فهرس الكتاب

الصفحة 1533 من 2431

قال تعالى: {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ} [الأحقاف: 12] .

وقوله تعالى: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} [الحج: 45] .

معنى ذلك: أن كثيرًا من أهل القرى أهلكناهم بكفرهم بالله وتكذيبهم رسله، ثم أنشأنا بعد إهلاكهم أممًا أخرى سواهم 62.

2.التوبة النصوح.

وذلك بالإقلاع الفوري عن الظلم.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [التحريم: 8] .

وقد أمر الله سبحانه بالتوبة النصوح في هذه الآية، ووعد عليها بتكفير السيئات ودخول الجنات، والفوز والفلاح حين يسعى المؤمنون يوم القيامة بنور إيمانهم، ويمشون بضيائه ويتمتعون بروحه وراحته، والمراد بها: التوبة العامة الشاملة للذنوب كلها التي عقدها العبد لله، لا يريد بها إلا وجهه والقرب منه، ويستمر عليها في جميع أحواله 63.

وشروط التوبة أربعة:

1.الإقلاع عن الذنب.

2.الندم على ما مضى.

3.العزم على ألا يعود إليه.

4.رد الحقوق إلى أهلها 64.

3.التذكير بعواقب وآثار الظلم وأخذ العبرة والعظة.

إن تذكير الظالمين بعواقب وآثار الظلم قد يؤدي إلى رجوعهم عن ظلمهم، وقد حث القرآن الكريم على ذلك بقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ? اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ? قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى? رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [الأعراف: 164] .

ومعنى الآية: أن الله سبحانه أمر بني إسرائيل أن يعظّموه ويحترموه ولا يصيدوا يوم السبت صيدًا فابتلاهم الله وامتحنهم، وانقسموا في ذلك ثلاث فرق، معظمهم اعتدوا وتجرؤوا على مخالفة أمر الله تعالى، وفرقة أنكرت عليهم ونهتهم عن ذلك، وفرقة اكتفت بإنكار أولئك عليهم، ونهيهم لهم، وقالوا لهم: لا فائدة في وعظ من اقتحم محارم الله، ولم يصغ للنصيحة، بل استمر في اعتدائه وطغيانه، فإنه لا بد أن يعاقبهم الله إما بإهلاك أو عذاب شديد، فقال الواعظون: نعظهم وننهاهم لنعذر فيهم، ولعلهم يتركون ما هم فيه من المعصية، فلا نيأس من هدايتهم، فربما أثر فيهم هذا الوعظ واللوم، وهذا هو المقصود الأعظم من إنكار المنكر، ليكون معذرة، وإقامة حجة على المأمور المنهي، ولعل الله أن يهديه فيعمل بمقتضى ذلك الأمر والنهي 65.

4.تربية ملكة المراقبة لله في السر والعلن.

قال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ?46?) [الرحمن: 46] .

والمراد: أن الذي يخاف ربه، ويقوم على أوامره فيترك ما نهى عنه، ويفعل ما يؤمر، له جنتان من ذهب، إحدى الجنتين جزاء على ترك المنهيات، والأخرى على فعل الطاعات 66.

ويؤكد ذلك قوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى? ?40?فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى? ?41?) [النازعات: 40 - 41] .

5.الدعاء.

وهو أهم علاجٍ في رفع الظلم، وهو الباب الواسع الذي لا يقفل، فلا بد للمظلوم أن يلتجئ إلى الله بالدعاء والدعوة على الظالم؛ إذ ليس بينها وبين الله سبحانه حجاب، وقد وعد الله سبحانه له بنصرها عاجلًا أو آجلًا.

قال تعالى: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) [القمر: 10] .

يقول ابن كثير في تفسير الآية: «أي إني ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم فانتصر أنت لدينك» 67.

فالدعاء سلاح يقصم به الله ظهر المتجبّرين، ويزلزل به عروش المتعالين، وينسف به صولة المتطاولين، ولكن إذا تأخرت إجابة دعوة المظلوم فما هي إلا فرصة متاحة للظالم لكي يراجع نفسه، ويحاسبها على فعلته هذه، حتى يعيد للمظلوم حقه، ويعتذر إليه عما بدر منه، ويتوب إلى الله من هذا العمل.

إن للظلم آثارًا وعواقب تعصف بالمجتمع، وتجلب له ما يسؤوه في جميع الميادين، وتظهر تلك الآثار السلبية من خلال ما يأتي:

أولًا: ذهاب الأمن.

حيث إن الظالم يعيش ليله ونهاره بخوف وقلق دائم خوفًا من انتقام المظلومين، فيعمل على تأمين نفسه خوفًا من بطشهم، وهو جاهل بأن العدل هو الذي يجلب الأمن لا الظلم، وقد أكد ذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَ?ئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) [الأنعام: 82] .

وقد جاء لفظ (بظلم) نكرة في سياق النفي بـ (لم) وفي ذلك دلالة على أنها تعم جميع أنواع الظلم، فكل من كان مبتعدًا عن الظلم فله نصيب من هذه العاقبة، وهي الأمن والاهتداء، فإذا كان العبد ممن يخلط ظلمًا بصلاحٍ وعدلٍ، كان الأمن عنده في داخله، أو في مجتمعه بقدر انتفاء الظلم، ولهذا كلما كثرت الكبائر والخبث ومخالفة دين الله سبحانه، كلما انتزع الأمن من العباد 68.

ثانيًا: الجدب والقحط.

وهذا ما بيّنته سورة النحل عند قوله تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [النحل: 112] .

يقول الزحيلي: «ذكر الله صفة قرية للعبرة، كانت بأهلها آمنة من العدو، مطمئنة لا يزعجها خوف، يأتيها رزقها الوافر رغدًا: أي: هنيئًا سهلًا واسعًا من سائر البلاد، فكفر أهلها بنعم الله، (أي: جحدوا) بها، فعمهم الله بالخوف والجوع، وبدلوا بأمنهم خوفًا، وبغناهم فقرًا، وبسرورهم ألمًا وحزنًا، وذاقوا مرارة العيش بعد سعته بسبب أفعالهم المنكرة، وجاءهم رسولٌ من جنسهم فكذبوه فيما أخبرهم به، مع أنه رسولٌ إليهم، مبلّغ عن ربه بأن يعبدوه ويطيعوه، ويشكروه على النعمة، وتمادوا في كفرهم وعنادهم، فعذّبوا بعذاب الاستئصال الشامل حال كونهم ظالمين أنفسهم بالكفر وتكذيب الرسل، متلبسين بالظلم وهو الكفر والمعاصي، وما ظلمهم الله أبدًا» 69.

ثالثًا: الحرمان من الهداية والفلاح واستحقاق اللعنة.

بيّن القرآن أن الظالمين لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة، ولا تتخلّف سنة الله عنهم، قال تعالى: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [آل عمران: 86] .

ومعنى الآية: أن الله سبحانه لا يرشد للصواب، ويوفق للإيمان قومًا جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بعد تصديقهم إياه، وإقرارهم بما جاء به من عند ربه، وبعد أن أقروا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى خلقه حقًّا، وجاءهم الحجج من عند الله والدلائل بصحة ذلك، والله لا يوفق للحق والصواب كل الظلمة، الذين بدّلوا الحق إلى الباطل، فاختاروا الكفر على الإيمان 70.

رابعًا: تحريم الطيبات.

إن حياة الظالمين تنقلب من السعة والطمأنينة، والأمن إلى الضيق والخوف، والهلع والجزع والقلق، ولم يحدث هذا إلا بسبب ظلمهم، وقد بيّن القرآن الكريم نماذج للاعتبار.

ومن ذلك: ما حصل مع اليهود حيث قال تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا(160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ? وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [النساء: 160 - 161] .

والمعنى: أنه بسبب ظلمهم استحقوا تحريم طيبات كانت محللة لهم ولمن قبلهم، عقوبة وتربية لهم، لعلهم يرجعون عن ظلمهم، وأبهم الظلم الذي كان سببًا في العقوبة ليعلم أن أي نوعٍ فيه يكون سببًا للعقاب في الدنيا قبل الآخرة، والعقاب إما دنيوي: كالتكاليف الشاقة زمن التشريع، والجزاء الوارد في الكتب على الجرائم كالحد والتعزير، وما اقتضته السنن التي سنها الله في نظم الاجتماع من كون الظلم سببًا لضعف الأمم وفساد عمرانها، واستيلاء الأمم الأخرى عليها، وعذاب أخروي من العذاب في النار 71.

خامسًا: خراب البيوت.

إن الله سبحانه يخرّب بيوت الظالمين وديارهم بسبب ظلمهم.

قال تعالى: (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(50) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [النمل: 50 - 52] .

فبسبب ظلمهم أنفسهم أنزل الله العذاب بهم، فأصبحت مساكنهم خالية، وفي هذا العقاب عبرة وموعظة لأناسٍ أهل معرفة وعلم، يعلمون بسنة الله في خلقه، وبأن النتائج مرتبطة بالأسباب، فالويل كل الويل لمن كفر بالله وكذب رسله، ولم يقلع عن طغيانه وعناده وكفره 72.

ومن خراب البيوت أيضًا: أن يسلّط الله سبحانه على الظالمين من يظلمهم.

قال تعالى: (وَكَذَ?لِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ?129?) [الأنعام: 129] .

ومعنى ذلك: أن الله يسلّط بعضهم على بعض، يسلّط ظالمًا على ظالمٍ سابق فيهلكه ويذلّه، وهذا تهديد للظالم إذا لم يمتنع عن ظلمه بأن يسلّط الله عليه ظالمًا آخر، ويدخل في هذه الآية جميع من يظلم نفسه أو يظلم الناس 73.

سادسًا: سقوط دولة الظلم.

قصّ القرآن الكريم على الرسول صلى الله عليه وسلم العديد من قصص الأمم السابقة التي خالفت أنبياءها، فظلمتهم وظلمت نفسها، فما كان من الله سبحانه إلا أن انتقم منهم، وأهلكهم بسبب أفعالهم.

قال تعالى: (ذَ?لِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى? نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ? مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ?100?وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَ?كِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ? فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ? وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ?101?وَكَذَ?لِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى? وَهِيَ ظَالِمَةٌ ? إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ?102?) [هود: 100 - 102]

ومن النماذج القرآنية التي تدلّل على ذلك: ما حصل لقوم نوح وعادٍ وثمود وقوم لوط وشعيب وفرعون وجنوده، وغير ذلك من النماذج التي بيّنت أن دولة الظلم إلى زوال، وسنعرض لبعض هذه النماذج بشيء من البيان، وهي كما يأتي:

قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ(9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى? أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى? ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِ) [القمر: 9 - 15] .

ذكر الله سبحانه حال المكذّبين لرسوله، وأن الآيات لا تنفع فيهم ولا تجدي عنهم شيئًا، ونوحٍ عليه السلام هو أول رسول بعثه الله سبحانه إلى قوم يعبدون الأصنام، فدعاهم إلى توحيد الله سبحانه وعبادته، فلم يزدهم هذا الدعاء إلا عنادًا واستكبارًا، وقدحًا في نبيهم، وانصرفوا عما جاء به، واعتبروه جهلًا وضلالًا لا يصدر إلا عن المجانين، وعنّفه قومه وزجروه وآذوه، وهذا حال جميع الرسل مع أقوامهم، فعند ذلك دعا نوح عليه السلام ربه: (? ? ?) فأجاب الله سؤاله، وانتصر له من قومه، حيث التقى ماء السماء الذي كان ينزل بشكل خارق للعادة مع الماء المتفجر عيونًا من الأرض، ونجى الله نوحًا عليه السلام ومن آمن معه، ومن حملهم معه من أصناف المخلوقات برعايته سبحانه، ولقد ترك الله سبحانه قصة نوح عليه السلام مع قومه آية، يتذكر بها المتذكرون على أن من عصى الرسل وعاندهم أهلكه الله بعذاب شديد 74.

قال تعالى: (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ ?25? فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ?26? وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ?27? وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ ?28? أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ?29? قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ?30? وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ ?31? قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ?32? وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ?33? إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ?34? وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [العنكبوت: 28 - 35] .

بيّن القرآن الكريم ما حصل مع هؤلاء القوم الذين خالفوا السنن الإلهية، فكانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء، فأنكر عليهم نبيهم لوط عليه السلام ذلك موبخًا لهم: أتفعلون تلك الفعلة التي بلغت الغاية في القبح والفحش، ما عملها أحد قبلكم في أي زمان، بل هي من مبتدعاتكم في الفساد، فأنتم فيها أسوة وقدوة فتبوءون بإثمها وإثم من اتبعكم فيها إلى يوم القيامة.

وكل ذلك لأن ما اجترحوه من السيئات مخالف لمقتضيات الفطرة، فلما جاء عذاب الله سبحانه أمطر عليهم حجارة من طين متحجر، يرسل بعضه إثر بعض، ليرجموا رجم الزناة، وهذا يتناسب مع فعلتهم التي فعلوها، فالجزاء من جنس العمل، وهذه الحجارة يستحقها هؤلاء بسبب ظلمهم ومخالفتهم لفطرة الله التي فطر الناس عليها 75.

قال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف: 73 - 78] .

أرسل الله سبحانه صالحًا عليه السلام إلى ثمود، ومعه حجة واضحة على صدق نبوته، وهي ناقة الله سبحانه التي خلقها لتكون علامة على صدق رسالة صالح عليه السلام، وهي حجة على قومه إن حفظوها وأطلقوا لها رعيها وسقياها حفظوا، وإن غدروا بها أهلكوا، ولذا قال: {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ} أي: بضرب ولا بطرد ولا بشيء من الأذى إكرامًا لآية الله سبحانه، ولو أصابها سوء سيأخذكم عذاب أليم في الدارين، لجرأتكم على آيات الله، فرفضوا الانصياع لصالح عليه السلام، {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ} أي نحروها، واستكبروا عن امتثال أوامره، وهو عبادته وحده، وعدم مس الناقة بسوء، وزادوا في الاستهزاء، وطلبوا من صالح عليه السلام أن يأتيهم بما وعدهم من العذاب جزاء عقر الناقة، فأخذتهم الصيحة التي يحصل منها الزلزلة الشديدة، فأصبحوا في دارهم جاثمين، ساقطين على وجوههم، هامدين لا يتحركون، ميتين بسبب ما فعلوه من قتل الناقة، وهذه الصيحة والزلزلة التي حدثت لهم من آثار الريح المرسلة التي كانت رحمة، فانقلبت عذابًا، وهكذا يكون جزاء الظالمين 76.

إن الظلم ينعكس على نفس الظالم، حيث إنه يسبّب له ولأتباعه العديد من العقوبات الأخروية، ومن هذه العقوبات ما يأتي:

1.الكرب والهوان عند سكرات الموت.

فقد بيّن الله سبحانه صورة الظالمين، وما يحل بهم عند سكرات الموت من كرب وهوان.

قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93] .

يقول السعدي: «لما ذم الله الظالمين ذكر ما أعد لهم من العقوبة في حال الاحتضار ويوم القيامة، فقال: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ} أي شدائده وأهواله الفظيعة وكربه الشنيعة لرأيت أمرًا هائلًا، وحالة لا يقدر الواصف أن يصفها {وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ} أي لأولئك الظالمين المحتضرين بالضرب والعذاب، يقولون لهم عند منازعة أرواحهم، وقلقها وتعصيها للخروج من الأبدان {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} أي العذاب الشديد الذي يهينكم ويذلكم، والجزاء من جنس العمل» 77.

2.المهانة والذلة يوم القيامة.

قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ} [سبأ: 31] .

والمعنى: لو ترى أيها الرسول فظاعة حالهم يوم القيامة، وما هم فيه من مهانة وذلة، يحاور بعضهم بعضًا، ويتلاومون على ما كان بينهم من سوء الأعمال، والسبب الذي أوقعهم في هذا النكال والوبال، لرأيت العجب العاجب، والمنظر المخزي للظالمين وأتباعهم 78.

3.العذاب المستمر المقيم بلا انقطاع ولا توقف.

وقد تحدث القرآن الكريم عن هذا العذاب في قوله تعالى: {أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ} [الشورى: 45] .

قال السعدي: «أي في سوائه ووسطه منغمرين لا يخرجون منه أبدًا» 79.

4.منع الافتداء من العذاب.

وقد بيّن الله سبحانه ذلك بقوله: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الزمر: 47 - 48] .

والمعنى: أن هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم لو أن لهم ما في الدنيا من أموالها وزينتها {وَمِثْلَهُ مَعَهُ} مضاعفًا ليقبل ذلك منهم عوضًا من أنفسهم، لفدوا بذلك كله أنفسهم عوضًا من عذاب الله الذي أعده لهم، ولم يكونوا قبل ذلك يحتسبون أنه أعده لهم 80.

5.تمني الرجوع إلى الدنيا من شدة العذاب.

قال تعالى: {وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ} [الشورى: 44] .

والمعنى: أن هؤلاء الظالمين لما رأوا منظر العذاب فظيعًا صعبًا شنيعًا أظهروا الندم العظيم، والحزن على ما سلف منهم {يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ} أي: هل لنا من طريق أو حيلة إلى رجوعنا إلى الدنيا، فنعمل غير الذي كنا نعمل، وهذا طلب للأمر المحال الذي لا يمكن حدوثه 81.

6.اقتطاع حق المظلوم من الظالم.

إن الله سبحانه يقتص للمظلوم من الظالم يوم القيامة، وقد أكد ذلك ما ورد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها من قبل أن يؤخذ من حسناته، فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه) 82.

يقول ابن حجر: «يقتص للمظلوم من الظالم حتى يأخذ منه بقدر حقه، وهذا متفق عليه» 83.

موضوعات ذات صلة:

الاستكبار، الإنصاف، البخس، الطغيان، العدل، العفو

1 مقاييس اللغة 3/ 469.

2 انظر: الصحاح، الجوهري 5/ 1977، لسان العرب، ابن منظور 12/ 373.

3 انظر: تاج العروس، الزبيدي 33/ 32.

4 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني 325.

5 انظر: جامع البيان، الطبري 4/ 183.

6 انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 434 - 439، المعجم المفهرس الشامل، عبدالله جلغوم، ص 729 - 735.

7 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 326 - 327، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص 426 - 428، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 3/ 540 - 544.

8 لسان العرب، ابن منظور 14/ 77

9 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني 136.

10 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/ 274.

11 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 412.

12 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 6/ 245.

13 انظر: الفروق اللغوية، العسكري 230.

14 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 492.

15 مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، السيوطي ص 207.

16 انظر: الموسوعة القرآنية، إبراهيم الإبياري 8/ 116.

17 انظر: معجم الفروق اللغوية، العسكري 493.

18 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب تحريم الظلم، رقم 2577، 4/ 1994.

19 انظر: محاسن التأويل، القاسمي 5/ 309.

20 جامع البيان 21/ 379.

21 التفسير المنير، الزحيلي 14/ 136.

22 جامع البيان، الطبري 14/ 346.

23 مختصر الصواعق المرسلة ص 231.

24 جامع البيان 17/ 16.

25 تيسير الكريم الرحمن ص 426.

26 المصدر السابق 631.

27 أخرجه البيهقي في سننه، جماع أبواب تفريق ما أخذ من أربعة أخماس الفيء، باب ما يكون للوالي، رقم 13009، 6/ 574.

28 تاريخ ابن خلدون 1/ 235.

29 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب تحريم الظلم، رقم 2578، 4/ 1996.

30 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب تحريم الظلم، رقم 2577، 4/ 1994.

31 انظر: بيان حقيقة التوحيد، صالح الفوزان ص 45.

32 انظر: المصدر السابق ص 25.

33 انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب 6/ 974.

34 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب ما جاء في الكبائر، رقم 87، 1/ 91.

35 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البيوع، باب من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا، رقم 1610، 3/ 1230.

36 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من غشنا فليس منا، رقم 101، 1/ 99.

37 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحوالات، باب الحوالة وهل يرجع في الحوالة، رقم 2287، 3/ 94.

38 انظر: مفاتح الغيب، الرازي 1/ 226.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت