أما عن وروده بغير التصريح ففي مواضع عدة استنبطها المفسرون من قصة السيدة مريم عليها السلام حيث ذكر غير واحد من المفسرين أن نذر امرأة عمران الوارد في قوله تعالى: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ? إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [آل عمران: 35] .
كان خدمة مريم عليها السلام لبيت المقدس، حيث روي هذا عن عكرمة 48، وكذا من قصة نبي الله داود وسليمان عليهما السلام، مما لا مجال لذكره هنا.
ثالثًا: مسجد قباء:
مسجد قباء من أشهر مساجد المدينة المنورة بعد المسجد النبوي، وقد ذهب كثير من المفسرين وعلماء السيرة إلى أن مسجد قباء هو المقصود في قول الله تعالى: (لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى? مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ? فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ? وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ(108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى? تَقْوَى? مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى? شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109 ) ) [التوبة:109] .
حيث ذهب إلى ذلك مقاتل، والسدي، وزيد بن أسلم، وغيرهم من مفسري السلف 49.
ولكن روي عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري أن المقصود به مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس مسجد قباء 50.
فقد أخرج مسلم في صحيحه عن حميدٍ الخراط، قال: (سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن، قال: مر بي عبد الرحمن بن أبي سعيدٍ الخدري، قال: قلت له: كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: قال أبي: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله، أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفًا من حصباء، فضرب به الأرض، ثم قال:(هو مسجدكم هذا) لمسجد المدينة، قال: فقلت: أشهد أني سمعت أباك هكذا يذكره) 51.
وأخرج ابن أبي شيبة بسنده عن ابن عمر، قال: «المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم» 52.
ويمكن القول بأن ما تؤيده رواية مسلم هو الأولى بالقبول، وهو أن المسجد الذي أسس على التقوى هو المسجد النبوي على ساكنه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وأيا كان القول فإن مسجد قباء قد أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول قدومه المدينة، حيث كانت وفادته صلى الله عليه وسلم على بني عمرو بن عوف بقباء، وأقام فيهم عدة ليال بنى خلالها مسجد قباء، ثم ارتحل عنهم إلى الموضع الذي بنى فيه مسجده الشريف وبيوت أزواجه الطاهرات، وقد أسس كلا المسجدين على التقوى أي: على توحيد الله تعالى، ورضوانٍ من الله 53.
رابعًا: مسجد الضرار:
مسجد اتخذه بعض المغرضين في المدينة للتفريق بين المسلمين فجاء القرآن الكريم مبينًا زيف صنيعهم وخبث نيتهم وسوء طويتهم، ناهيًا النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين عن الصلاة فيه.
قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ? وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى? ? وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ?107?لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ? لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى? مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ? فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ? وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ?108?أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى? تَقْوَى? مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى? شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ?109?) [التوبة: 107 - 109] .
وسبب نزولها أن اثنا عشر رجلا من المنافقين وكلهم من الأنصار، قالوا: نبني مسجدًا نتحدث فيه ونخلو فيه، فإذا رجع ابو عامر الراهب من الشام قلنا: بنيناه لتكون إمامنا فيه؛ فلما فرغوا من بنائه، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا قد بنينا مسجدًا وما أردنا إلا الحسنى، ونحب أن تصلي فيه، وكان بناؤهم للمسجد قبل سفر النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، فلم يسعفهم بالذهاب إليه، فأنزل الله هذه الآيات، فدعا النبي عليه الصلاة والسلام أناسًا وأمرهم بالتوجه إلى المسجد لتحريقه وهدمه 54.
وقد نهى القرآن الكريم النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مسجد الضرار وحثه على الصلاة في مسجد قباء مبينًا المقارنة بين المسجدين التي تتمثل في أمرين:
الأول: أن مسجد قباء بني على التقوى وهي طاعة الله ورسوله، وقصد به إرضاء الله تعالى، وإخلاص العبادة فيه، وجمع المؤمنين، والعمل على وحدة الإسلام، وظلت هذه المزية له، وأصبح من السنة صلاة ركعتين فيه على الدوام، ثم وضع القرآن قاعدة عامة للمقارنة بين المسجدين وأي بناءين، وتلك القاعدة:
الثاني: أنه لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان، ومن بنى مسجدا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين، وهذا مصيره الانهيار والسقوط في قعر جهنم، والله لا يوفق الظالمين، ولا يهديهم للحق والصواب والصلاح، ما داموا قد قصدوا المعصية والكفر، وقد صار هذا مثلا للأجيال 55.
