ونظير ذلك قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ژژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ) [الإسراء: 53] .
14.أن تكون المجادلة مبنية على الرفق واللين وحسن الإقناع وسعة الصدر.
فإنّ ذلك أدعى إلى تهدئة نفوس المخالفين، والتقليل من تعصبهم وعنادهم 65، وتكون مدعاة لتفلتهم من الحق، وانصرافهم عن مجلس الدعوة 66.
فقد أمر الله عز وجل موسى وهارون عليهما السلام أن يخاطبا فرعون رمز الكبر والجحود بلين الجانب مع الرفق وغاية التلطف 67 فقال تعالى: (ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ?) [طه: 44] .
15.أن تكون المجادلة مبنية على العلم والمعرفة.
فلا يصح من الداعية الدخول والمدافعة عن أمر أو حكم وهو غير عالم به، محيطٌ بجميع أبعاده؛ لئلا يتيح للمخالفين الفرصة في الطعن في أفكاره ومعتقداته؛ فتصبح المفسدة المترتبة على هذا الجدال تفوق بكثير المصلحة المقصودة.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ گ) [يوسف: 108] .
16.إشعار المخالف أنّ المقصود من مجادلته هو الوصول إلى الحق والصواب، بعيدًا عن المراء، أو المساس بشخص المخالف أو مكانته 68.
فقد ذمّ الله عز وجل المكذبين بحقيقة عيسى عليه السلام؛ حيث رفضوا الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأخذوا يجادلون فيه، ويشككون في الحق بعد ظهوره 69.
قال تعالى: (ے ? ? ? ? ? ? ? ?) [مريم: 34] .
17.إنصاف المخالف، وإنزاله منزلته، والثناء عليه عند الصواب، ونصحه إذا أساء.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الشعراء: 183] .
وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة: 8] .
18.الإشفاق على المخالفين، والرحمة بهم، والتودد إليهم، وإظهار الحرص على استنقاذهم من باطلهم، وحمايتهم من أنفسهم 70.
يظهر هذا المعني في جدال مؤمن آل فرعون لقومه.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [غافر: 30 - 32] .
رابعًا: الجدال في الخصومة:
إنّ من طبيعة الإنسان المجادلة عن حقه إذا وقع في الخصومة والنزاع؛ طلبًا لحقه من وجهة نظره وفهمه، ودفعًا لأيّ سوء يقع عليه.
ونتناول في هذا المقام موقفين للمجادلة في الخصومة والاختلاف، وهما:
الموقف الأول: خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها تجادل النبي صلى الله عليه وسلم في أمر زوجها.
لقد جادلت خولة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم في أمر زوجها الذي حرّمها على نفسه بعد أن طالت صحبتها معه، كبر سنّها، ثمّ يقول لها (أنت عليّ كظهر أمي) ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لها: قد حرمت عليه، وهي ما تزال تراجع النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المجادلة: 1] والآيات التي بعدها 71.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: الحمد للّه الّذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم تكلّمه وأنا في ناحية البيت، ما أسمع ما تقول، فأنزل اللّه عز وجل على النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المجادلة: 1] 72.
الموقف الثاني: جدال ابني آدم عليه السلام في أمر قبول القربان.
لقد قصّ علينا القرآن الكريم خصومة ابني آدم عليه السلام، حتى وصلت بأحدهما إلى قتل أخيه.
قال تعالى: (? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة: 27 - 30] .
إنّ الخصومة وقعت بين ابني آدم عليه السلام، أحدهما قد ملأ الإيمان قلبه؛ فاستقام على طاعة الله عز وجل، ممتثلًا أمره ومجتنبًا نهيه، والآخر استحوذ الشيطان على قلبه، وزيّن له معصية ربه؛ فلم يراعي لله عز وجل حرمة، ولم يحفظ لأخيه قرابة، حيث قربا قربانًا إلى الله عز وجل ابتغاء رضوانه ومغفرته ورحمته، ودليلًا على صحة المعتقد وسلامة المنهج، لكنّ النتيجة كانت القبول من أحدهما وعدم القبول من الآخر؛ فتحركت الغيرة في قلبه، فدبّت الخصومة بينهما، ووصلت بأحدهما إلى حد العدوان والانتقام، بحيث تمتد يده على أخيه ليقتله، لكننا نجد في المقابل خلق المؤمن الحق الحريص على سلامة أخيه، فيجيبه بأدب وهدوء، وتوجيه صادق إلى تقوى الله عز وجل والالتزام بأمره (? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہھ ھ ھ ھ ے ے ?) ، ويحذره من مواصلة السير في هذا الطريق؛ لأنّه يجلب له الهلاك والعذاب (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) ، لكنّ الخصومة حجبت الحق عن الأخ العاصي فقتل أخاه، وأسال دمه على الأرض 73.