مسجد الضرار واقعة سوء تركت آثارًا سيئة استوجبت إزالته:
«أبان القرآن أربعة أسباب لهدم مسجد المنافقين: مسجد الضرار، وهي:
وصار المنافقون يحلفون: ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الفعلة الحسنى والتوسعة علينا وعلى من عجز أو ضعف عن المسير إلى مسجد المدينة، والله يعلم خبث ضمائرهم ويشهد على أنهم كاذبون فيما حلفوا عليه.
لكل هذه الأسباب القائمة على الضرر والإساءة، نهى الله تعالى نبيه عن الصلاة في هذا المسجد: مسجد الضرار: لا تقم فيه أبدًا.
ولهذا كان لمسجد الضرار آثار ومعان سيئة على مر التاريخ، فهو لا يزال سبب حزازة وأثر سوء، وشك من المنافقين في الدين، وزيادة نفاقهم إلى أن يفارقوا حياتهم بالموت والله عليم بأعمال خلقه، حكيم في إيقاع الجزاء العادل بهم من خير أو شر، ومن حكمته تعالى إظهار حال المنافقين لمعرفة الحقائق وإنصاف التاريخ» 56.
تتعلق بالمساجد طائفة من الأحكام، وقد بسط فيها العلماء الكلام في مصنفات خاصة بذلك، ولكن الذي يعنينا هو ما ورد في القرآن الكريم من هذه الأحكام على هذا النحو:
نهى الإسلام عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، نظرًا لما يجلبه ذلك من مفاسد شرعية، ولم يرد النهي عن ذلك صريحًا في القرآن وإنما ورد النهي والتحذير في السنة النبوية.
كما في الصحيحين عن عائشة، وعبد الله بن عباسٍ، قالا: (لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصةً له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك:(لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما صنعوا) 57.
وجاء في قصة أهل الكهف في القرآن الكريم ذكر النزاع بين القوم الذين كشف في عصرهم قصة الكهف حول ماذا يفعلون بهم، حيث خلص الرأي في النهاية للأغلبية ببناء مسجد عليهم.
قال تعالى: (وَكَذَ?لِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ? فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا ? رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ? قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى? أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ?21?) [الكهف: 21] .
حيث ذكر بعض المفسرين أن النزاع جرى بين المشركين والمسلمين، فرأى المشركون أنهم أبناء آبائهم وأنهم سيبنون عليهم بنيانًا يتعبدون فيه، ورأى المسلمون أنهم أحق بهم فيبنوا عليهم مسجدًا يتعبدون فيه، روي هذا عن عبد الله بن عبيد بن عمير 58. وفسرت الغلبة هنا بأنها غلبة الأمراء، وقيل: غلبة الأعداء 59.
الاعتكاف عبادة مشروعة، وهي الإقامة في المسجد بنية العبادة والتقرب إلى الله تعالى زمنًا معينًا وفق شروط معينة، وقد ورد ذكر الاعتكاف في القرآن مرتين، إحداهما هي المرتبطة بالمسجد، وهي قوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ?) [البقرة: 187] .
ويرى المفسرون وغيرهم من أهل اللغة أن معنى: (عاكفون) : أي مقيمون في المساجد لا يخرجون منها إلا لحاجة الإنسان يصلي فيه ويقرأ القرآن، ويقال لمن لازم المسجد وأقام على العبادة فيه: عاكف ومعتكفٌ والاعتكاف والعكوف الإقامة على الشيء وبالمكان ولزومهما 60.
وقد ذهب جمهور فقهاء المذاهب في تعريفهم للاعتكاف إلى أن الاعتكاف المشروع هو المكوث في مسجد من المساجد 61.
ولهذا فإن المسجد شرط للاعتكاف عند جمهور الفقهاء، بل حكاه بعضهم إجماعا 62.
قال القرطبي: «أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد 63.
وقال ابن قدامة: «لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافا» 64.
وقال ابن رشد: «وقد اتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلا محمد بن عمر بن لبابة فأجازه في كل مكان» 65.
وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، فمن الكتاب قول الله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ?) [البقرة: 187] .
فإضافة الاعتكاف إلى المساجد دليل على اشتراطها أي المساجد له.
قال ابن قدامة: «والأصل في ذلك قول الله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ? [البقرة: 187] ؛ فخصها بذلك، ولو صح الاعتكاف في غيرها، لم يختص تحريم المباشرة فيها؛ فإن المباشرة محرمة في الاعتكاف مطلقًا» 66.
ومن السنة ما روته السيدة عائشة رضي الله عنها، قالت: (إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارة وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفًا) 67.
هذا وقد ذكر ابن رشد سبب الخلاف في اشتراط المسجد فقال: «وسبب اختلافهم في اشتراط المسجد أو ترك اشتراطه هو الاحتمال الذي في قوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ?) [البقرة: 187] .
بين أن يكون له دليل خطاب أو لا يكون له؟ فمن قال له دليل خطاب قال: لا اعتكاف إلا في مسجد وإن من شرط الاعتكاف ترك المباشرة، ومن قال ليس له دليل خطاب قال: المفهوم منه أن الاعتكاف جائز في غير المسجد وأنه لا يمنع المباشرة لأن قائلا لو قال: لا تعط فلانا شيئا إذا كان داخلا في الدار لكان مفهوم دليل الخطاب يوجب أن تعطيه إذا كان خارج الدار ولكن هو قول شاذ، والجمهور على أن العكوف إنما أضيف إلى المساجد لأنها من شرطه» 68.
والناظر إلى لفظة: (المسجد) الواردة في آية الاعتكاف يرى أن الفقهاء قد استنبطوا منها بيان المواضع التي تلحق بالمسجد، ويجوز فيها الاعتكاف مثل سطح المسجد، ورحبته، ومنارته، والمواضع التي لا يجوز فيها الاعتكاف، وللفقهاء تفصيل في ذلك مبسوط في مواضعه من باب الاعتكاف.
وللاعتكاف في المسجد آدابه وأحكامه التي ينبغي على المعتكف أن يتحلى بها أذكرها بإيجاز على سبيل السرد من المذاهب المختلفة بغض النظر عن تفاصيل الخلاف في بعضها:
••استتار المعتكف بخباء أو حجرة.
••أن لا ينقص اعتكافه عن عشرة أيام.
••أن يستصحب ثوبًا غير الذي عليه، لأنه ربما احتاج.
••أن يمكث بمؤخر المسجد ليبعد عمن يشغله بالكلام معه.
••أن يمكث في مسجد اعتكافه ليلة العيد إذا اتصل انتهاء اعتكافه بها ليخرج من المسجد إلى مصلى العيد، فتتصل عبادة بعبادة.
••أن يكون اعتكافه في المسجد الجامع.
••أن يشتغل بطاعة الله تعالى كتلاوة القرآن والحديث والذكر والعلم، لأن ذلك طاعة.
••أن يوقع الاعتكاف في شهر رمضان.
••أن يكون في العشر الأواخر من رمضان لالتماس ليلة القدر؛ فإنها تغلب فيها.
••ترك المعتكف فضول الكلام وما لا يعنيه.
••التزين والتطيب ولبس الثياب الحسنة.
••قيام المعتكف بأداء العبادات (المحضة والمتعدية) 69.
أمر الله تعالى بني آدم على جهة العموم بالتزين واللباس فقال جل شأنه (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ? إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف: 31] .
وجاء في سبب نزول الآية الكريمة أن بعضا من العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة رجالا ونساء، لا يسترون عوراتهم، ولا يقيمون للبيت حرمة، فنزلت هذه الآية 70.
قال ابن عباس رضي الله عنهما في الآية: «كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة و «الزينة» : اللباس، وهو ما يواري السوأة، وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد» 71.
وروي نحو هذا القول عن عطاء والنخعي وسعيد بن جبير، والحسن وقتادة 72.
أما من حملوا الآية على غير الطواف، فلهم أقوال أخرى في المقصود بالزينة فيها موضعًا وصفة على أقوال هي:
القول الأول: أن المراد بها ستر العورة في الصلاة. وهذ مروي عن مجاهد والزجاج 73.
القول الثاني: أن المراد بها مطلق التزين في الجمع والأعياد 74.
القول الثالث: أن الزينة المقصودة هنا هي رفع الأيدي في مواقيت الصلاة، وهو قول التنوخي القاضي 75.
القول الرابع: أن الزينة هي الصلاة في النعال، حيث يروي قتادة في هذا حديثا مرفوعا للنبي صلى الله عليه وسلم 76.
القول الخامس: أن المراد بها المشط لتسريح اللحية 77.
قلت: وهذه الآية أبرز دليل على فرضية ستر العورة في الصلاة.
قال القرطبي: «دلت الآية على وجوب ستر العورة كما تقدم، وذهب جمهور أهل العلم إلى أنها فرض من فروض الصلاة، ونقل عن الأبهري المالكي أنها فرض في الجملة، وعلى الإنسان أن يسترها عن أعين الناس في الصلاة وغيرها» 78.
وقد اتفق العلماء على أن ستر العورة فرض بإطلاق، واختلفوا هل هي شرط من شروط صحة الصلاة أم لا؟
وسبب الخلاف في ذلك تعارض الآثار واختلافهم في مفهوم قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف: 31] .
هل الأمر بذلك على الوجوب أو على الندب؟ فمن حمله على الوجوب قال: المراد به ستر العورة وله أدلته على ذلك.
ومن حمله على الندب قال: المراد بذلك الزينة الظاهرة من الرداء وغير ذلك من الملابس التي هي زينة وله أدلته على ذلك، ولذلك فمن لم يجد ما به يستر عورته لم يختلف في أنه يصلي، واختلف فيمن عدم الطهارة هل يصلي أم لا يصلي؟ 79.
وستر العورة واجب للصلاة وغيرها، فلا يختص بالصلاة، وإذا كان الستر في الصلاة فرضًا للابتداء والاستمرار، فهو مقارن للصلاة من أولها إلى آخرها 80.
وللعلماء أحكام تفصيلية في حد العورة للرجال والنساء في الصلاة وخارج الصلاة، وفي أحكام الزينة وضوابطها، وما يجوز منها وما لا يجوز، وهذا مبسوط في مواضعه من كتب الفقه في أبواب الصلاة والألبسة، وفي كتب السنة وشروحها، ما لا يتسع المجال لذكره هنا.
حث القرآن الكريم على عمارة المساجد حسيًا ومعنويًا، وحذر من تخريبها وهدمها حسيًا ومعنويًا، وهو ما أتناوله على النحو الآتي:
أولًا: عمارة المساجد:
نص القرآن الكريم على عمارة المساجد، وبين صفة عمارها بأنهم أهل الإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فقال جل شأنه: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ? فَعَسَى? أُولَ?ئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) [التوبة: 18] .
وفي هذه المساجد الواردة في الآية قولان:
أحدهما: أنها مواضع السجود من المصلى.
والثاني: أنها بيوت الله تعالى المتخذة للعبادة، وفي كل احتمالات ووجوه.
فعلى القول بأن المقصود بها مواضع السجود من المصلي تكون عمارتها إما بالمحافظة على إقامة الصلاة، أو بترك الرياء، أو بالخشوع والإعراض عما ينهى.
وعلى القول بأنها بيوت الله تعالى فتكون عمارتها محتملة لثلاثة أوجه:
أحدها: إنما يعمرها بالإيمان من آمن بالله تعالى.
والثاني: إنما يعمرها بالزيارة لها والصلاة فيها من آمن بالله تعالى.
والثالث: إنما يرغب في عمارة بنائها من آمن بالله تعالى 81.
وبعمارة المسجد الحرام احتج بعض مشركي قريش يوم بدر حين وقعوا أسارى، فقد روي أن العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر، أقبل عليه نفر من المهاجرين وعيروه بقتال النبي صلى الله عليه وسلم وبقطيعة الرحم، فقال العباس: «ما لكم تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا؟» فقال له علي رضي الله عنه: «فهل لكم من المحاسن شيء؟» فقال: «نعم، إنا نعمر المسجد الحرام، ونحج الكعبة، ونسقي الحاج، ونفك العاني، ونفادي الأسير، ونؤمن الخائف، ونقري الضيف» فنزلت الآية 82.
ويقول الإمام الرازي في الآية الكريمة: «عمارة المساجد قسمان:
إما بلزومها وكثرة إتيانها يقال: فلان يعمر مجلس فلان إذا كثر غشيانه إياه.
وإما بالعمارة المعروفة في البناء.
فإن كان المراد هو الثاني، كان المعنى أنه ليس للكافر أن يقدم على مرمة المساجد» 83.
و «الشهادة لعمار المساجد بالإيمان صحيحة؛ لأن الله سبحانه ربطه بها وأخبر عنه بملازمتها وقد أثبت الإيمان في الآية لمن عمر المساجد بالصلاة فيها، وتنظيفها وإصلاح ما وهى منها 84.
وسبب عدم عمارة المشركين للمسجد مستفاد من عدة أمور أشار إليها الرازي بقوله: «والكافر إنما لم يجز له ذلك- أي عمارة المسجد- لأن المسجد موضع العبادة فيجب أن يكون معظمًا والكافر يهينه ولا يعظمه، وأيضًا الكافر نجس في الحكم، لقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة: 28] .
وتطهير المساجد واجب لقوله تعالى: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [البقرة: 125] .
وأيضًا الكافر لا يحترز من النجاسات، فدخوله في المسجد تلويث للمسجد، وذلك قد يؤدي إلى فساد عبادة المسلمين وأيضا إقدامه على مرمة إصلاح المسجد يجري مجرى الإنعام على المسلمين، ولا يجوز أن يصير الكافر صاحب المنة على المسلمين» 85.
وفضل تطهير المساجد وتنظيفها كبير وثوابه عظيم عند الله تعالى، ويستحق صاحبه التكريم، كما في الصحيحين عن أبي رافعٍ، عن أبي هريرة: (أن امرأةً سوداء كانت تقم المسجد - أو شابًا - ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عنها - أو عنه - فقالوا: مات، قال:(أفلا كنتم آذنتموني) قال: فكأنهم صغروا أمرها - أو أمره - فقال: (دلوني على قبره) فدلوه، فصلى عليها، ثم قال: (إن هذه القبور مملوءةٌ ظلمةً على أهلها، وإن الله عز وجل ينورها لهم بصلاتي عليهم) 86.
فضل بناء المساجد:
السعي في بناء المساجد وتشييدها في البقاع المختلفة هو نوع من عمارة المساجد، وذلك نشرًا لمواضع العبادة وتيسيرًا لأمرها على المسلمين، وقد تسابق المسلمون الأوائل في بناء المساجد، فكان مسجد قباء أول مسجد أسس في الإسلام، ثم تبعه المسجد النبوي، والذي تسابق الصحابة الأجلاء في بنائه، والنبي صلى الله عليه وسلم يعمل معهم بيديه الشريفتين، ويحمل الأحجار على كتفه الشريف.
ولما فتحت الأمصار كمصر والشام والعراق وغيرها تسابق الصحابة رضوان الله عليهم في بناء المساجد في كل مصر فتحوه، ليكون مشعل هداية ونور للمسلمين في تلك الأمصار، كما حدث في مصر حيث اشترك في بناء مسجد عمرو بن العاص عشرات الصحابة الكرام، حتى ورد أنه وقف على تحديد قبلته ثمانون صحابيًا 87.
وقد حثت السنة النبوية على ذلك وبينت فضل بناء المساجد، فقد أخرج البخاري عن عبيد الله الخولاني، أنه سمع عثمان بن عفان، يقول عند قول الناس فيه حين بنى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم: إنكم أكثرتم، وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من بنى مسجدًا) - قال بكيرٌ: حسبت أنه قال: (يبتغي به وجه الله - بنى الله له مثله في الجنة) 88.
ثانيًا: تخريب المساجد:
نهى القرآن الكريم عن تخريب المساجد والسعي في هدمها سواء كان التخريب أو الهدم معنويًا أو ماديًا، وبيان ذلك على النحو الآتي:
ونص القرآن الكريم في معرض الذم على حرمة وقبح التعرض لبيوت الله تعالى بمنع العبادة فيها أو السعي في تخريبها، وقد جاء هذا الذم في آية ضمن آيات تتناول اليهود والنصارى وهي قوله تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى? فِي خَرَابِهَا ? أُولَ?ئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ? لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ?114?) [البقرة: 114] .
وفي المقصودين بهذه الآية ثلاثة أقوال مشهورة للمفسرين:
القول الأول: أنها واردة في شأن النصارى الذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وأنهم كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه وأن المسجد هو بيت المقدس. حيث روي هذا عن ابن عباس ومجاهد ومقاتل 89.
القول الثاني: أن المقصود بها بختنصر وجنده ومن أعانهم من النصارى، والمسجد هو بيت المقدس. ويروى هذا عن قتادة والسدي 90.
القول الثالث: أن المقصود بها مشركي قريش، إذ منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام. ويروى هذا عن عبد الرحمن بن زيد 91.
وقد رجح شيخ المفسرين الطبري القول بأن المقصود بها النصارى، واستدل على صحة ذلك بوجهين: